رياض الواصلين >> قضايا ساخنة >> "الفوضوية الأخلاقية": هل هي فرقة جديدة في الأمة

20 مايو 2017 21:24

"الفوضوية الأخلاقية": فرقة جديدة في الأمة؟

عندي رأي في ظهور فرقة جديدة في الأمة، "منشقة" عن أهل السنة والجماعة، أسمي أصحابها: "الفوضويين الأخلاقيين". والله أعلم.
مقدمة عن علم الفرق:
علم الفرق علم عزيز رفيع، اهتممت به منذ شبابي الباكر.. وصنفت فيه كتابي عن الفرق الموجودة، كالإباضية، وعن الشيعة خصوصا (في حوالي 700 صفحة). وهو علم أسسه المسلمون لحصر مقالات الفرق الإسلامية وشرحها، ثم الرد عليها أحيانا.. حتى استقل هذا الفن بكُتاب وتآليف ومناهج وتاريخ.. ثم أهمله المتأخرون للأسف، وهو إلى اليوم مهمل. وآخر كبار علماء الفرق عندنا، والله تعالى أعلم، هو الشيخ الكوثري نبّه على أهميته وجدّد الكلام عليه.. لذلك أعتبر الشيخ مجددا لهذا العلم في القرن العشرين، فهو انتبه إلى أهميته وإلى استمرار حياة بعض الفرق في العصر الحاضر، في الوقت الذي كان فيه كثير من أهل العلم والفكر يظن أن علم الفرق اندثر باندثار موضوعه. وأتمنى أن يظهر في شبابنا من يتخصص فيه.
لذلك أرجو أن تُفهم مقالتي هذه في سياق علمي بحت، فليس غرضي التشهير بأحد ولا الشنآن مع أحد. فهي وصف لظاهرة معينة بحسب فهمي، وليست عبارة عن موقف إيديولوجي.. فلا أمدح ولا أذم.. أنا أسجل شيئا أراه يجري منذ سنين إلى اليوم، والله تعالى أعلم.
أهل السنة والجماعة، أو الجمهور الأعظم:
كان المسلمون أمة واحدة في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وعهد الخلفاء الراشدين، لكن في آخر زمنهم حدث أول انشقاق عن الأمة بظهور طائفة المحكمة، ثم الخوارج، ثم الشيعة، ثم المعتزلة..الخ. وظل الجسم الأكبر من الأمة بلا تسمية.. لاحقا في القرن الثاني أصبح يطلق عليهم: الجماعية، ثم أهل السنة والجماعة.
لذلك فأهل السنة، وهم الجمهور الأعظم طيلة تاريخ الإسلام، ليسوا فرقة أو طائفة.. بل هم الأمة. وهذا ما أدركه المفكر عزمي بشارة -وهو مسيحي فلسطيني- وتحدث عنه في بعض ما كتب.

الســــــؤال الكــــبير:
هل نعيش مرحلة مخاض لفرقة جديدة في تاريخ الأمة، تُضاف إلى فرقها الكثيرة، وهي بالعشرات؟
الجــــــواب:
ظني نعم، يكفي أن نستذكر أسماء أمثال: محمد سعيد العشماوي، وجمال البنا، ومحمود طه، وعدنان إبراهيم، وحسن فرحان المالكي، وسهيلة زين العابدين، ومحمد شحرور، والمهندس الرفاعي، وسيد القمني، ويوسف زيدان، ويحيى محمد.. الخ.
وهؤلاء جماعة كبيرة، وهم متفاوتون في قدراتهم العلمية وكفاءاتهم، كما هم مختلفون في قضايا كثيرة. وقد جمعتُ أسماءهم أعلاه دون مراعاة الأهمية وترتيبها.. إذ فيهم من هم أقل شهرة وقدرة كإسلام البحيري بمصر ومصطفى بوهندي بالمغرب وجماعة بتونس...
في مخالفة هذا التيار الفكري لجميع الفرق السابقة:
تأتي صعوبة تحديد هذه الجماعة وجمعها على صعيد واحد من كونها لا تتطابق مع أيًّ من المدارس الفكرية القديمة:
1 - ليست معتزلية: لأن أصولهم خمسة معروفة مشهورة (التوحيد، والعدل، والمنزلة بين المنزلتين، وإنفاذ الوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وإن تقاطعوا معهم في أمور كتغليب النزعة العقلية المطلقة.
2- وليست شيعية: لأنهم لا يقولون بالإمامة على طريقة الاثني عشرية.
3- وليست عقلانية ليبرالية صرفة: لأنهم يستدلون بالقرآن الكريم، ويرون وجوب طاعة الرسول عليه السلام كمبدأ عام.
4- وليست سُـنيّة: لأن من أبرز مميزات أهل السنة والجماعة ومن أكبر أصولهم: الاعتماد على الحديث النبوي، بالمناهج التي صنّـفوها.. فالحديث الشريف –مع القرآن الكريم- شكّــل علومهم ومعارفهم ومناهجهم وعقلياتهم وفقههم وتصوفهم وفكرهم.. فإذا حَددتَ من الحديث، وحصرتَه في القليل الذي لا يفيد تحليلا ولا تحريما.. خرجتَ من مصطلح "أهل السنة" ودخلت في فرق أخرى. مثلا إذا أسقطتَ الاحتجاج بصحيح البخاري (عموما، وليس نقد أحاديث محدودة) فكن على يقين أنك تخرج من دائرة أهل السنة.. صحيح أن بعض العلماء انتقد أحاديث في صحيح البخاري، لكن هؤلاء العلماء اتفقوا كلهم على أن الأصل في البخاري هو الصحة، والخطأ هو الاستثناء.. بينما أصحابنا هؤلاء قلبوا الآية، وجعلوا الأصل في البخاري هو الخطأ.
ملامح الفرقة المحتملة:
لذلك يمكن أن تكون هذه فرقة جديدة بملامح مميزة أبرزها ما يلي:
1- الاعتراف بالمصدر الإلهي للقرآن الكريم: فالقرآن وحي من الله عندهم. لذلك لم أذكر مثلا محمد أركون لأن فكره في النهاية يؤول إلى بشريّة الدين.
2- التأويل: يتوسّعون في تأويل النصوص الدينية، ولا يكاد يوجد عندهم ضوابط للتأويل.. كلّ يؤول كما يشاء.
3- رفض مناهج الأمة في إثبات السنة النبوية الشريفة والتعامل معها. فهم يقبلون السنّة كمصدر عام للاحتجاج، لكن يرون أنه يجوز لأيّ فهم عقلي أن يردّ حديثا حتى لو كان في أقصى درجات الصحة، فيكفي أن يقول: هذا حديث يعارض القرآن، أو يعارض العقل (أي عقله هو).. فيُسقطه. لكنهم ليسوا قرآنيين بالمعنى الاصطلاحي للكلمة لأنهم يحتجّـون أحيانا بالسنّة. وبطبيعة الحال لم يضعوا لهذا قاعدة، فالمدار هو التقدير الشخصي.
4- تحكيم العقل وتقديمه على النصّ حتى الصريح الصحيح. يوجد بمدرسة أهل السنة اتجاه عقلاني، كمحمد عبده مثلا ومدرسته الإصلاحية، لكنها في النهاية عقلانية مرتبطة في الغالب الأعمّ بالنصوص، خاصة الثابتة. أما هؤلاء فعقلانيتهم شبه مطلقة ومتحررة إلى حدّ بعيد جدا.. ولما كان العقل متعددا أصبحنا أمام عقلانيات متنوعة، وأحيانا متضاربة.
لذلك يرفضون مبدأ الإجماع الأصولي حتى لا يتقيّـدوا بشيء.
إشكالية التسمية:
هل يمكن أن نسمي هذه الجماعة باسم معيّن يدلّ عليهم؟
الحقيقة أن التسمية صعبة ومشكلة، يمكن أن نطلق عليهم: المعتزلة الجدد، أو التأويليين، أو العقلانيين..
ورأيي أن أدق تسمية هي: الفوضويون الأخلاقيون.
أما كلمة "الفوضوية" فلأن تعاملهم مع الإسلام وحضارته تعامل تطبعه الفوضى إلى حدّ بعيد، إذ لا توجد عندهم أصول محكمة، ولا قواعد واضحة، ولا مناهج محددة.. لذلك لا يمكن مناقشتهم، لأن الحوار يكون على أساس من قواعد العلم المتفق عليها، وهؤلاء لا يلتزمون بأيّ قاعدة تقريبا.
أما كلمة "الأخلاق"، فلأن الإسلام عبارة عن ثلاثة شعب رئيسة: العقيدة، والشريعة، والأخلاق.
وقد طغى على أصحابنا هاجس ما يسمونه: ملاءمة الإسلام للعصر. فهم حريصون على قصقصة ما يعتبرونه "مزعجا" للعقل المعاصر. وأول ذلك العقائد، فهم يريدون أن يُـقللوا من عددها وأن يحصروا بعض معانيها.. ليتقبلها الناس والزمان. لذلك تراهم يسارعون إلى إنكار عذاب القبر ونعيمه، وخروج الدجال، ونزول المسيح.. وتفاصيل كثيرة في البعث والجنة والنار..
والمجال الثاني الذي يهتمون بتحديده ما أمكن هو: الشريعة. لذلك حرصوا على تضييق مجال التشريعات الإسلامية، خاصة في المعاملات المالية والأسرة والفقه الجنائي..
لذلك بقي لهم من شعب الإسلام: الأخلاق، فأخذوا يوسّعون من دائرة الأخلاق، فيبرِزون أكثر الطابع الأخلاق "الإنساني" للإسلام. فالدين عندهم في جوهره أخلاق أولا، والتشريعات إما تُرَد أو تُـؤول (أمكن ذلك أم لم يمكن).. كما في أمثلة الحدود، والإرث، والطلاق والتعدد.. فالفكرة الجوهرية هي الالتفاف على الأحكام الشرعية "المُزعجة" لطبيعة العصر.. لكنهم يدّعون أن هذا اجتهاد وليس التفافا.
وهذا كله نوع من عَـلمنة الدين الإسلامي.
ما العـــــمل المطلوب لمنع ظهور فرقة جديدة؟
توجد أسباب كثيرة وراء ظهور هذا التيار، بعضها يرجع إلى العلماء والمفكرين الذين لا يؤدون واجبهم في الاجتهاد والعمل، فتركوا الساحة فارغة. وبعضها يرجع إلى تيار السلفية المتطرفة –وليس المعتدلة- فهي قدمت تفسيرا ضيقا للدين، كما تمخض عنها التيار الجهادي العنيف.. هذا كله نفّـر الناس منها.
كما لبعض "الفوضويين الأخلاقيين" طموحات شخصية في الظهور وقيادة الناس فنصّبوا أنفسهم مجددين.
لكن من جهة أخرى ينبغي الاستفادة من هذه المدرسة ومن آرائها، ولا داعي للموقف المتشنج تجاهها وتجاه أصحابها، فهم في النهاية جزء من الأمة الإسلامية ومخلصون لها، قد يقع توظيف بعضهم أحيانا، لكن غالب ذلك عن حسن نيّة.. ويجب الاجتهاد في الإجابة عن الإشكالات التي يطرحوها، وكثير منها إشكالات حقيقية، هي في جوهرها إشكالات الحداثة التي غزت عالمنا الإسلامي.
لكن هذا لا ينفي أن هذا التيار جديد، وأنهم ليسوا من أهل السنة والجماعة حتى لو ادّعوا ذلك. هم مسلمون على الرأس والعين، لكنهم ليسوا سنّة، بل هم منشقون عن الجمهور.. والله يحكم بين الجميع يوم الحساب. ثبّتنا الله على هديه وأرشدنا لما يحب ويرضى.
طلب مشاركة العلماء بالرأي:
وقد سعيت لعرض رأيي على بعض العلماء، لكنني لم أوفَّـق. وكان منهم فضيلة الأستاذ مصطفى بنحمزة، والأستاذ الإسماعيلي (أستاذ العقائد سابقا بجامعة الرباط).. وهذان في المغرب لهما خبرة بعلم الفرق ومشكلاتها.. وفي غيره لا أعرف الكثير، إذ المشكلة أن علماء الفرق –الراسخين- نادرون في عصرنا.
لكنني بحمد الله ظفرت بجواب الشيخ سعيد:
جواب الأستاذ سعيد فودة:
توصلت برأي الأستاذ الفاضل سعيد فودة، وهو من أهم العلماء المتخصصين في العقائد والكلام اليوم.. له مؤلفات ودروس مرئية.. وقد شرفت بالتعرف عليه بالأردن في إحدى الندوات. فشكراً للشيخ سعيد فودة على تفضله بالجواب وإبداء رأيي فيما عرضته من احتمال ظهور أو تكوّن فرقة جديدة في الأمة. وشكرا للأستاذ محمد أكرم أبو غوش الذي تكفل بالنقل.
هذا جواب الشيخ سعيد:
شكرا لك وللأستاذ الفاضل إلياس بلكا،
قل له إن المقال لطيف وأنا أوافقه في كثير مما قاله..
ولكنه قاصر في تحديد الأصول التي تُميز هؤلاء، فالأخلاق لا يَصح أن تكون المميز لهم، لأنهم يشتركون فيها مع غيرهم، بل المميز لهم عدم اعتبار العقائد والأحكام الدينية الخاصة بكل دين موجود السبب للنجاة. والأقرب أن يكونوا منتسبين لمذهب فلسفي معروف عالميا باسم التعددية الدينية religious pluralism، سواء عرفوا أم لم يعرفوه... وهو يركز على الأخلاق أيضا، ولكن باعتبار أنها عقليا السببُ في النجاة، وبناء على ذلك يقومون بتأويل كل ما يعارض ذلك من أي دين.
وقوله إنهم يقدمون العقل على النقل....الخ، وصفٌ غير صحيح، فلا نسلم أنهم يقدمون العقل فعلا، بل يقدمون ما يزعمون أنه عقل، وهو في الحقيقة هوى محض...
وبناء على ذلك فإنهم قطعا لا ينتسبون لأي فرقة من الفرق الإسلامية، لأنهم خالفوا أصول جميع الفرق. وبعضهم لا ينتسبون للإسلام لأنهم يعتبرون النجاة موكولة إلى ما يسمونه الأخلاق مطلقا بلا ضابط ولا تحديد.
فكل من يقول إن النجاة في الآخرة موكولة لكونك حَسن الخلق، دون أي اعتبار للعقائد والاعتقاد بلزوم الإذعان للأحكام فقد خرج عن أصول تلك الديانة. ومن خرج على أصول الديانة المنتسب إليها كيف يكون منها؟
وهذا الحكم ليس على كلِّ من ذكرتم من هؤلاء. فبعضهم أقلُّ من بعض في ذلك.. (يعني الشيخ أن هذه الأسماء وأمثالها التي ذكرتها ليس لها نفس الحكم، ففيها المسلم مع تأويله الفاسد، وفيها الذي يخالف الأصول القطعية للدين نفسه وعن وعي واختيار).
خاتمة:
هذا والله أعلم هو الحلّ الأوفق لمشكلة توجد بكثرة، وهي حيرة الناس في تصنيف هذا التيار الجديد. الحلّ بسيط، لكنه حقيقي: هذه فرقة جديدة.
فلا ينبغي الاستهانة بالموضوع، فقد تكبر هذه الجماعة وتتوسع.. وتعمل شقـّا جديدا لصف الأمة، رغم أن خلافاتها كثيرة بحيث لا يجمعها إلاّ القليل. عموما يحتاج الموضوع لدراسة مستقلة.. ويحتاج أيضا لنور العارفين وحكمة الصالحين ونصح الربانيين.. وهم في منتدانا المبارك موجودون. والحمد لله رب العالمين.
إلياس بلكا
عضو نشيط
مشاركات: 183
اشترك في: 22 إبريل 2017 14:35
آخر نشاط: 22 مارس 2018 01:48
العمر: 50
اتصال:

22 مايو 2017 14:16

جزاك الله خيرا
احمد محمد البطش
آخر نشاط: معلومات غير متوفرة

22 مايو 2017 15:34

جزاك الله خيرا ، فعلا الموضوع يحتاج إلى بحث، وخصوصا مع تكاثر للعدنانيين في صفوف الشباب . (الذين يدافعون عن فكر عدنان إبراهيم ).
حنان المطيشي
آخر نشاط: معلومات غير متوفرة


العودة إلى “قضايا ساخنة”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 0 زائر