رياض الواصلين >> قضايا ساخنة >> في ضرورة إعادة قراءة تجربة الاستعمار

14 يونيو 2019 23:57

هذا آخر مقال في سلسلة الحروب الصليبية، وقبله مقال: أثر سقوط الأندلس على الخليج.
في ضرورة إعادة قراءة تجربة الاستعمار.
كان الاستعمار الأوربي لأراضينا نقطة تحوّل تاريخية ضخمة جدا، تفوق في آثارها الأحداثَ الكبرى التي مرّت بها أمتنا كسقوط بغداد على أيدي المغول، أو انتهاء الوجود الإسلامي بشبه الجزيرة الإيبيرية بعد ثمانية قرون من الحضارة والعمران المزدهرين..
جاء الاستعمار ليبقى، وكان في بدايته كالموجة الكاسحة، فلم تنفع معه المقاومة العسكرية ولم يمكن الصمود في وجه إعصاره العاتي.. لذلك انتهت وتوقفت جميع حركات الجهاد المسلح كحركات عبد القادر الجزائري وعمر المختار ومحمد بن عبد الكريم الخطابي.. رغم قوتها وانتصاراتها وتضحياتها الهائلة..
ثم تغيرت الظروف بين الحربين العالميتين، فتعلم المسلمون من أوربا نفسها، وتعرّفوا على العصر وطبيعته، واستدركوا بعض القوة، فنشأت نهضة حقيقية في حقول متنوعة.. ثم جاءت الحرب الكونية الثانية فأضعفت دول أوربا بتقاتلها المريع حتى انهار أكثرها.. وكانت فرصة ذهبية للعرب والمسلمين نالوا على إثرها استقلالهم.
لكن لأسباب كثيرة جاء هذا الاستقلال منقوصا، فكأن الاستعمار العسكري المباشر رحل ليترك مكانه لاستعمار آخر فكري واقتصادي بالأساس.. لذلك كانوا يقولون: إن الاستعمار خرج من الباب ودخل من النافذة.
وهذا حقّ لا مرية فيه: إن الاستعمار مستمر وقائم، لكن بصور أخرى، فهذه لغاته ومدارسه ومؤسساته وشركاته ومصانعه وإعلامه وجواسيسه وعملاؤه.. في كل مكان. بل ثمة من يرى من المحللين أن الاستعمار التقليدي العسكري عاد أيضا، كما يشير لذلك انتشار بعض الجيوش الغربية في كثير من مناطق العالم في هذه السنين الأخيرة.
لماذا يجب بحث هذا الموضوع؟ لأن نهضتنا المنشودة لم تتمّ، لقد تعثرت وتأخرت. في الحقيقة هذا يعود إلى عاملين داخلي وخارجي، وصحيح أن العامل الداخلي مهم، بل ربما كان هو الأهم، لكنْ دَعونا نركز في هذه المقالة على العامل الخارجي، وقد نعود للحديث عن العامل الداخلي مستقبلا..
لهذا نحتاج إلى إعادة قراءة واسعة وعميقة وجذرية لظاهرة الاستعمار، ولتجاربنا وتجارب غيرنا في مكافحة الاستعمار. علينا أن نعرف لماذا اتجهت أوربا منذ منتصف القرن التاسع عشر إلى استعمار أكثر بلدان العالم بحيث لم ينجُ منها إلا مناطق قليلة جدا.. وكيفت خطط لاجتياح العالم، وماذا كانت أساليبها ووسائلها، خاصة غير العسكرية منها، كيف تلقت المجتمعات الصدمة الاستعمارية وكيف تعاملت معها، ما هي نقاط قوة الاستعمار ونقاط ضعفه، وبالمقابل ما هي أوجه قوة المجتمعات التي قاومته، وما هي أوجه ضعفها. وماذا يعني الاستعمار الجديد، وما الصلة بينه وبين الاستعمار الكلاسيكي، وما هي وسائله الآن، وكيف نجحت بعض المجتمعات في تجاوزه، كدول "البريكس" مثلا.
عَجَبا أننا لا نملك مراكز لدراسات مرحلة الاستعمار: مراكز تجمع الأرشيف والمادة العلمية والدراسات والندوات المتعلقة بهذه المرحلة.. وها إن جيل الاستقلال أكثره انتقل إلى جوار ربه، ولم نستفد منه شيئا، ذهب وذهبت معه أسرار ومعلومات وتجارب ثرية..
إن أكثر بلداننا خضعت للاستعمار لمدد تتراوح بين نصف قرن وقرن، وشهدت في ظله تحولات هائلة، بعضها إيجابي وبعضها سلبي.. ورغم ذلك قليلا ما تجد هذه الدول اعتنت بتسجيل ما حدث في هذه الفترة وتقييمه.
لذلك ثمة حاجة إلى إعادة قراءة ظاهرة الاستعمار ومقاومته، أن نقرأه نحن جيل الاستقلال، ولا نكتف بما سجله الجيل الذي عاش في زمن الاستعمار.. علينا نحن الذين وُلدنا في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات.. من القرن الماضي أن ننجز هذه القراءة.. لنعرف كيف نكمل المهمة: مهمة الاستقلال الكامل غير المنقوص.
وفي هذا السبيل يمكننا أن نبدأ بما كتبه فرانز فانون: معذبو الأرض (Les Damnés de la Terre ) ، وحامد ربيع، وجمال حمدان، ومالك بن نبي، وعلي شريعتي..
كما يوجد عدد مهم من الدراسات التاريخية بأوربا وأمريكا عن المرحلة، ويجب انتقاء بعضها وترجمته إلى العربية. من هذه الدراسات واحدة بجامعة بريطانية لمجموعة مؤرخين كشفوا أن غنى البريطانيين في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين لا يرجع إلى الثورة الصناعية فقط، بل يرجع أساسا وقبل ذلك إلى سرقة ثروات الهند واستغلال الهنود.
يفترض أن نستخلص بعد هذه البحوث دروسَ التجربة، بعضها دروس عامة، وبعضها يتعلق ببلد معين، عربي أو إسلامي أو عالمثالثي.. أتمنى على جيل الباحثين من الشباب أن ينجز هذا العمل فائق الأهمية.
إلياس بلكا
عضو نشيط
مشاركات: 250
اشترك في: 22 إبريل 2017 14:35
آخر نشاط: 21 يونيو 2019 22:34
العمر: 50
اتصال:

العودة إلى “قضايا ساخنة”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 0 زائر