رياض الواصلين >> كتب ورسائل الشيخ فتحي بن أحمد السلامي القيرواني >> رسالة حول ضرورة الشيخ المربي لمريد السلوك

12 إبريل 2020 09:22

شيخ التربية :
ثمّ الأستاذ قف على أعتابه *** كي تسقى خمرا من صفا شرابه
لا تغتنم رضاه يــــــا بني *** فذاك غنم زائد عن كـــل شـــيء
ولتتبع سبيل من أناب إلي *** معناه جاء في الكتاب المـــنزل

يعني ثمّ أنه يجب عليك أيها المريد أن تلازم خدمة أحد مشايخ التربية الذين له قدم راسخة في علم التحقيق وتصفية بواطن المريدين فتكون ملازما لأعتابه قارعا لبابه عسى أن يفيض عليك من فيض معارفه اللدنية ومواهبه الرحمانية فإن الشيخ باب حضرة الله وهو الرفيق الوحيد الذي يوصلك إلى الله بعد أن يسلك بك مخاوف الطريق ويفك أسرك من العوائق والعلائق

فإن الإنسان لا بد له من خدمة قدوة يقلده ويسير خلف مسيره ليحفظه من كل مانع وعائق وإلا كان أسير الشيطان والنفس وما والاهما وقد قيل " من لم يكن له شيخ فشيخه الشيطان "
وما أحسن قول بعضهم :
من لم يكن خلف الدليل مسيره *** كثرت عليه طرائق الأوهام

نعم تتشتت عليه مراداته وتشتبه عليه الطرق حتى أنه لم يميّز الطريق الموصل إلى الجنة وربما ظن طريق الجنة هي طريق الله فيضل عن سواء السبيل كيفما كان حال ذلك الإنسان ولو بلغ ما بلغ من العلوم المكتسبة فلا بدّ له من صحبة من يأخذ بيده ويوصله إلى ربه ليكون علمه ذوقيا يأخذ المعاني من معدنها والجواهر من بحارها حتى أنك تراه يفهم اللفظ حسبما أطلع عليه من مدلوله المراد ولا يتقيد في الفهم بما يقتضيه الحروف والمداد فيكون كعصفور يشرب من البحر بمنقاره

بل يأخذ المعاني من بحر عالم الغيب ويملأ بها كؤوس الألفاظ حتى يتدفق المعنى من كأس اللفظ فترى كلام أهل الله له صولة قوية تؤثر في قلوب السامعين وتنهض بها إلى أعلى عليين
فإن كلامهم حكمة بالغة نبعت من قلب المريد ما ذلك إلا لأنه جعل سندا يتصل به إلى سلسلة القوم فكان مراعيا لمنبع مدده

أما من لم يكن له سند وواسطة يقول له ها أنت وربك فلا تجري الحكمة على لسانه ولا تنبع مياه المعرفة من جنانه بل يكون عقيما لا يلد شيئا من الحكم والفوائد ولذلك قال الغزالي : إذا وجدتم الرجل قد طبق الأرض علما ولم يكن له سند يوصله إلى سلسلة القوم فهو عقيم لم يكن يلقى الحكمة
ومن لم يكن له شيخ يربيه ويتدرج به في طريق الله يسمى عند القوم لقيطا لا أب له وما ألطف قول الشيخ سيدي أحمد عرب الشرنوبي في تائيته :

وإن لم يكن شيخ يريه شخوصها *** ويدنيه من أم القرى وبثينة
فليس له من عمره غير رسمـــه *** وعيشته فينا كعيش البهيمة
ويدعى لقيطا أين حل معـــطــلا *** وإن كان ذا علم كزوج عقيمة

فمن اقتدى بشيخه وتبعه في أقواله وأفعاله وأحواله ولازم الوقوف على أعتابه سقاه شيخه خمرا من صفاء شرابه
وقولنا يجب على المريد أن يلازم خدمة أحد مشايخ التربية هو ما جرى عليه عمل السلف الصالح رضي الله عنهم منهم الحسن البصري رضي الله عنه الذي خدم الإمام عليا كرم الله وجهه وأخذ عنه
ولا يستغني أحد عن صحبة شيخ التربية لأن تربية الحال لا يغني عنها المقال وتحصيل الأذواق لا يكون بمطالعة الأوراق وقد ذكر العلامة المتبحر الشيخ سيدي الحاج محمود مقديش الصفاقسي رضي الله عنه في كتابه - نور الحق المبين لإيضاح المرشد المعين - أنه اختلف فقراء الأندلس هل يستغنى عن شيخ التربية بالكتب أم لا فسألوا عن ذلك علماء الأندلس فأجابوهم بجواب طويل وحاصله :

" أن شيخ التعليم يستغنى عنه بالكتب من كان له إلمام بالفهم ومعرفة مضان المسائل وشيخ التربية لا بد من صحبته ولا تكفي عنه مطالعة الكتب .اه. باختصار

واعلم أن المريد لا بد له من آداب يتحلى بها ويلازمها مع شيخه منها التسليم له وعدم الإعتراض عليه وامتثال امره ونهيه وتعظيم حرمته لأنها حرمة الله كما قال ابن العربي في الفتوحات المكية
ما حرمة الشيخ إلا حرمة الله *** فقم بها أدبا لله بالله
ومحبته فوق جميع من يحبه وغير ذلك إلا أن جميع الخصال مجموعة في تحصيل رضاه فذلك هو غاية المنى والمطلوب وأقصى ما تمتد إليه أعناق المريدين فتحصيل المريد رضا شيخه غنيمة كبرى ومرتبة أخرى لذلك قال أبو مدين التلمساني رضي الله عنه

وراقب الشيخ في أحواله فعسى *** يرى عليك من استحسانه أثرا
صورة العضو الشخصية
على الصوفي
عضو نشيط
مشاركات: 175
اشترك في: 21 إبريل 2017 03:15
آخر نشاط: 14 إبريل 2020 10:45
اتصال:

العودة إلى “كتب ورسائل الشيخ فتحي بن أحمد السلامي القيرواني”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائران