رياض الواصلين >> قضايا ساخنة >> الحلم الأحمق

16 يونيو 2019 22:12

الحلم الأحمق.

جاء في القرآن الكريم: (ومن آياته خلق السماوات والأرض، واختلاف ألسنتكم وألوانكم. إن في ذلك لآيات للعالمين). فقرن الله جل ذكره الآية العظيمة التي هي خلق الأفلاك الهائلة بالآية التي لا تقل عظمة، وهي اللغة.. اللغة معجزة حقيقية: كيف يستطيع الطفل منذ ولادته تعلم نظام جد معقد كاللغة، وكيف يتواصل الإنسان بهذه الأصوات مع سائر بني البشر، وكيف يعبر بهذه الرموز عن العالم وتجاربه في الحياة..
وكما أن اللغة في ذاتها آية من آيات الله، فاختلاف اللغات آية أخرى.. لا يذم القرآن التنوع اللغوي، كما تفعل التوراة مثلا، فمدينة بابل من كلمة بلبل.. تقول التوراة: إن الله لما أراد عقاب المدينة ابتلاها باختلاف اللغات وبلبلة الألسن..
وقد سادت الحضارة الإسلامية قرونا، فلم تحارب لغة قوم أو لسان شعب.. لذلك كان في عالم الإسلام ما لا يقل عن ألف لغة ولهجة.. وفق أضعف التقديرات وأقلها.
ما الذي حدث اليوم حتى صارت بلدان إسلامية عديدة تعيش ما يمكن اعتباره فوضى لغوية، أو صراعا لغويا؟
الذي حدث هو التراجع الحضاري العام للأمة الإسلامية، ومعه تراجعت اللغة العربية، واحتلت مكانها لغات أوربية: إنجليزية وفرنسية وإيطالية وإسبانية.. فاختل التوازن اللغوي التاريخي.
لم تكن العربية لغة القرآن فقط، بل إلى ذلك لغة العلم والفقه والحضارة والتقنية والآداب.. فكان الأمر بسيطا بالنسبة للمسلمين: إذا كانت لغتهم الأم هي العربية فلا إشكال، وإن كانت غيرَ العربية قاموا فتعلموا اللغة العربية لأغراض الدين والدنيا.. فأصبحوا مزدوجي اللغة: اللغة الأم للحياة اليومية، والعربية لغة الحضارة والدولة والانفتاح على العالم..
إذن كان المسلمون: إما عرب بلغة وحيدة هي العربية، وإما "عجم" بلغتين: لغتهم الأم واللغة العربية.. ونجح هذا طيلة قرون واستمر.
حين جاء الاستعمار وفرض مدارسه وتعليمه ولغاته.. أصبحت القضية تتعلق بثلاث لغات لا بلغتين: اللغة الأم (بالنسبة لشعوب الأتراك والأكراد والفرس والأمازيغ والهنود والملاويون..). ثم اللغة العربية. ثم اللغة الأوربية الدخيلة... فاختل التوازن التاريخي، وبقي مختلا إلى اليوم. وساعد على ذلك ظهور الفجوة العلمية والمعرفية الهائلة بين أوربا والعالم الإسلام، بحيث لم تعد العربية هي لغة العلوم والحضارة.
ذلك أن المجتمعات البشرية – فيما أرى- لا تتحمل ثلاث لغات.. لا توجد مجتمعات ثلاثية اللغة، إلا نادرا.. الذي تتحمله المجتمعات وتثبته التجارب في الماضي والحاضر هو شيوع لغتين.. لا ثلاثة، فبالأحرى أن نتكلم عن أربعة. ولا يتناقض هذا مع الآية القرآنية السابقة، إذ لا يعني التنوع اللغوي بالضرورة أن يكون الإنسان الواحد بلغات متعددة، بل المقصود هو انتشار لغات كثيرة في الأرض.. ولا يمنع هذا من غلبة لغة أو اثنتين في هذا المكان من الأرض أو ذاك.. لكن بالمجموع تكون للبشرية ألسن كثيرة.. هذه هي الآية المعجزة.
لكن قد يقال في الاعتراض علي: إن بعض الدراسات الحديثة تقول بإمكان تعلم لغات كثيرة. وجوابي: هذا ممكن في حالات فردية بالنسبة لأطفال بورجوازيين يجدون الدعم والاهتمام والمدرسة المناسبة والمدرس المحترف.. أما على العموم فلا يمكن تعلم أكثر من لغتين. دع عنك الكلام النظري المنمق، وانظر إلى الواقع: واقع الدول الكبرى: هل في اليابان ثلاث لغات، هل يتعلمون في الصين ثلاث لغات، هل يعرف الروس ثلاث لغات، بل هل يتقن الأمريكيون لغتين، هل في أوربا يتعلمون ثلاث لغات، هل البرازيلي العادي يعرف لغتين.. لقد زرت كثيرا من الدول الأوربية، ووجدت أكثر الناس لا يعرفون إلا لغة واحدة، حتى الشباب يعرف لغته الوطنية، ويلم بلغة ثانية –هي غالبا إما الإنجليزية أو الألمانية- إلماما متوسطا لا متقدما.. وهذا أيضا تؤكده الدراسات.
لذلك فهدف إتقان ثلاث لغات ورفعه لمستوى مشروع وطني أو قومي.. هدف غير واقعي.. هو حلم لذيذ.. لكنه حلم أحمق. فكيف -في حالة المغرب مثلا- بأربع لغات مختلفة، وبثلاثة أبجديات لا رابط بينها ولا علاقة؟
بإمكان بعض الناس تعلم لغات ثلاثة، بل إتقانها لدرجة القدرة على الاستعانة بها في أغراض البحث والدرس والمتابعة والتقنية والانفتاح على العصر.. بل هذا مطلوب في الأمة، فإن إتقان اللغات الحية والكبيرة فرض كفاية على الأمة، بتعبير علماء أصول الفقه.. لكن لا يمكن أن نطالب بذلك كل الناس، وأن نفرضه على جميع الأطفال، وفي كل مكان..
مما قرأته في بعض ما كتب الأستاذ القدير محمد معتصم، وهو لغوي مغربي بارز، أن أحد السفراء الأمريكيين بالمغرب قال له حين تتبع النقاش اللغوي الذي كان يدور بالبلد: أنتم تطلبون من أطفالكم فوق ما يجب، وتـُكلفونهم فوق ما ينبغي.
جميل أن تحلم وأن يكون لك طموح كبير، لكن دع الأحلام الحمقاء جانبا، فإنك لن تجني منها غير الإحباط حين تستيقظ من أوهامك على صخرة صلبة اسمها الواقع.
إلياس بلكا
عضو نشيط
مشاركات: 250
اشترك في: 22 إبريل 2017 14:35
آخر نشاط: 21 يونيو 2019 22:34
العمر: 50
اتصال:

17 يونيو 2019 00:17

جزاكم الله خيرا وبارك فيكم
مقال أكثر من رائع ينم عن علم ومعرفة وادراك للواقع
مقالاتك رائعة ومفيدة للمسلمين أستاذ إلياس بلكا ليت القوم يقرؤون لكم
مما قاله لي مرة سيدي الشيخ فتحي السلامي القيرواني كان الله له بخصوص ما ينشر في المنتدى " تعجبني مقالات الأستاذ إلياس بلكا على وجه الخصوص وبعض مقالات أخرى " لكنه لم يذكر لي أصحاب المقالات الأخرى
العبد الفقير أستمتع بما تكتبونه حقيقة
إلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّــــي *** مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّــــي
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي *** لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عنّـي
صورة العضو الشخصية
على الصوفي
عضو نشيط
مشاركات: 281
اشترك في: 21 إبريل 2017 03:15
آخر نشاط: 14 نوفمبر 2019 23:19
اتصال:

21 يونيو 2019 14:44

بارك الله فيك أخي الكريم... وشكر الله حسن ظنك بالعبد الفقير.
وأنا سعيد بما قاله شيخنا سيدي فتحي السلامي في حقي، فهي شهادة أعتز بها من أمثاله، وإن كان رضي الله عنه ليس له مثيل.
إلياس بلكا
عضو نشيط
مشاركات: 250
اشترك في: 22 إبريل 2017 14:35
آخر نشاط: 21 يونيو 2019 22:34
العمر: 50
اتصال:

24 يونيو 2019 11:14


جزاكم الله خيرا دكتور الياس بلكا ، فعلا هو حلم أحمق يرجع إلى مخلفات التخلف بصفة عامة و الخلل الواضح في تحديد الأهداف ، و من ناحية أخرى يرجع هذا الأمر غالبا إلى قضية الخلل في الإنتماء و فقدان الهوية العربية أو الإسلامية ، مما يضطر إلى التحدث بلغة من يرو أكثر تقدما و تحضرا ، مثل ما يقلد في طريقة الأكل و اللبس و غير ذلك ، مما يؤثر تلقائيا في تغيير المبادئ و القيم و طريقة ادارة الحياة ككل و بالتالي التجرد التلقائي عن الدين ، حتى يصبح ينظر لمن يتحدث العربية و كأنه متخلف فلا يحترم حتى لو فاقه علما و ثقافة ...

قصة : ابوين يدرسان ابنهما في مدارس لغات و يتحدثون معه باللغة الفرنسية فقط و هم يضطرون إلى تركه مع العاملة المنزلية عند تواجدهم في العمل ، و مرة عند عودة الام تحدث معها ابنها باللغة العربية بسبب تعوده على التحدث مع العاملة المنزلية بها ، فنهرته الأم و قالت له لا تتحدث بهذه اللغة لأنها لغة العاملات .

و الأصل كما ذكرتم سيدي أن تعلم لغة اضافية يجب أن يكون لهدف ايجابي محدد و إلا فهناك من العلوم النافعة ماهي أحوج أن يخصص لها الأوقات ...
نور الصفاء
عضو نشيط
مشاركات: 122
اشترك في: 22 إبريل 2017 02:38
آخر نشاط: 19 نوفمبر 2019 15:05
العمر: 46
اتصال:


العودة إلى “قضايا ساخنة”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 0 زائر