رياض الواصلين >> التصوف و السلوك >> مقال (6): المحبة الإلهية

15 يونيو 2019 22:34

ملاحظتان:
الأولى أنني الآن أقول: كتبتُ عن المحبة الإلهية، لكن الحقيقة أنني لا أعرفها. الآن أقول: لا أعرف هذه المحبة العظيمة ولم أذقها، قرأت عنها في الكتب، وأسمع الناس يتحدثون عنها، لكنني شخصيا بعيد عنها لا أدعي منها شيئا. أي أنني كتبتُ عن شيء لا علم لي به، أعني العلم الحقيقي، وليس التشديق باللسان. الثانية: خلاصة المقال في الأخير تقديم الرجاء، والآن أقول: بل تقديم الأدب والانقباض والخوف أوْلى في هذه الدنيا، فهذا أبعد عن الدعوى وأنسب بحال معظمنا. والله أعلم.
سياق السلسلة في الحاضر:
اقرأ:
اضغط هنا
سياق السلسلة في الماضي:
نحو تصوف سلفي، أو سلفية صوفية.
السلفية والصوفية فريقان كبيران في الأمة الإسلامية.. لكنهما كثيرا ما كانا متخاصمين غير متفاهمين ولا حتى متعايشين. ولعل من المهمات المستعجلة بالنسبة للفكر الإسلامي المعاصر أن يعمل على التقريب بينهما، بتفهّم مصادر الخلاف وآثاره ومحاولة علاجها. وهو مشروع كبير لابد من إنجازه عوض انتظار اندلاع معارك صوفية- سلفية، على شاكلة الحروب السنية – الشيعية، فنضيف لتاريخ الصراعات الإسلامية- الإسلامية فصولا جديدة من الدماء المعصومة ومن الطاقات المهدورة ومن الشروخ النفسية والاجتماعية.. حلقات مفرغة من التآكل الداخلي للأمة الجريحة.. دفع المسلمون بسببها – وما زالوا يدفعون - ثمنا غاليا من أمنهم وعيشهم ومكانتهم بين الأمم وشهودهم الحضاري. هذه بعض المقالات في هذا الإطار.. تستهدف تحقيق ما يمكن تسميته بـ: التصوف السلفي.

المحبـــــــــــــــــــة الإلهيـــــــــــــة:
رأينا في المقال الثالث (عن الخوف والرجاء) أن من وسطية الإسلام الجمع بين الخوف والرجاء. لكن بعض السلفية يخطؤون في بعض الأمور في هذا الباب، منها شدة نكيرهم على بعض القوم الذين غلبهم الوجد، فإن حال بعض المحبين وما صدر عنهم من أقوال أو أشعار.. مما لا يقبل، أو لا نعرف له وجها شرعيا.. هي شطحات من أناس غرقوا في المحبة، فلهؤلاء فضلهم، ولا أحد بعد النبي معصوم، فيعذرون ويؤول كلامهم، فلا ينبغي تحميل المسألة ما لا تحتمل. فأمر عادي جدا أن ينجذب بعض الأفراد إلى جمال الحضرة الإلهية وجلالها فيتيهون في بحارها ويحارون في أنوارها، وتصدر عنهم كلمات قد لا نرضاها.. فهذا من أثر الدهش البديع أمام الجلال الرفيع، والانبهار البهي بالملك العليّ.. كما جاء في حديث البخاري في الذي فقد ناقته بأرض فلاة، فلما وجدها صاح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، قال عليه السلام: من شدة الفرح أخطأ. لذلك يفرق شيوخ التصوف بين حالة المجذوب وحالة السالك، مع الاتفاق على أن حال الأول قصور عن درجة الثاني. ونحن نرى رجالا وقعوا في حب بعض النساء فضاعت عقولهم وأتوا بكل شطح متصور، فهذا حب المخلوق فكيف بحب الخالق.
على أن الفكر السلفي مصيب في مسألة هنا، وهي أن الشطح إذا كان معذورا فلا ينبغي إشهاره بين العامة لأنه يضرهم ولا ينفعهم بشيء. ومن حق الأمة أن تحفظ عقائدها البارزة وأعلامها الدينية.
ومن ناحية أخرى فإن التصوف لم يكن كله محبة، بل انتشر فيه الخوف أيضا، خاصة بمدرسة الزهد بالبصرة وبفروعها، ثم لاحقا بمذهب التعبّد، أعني القائم على المبادئ الأربعة: العزلة، والجوع، والصمت، والسهر. وهو الذي تفرع عن الغزالي وعمله الإحيائي.
وهذا أصل الاختلاف بين طريقة الغزالي وطريقة الشاذلي، رضي الله عنهما، وكلاهما بحر من بحار التصوف وجبل من جباله. فالأولى تقوم على مجاهدة النفس وأخذها بالعمل والشدة، والثانية قائمة على الشكر ومعرفة حق الله تعالى على عبيده، لذلك فهي أخف في العمل، وهذا ربما من أسباب انتشار طريقة الشاذلي بعد انصرام القرن السابع، لأنه كان قد مضى زمن السلف الذي عرف كبار الزهاد والعباد، ممن له القدرة على قيام الليل وصيام النهار، والخروج عن الأموال والأولاد.. حتى إن سهل التستري رضي الله عنه بدأ قيام الليل مع خاله وهو ابن الثالثة، فانظر إلى هذه الطينة البشرية الرفيعة والنادرة.. وأين هذا من بعض مدعي التصوف.
أما الشاذلي فحاول أن يجدد التصوف، ويصحح سكـته ويقيمها على الشرع، فتوصل إلى منهجه الذي لخصه في كلمته المشهورة الرائعة، وهي أن حال المتصوف ينبغي أن يكون كالآتي: "الجسد في الحانوت، والقلب في الملكوت".
والنتيجة أن طريقة الغزالي أقرب إلى مقام الخوف، بينما طريقة الشاذلي أقرب للرجاء، فالشكر وثيق الصلة به، بل يصدران عن مشكاة واحدة.
ثم إنه وإن كان الأفضل هو الجمع بين الخوف والرجاء، إلا أنه لا ضير في غلبة أحدهما على العبد. فأسماء الله وصفاته أنوار عظيمة، فتختلف اختلافا كبيرا في تجليها على العباد، وكلّ يقسم له بحسب ما قدّره الله له. وقد كان عثمان بن مظعون وبعض الصحابة ممن يغلب عليهم جانب الخوف أكثر، وكان صهيب ممن غلبت عليه المعرفة حتى قال فيه نبينا: نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه.
فأمر عادي أن يغلب أحد الطرفين على الآخر، فهذه مقامات متنوعة، ومنها أيضا الحزن حيث يغلب على البعض النظر للمعصية والتقصير.. لكن رغم ذلك يجوز إرجاع الحزن إلى الخوف. وكان بمنطقة الريف بشمال المغرب في الماضي رجل صالح لم يرفع رأسه إلى السماء أربعين سنة، ولم يكن يقدر على ذلك لغلبة الحياء من الله تعالى عليه، بحيث إذا أراد أن يفطر بعد الصوم مثلا يسأل الحاضرين هل غربت الشمس ولا ينظر إليها. ويكفي الاطلاع السريع على كتب طبقات القوم ليظهر هذا المعنى بوضوح.
تبقى مسألة مهمة، وهي هل في ديننا ما يشير إلى أفضلية أحدهما، أو تقديمه. والجواب نعم، وهذا ما يغفل عنه بعض السلفية. وهو أن الرجاء أولى، ما لم يكن مع البطالة أو المعصية فيكون غرورا وأملا كاذبا. وهذا لوجوه متعددة:
أ- أنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي أنه سبحانه قال: إن رحمتي سبقت غضبي. وفي حديث آخر أن لله مائة رحمة أنزل منها للدنيا واحدة فقط.
ب- إن مذهب أهل السنة والجماعة هو عدم خلود العاصين في النار، فمن مات وهو لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، إما مباشرة أو بعد محطة عذاب.. لكن علماءنا أجمعوا على أنه لا يخلد في النار موحد. وهذا لا يعني عدم الحذر في مخاطبة عموم الناس، فلا يجوز أن نخاطبهم بالرجاء وحده فيتكلون، وإنما نمزجه مع التخويف أيضا. لكن هذه مسألة تربوية لا علمية، لأنه في العلم لا شك أن جميع الموحدين في الجنة.
ج- إن الله كبير رحيم جواد، وهو لا يفتقر بمعصية عاص ولا يغتني بطاعة طائع، فالمأمول منه سبحانه هو التجاوز عن أخطائنا وضعفنا وقصورنا..
د- ولا يستلزم هذا مذهب الإرجاء الذي هو بدعة صريحة، فإن أهل السنة لا يلغون العمل، بينما قالت المرجئة: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة.
إن تقديم الرجاء إحسان ظن بالله، وهو محمود، خاصة عند اقتراب الموت.. فما لم يتكـّل المرء على مجرد الأماني من الله دون عمل، وهو غرور من العبد، فإن حسن الظن بالباري أفضل، وفي الحديث الصحيح: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن عبدي بي ما يشاء.
والإسلام أيضا توازن بين الأمرين، كما هو وسط بين الدينين اليهودي والمسيحي، فربّ المسيحية طيب رحيم فقط، ورب اليهودية قاس غاضب مدمر.. وربنا رب الإسلام من جهة كريم رحيم، ومن جهة أخرى قوي عزيز.. له جميع صفات الكمال والجلال.
إذن فتقديم المحبة والرجاء على الخوف والرهبة لا بأس به، والعكس أيضا لا بأس به، فالناس متفاوتون في استعداداتهم ومداركهم، وكل ميسر لما خلق له.. فإذا كان ذوق بعض الصوفية تغلب عليه المحبة، مع عبادة والتزام بالشرع.. فلا بأس به، بل كما تقدم الأصل هو تقديم المحبة.
ويحكى عن بشر الحافي، وكان ممن يغلب عليه الخوف جدا، أنه رئي في المنام بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: كرمني وأدناني منه وقال لي: يا بشر أما استحييت مني، تخافني كل هذا الخوف؟ يبقى هل على مذهب المحبة قيود، أم هو مطلق ليس عليه حدود. هذا الموضوع القادم.
إلياس بلكا
عضو نشيط
مشاركات: 250
اشترك في: 22 إبريل 2017 14:35
آخر نشاط: 21 يونيو 2019 22:34
العمر: 50
اتصال:

العودة إلى “التصوف و السلوك”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد