رياض الواصلين : علم التصوف و السلوك : الولاية الربانية

05 فبراير 2018 10:41


بسم الله الرحمان الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وآله

مفهوم الولاية الربانية والولي العارف فسّره أعداء التصوّف ممن لا سير لهم ولا سلوك فضلا عن المعرفة والتحقيق بمفاهيم قاصرة واستشهدوا بكلام حق لكنهم يريدون به باطلا وقول الحق لإرادة الباطل محنة أبتلي بها المسلمون منذ عصر الإسلام الأول لما حمل الخوارج - الذين خرجوا عن طاعة الإمام سيدنا علي بن أبي طالب عليه السلام رافضين صلحه مع معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه - القرآن ورفعوه على السيوف مرددين قوله تعالى ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ) قال الإمام علي : " كلمـــــــة حق أريد بهــــــا باطل "


معنى " كلمـــــــة حق أريد بهــــــا باطل " أي أن تلك الكلمة قد تكون آية أو حديث نبوي أو حكمة من أقوال أهل الله العارفين أو قول من أقوال العلماء والفقهاء معقول أو تجربة جرت بها العادة في الظاهر .. الخ أصناف الإستشهادات التي تكون متونها صحيحة لكن تنزيلها في غير محله وهذه علة العلل لذا تعين فهم مراتب الدليل قبل الإستدلال به والإلمام بمعاني الشاهد قبل الإستشهاد به

لذلك تجد في مناهج بعض الفرق الإسلامية الضالة تأصيلات عقدية خاطئة مضللة حيث يستشهد بالأدلة في غير مواضعها وتقرر البراهين في غير محالها كتأصيل الوهابية أن قوله تعالى ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ ) يقرر عقيدة شرك المتوسلين والمستغيثين بالنبي عليه الصلاة والسلام وأولياء أمته رضوان الله عليهم حيث أخطؤوا في القياس ولم يراعوا الفارق بعد القياس وهذا من التدليس في الدين والتحريف فيه

لأنه هناك مراتب في التضليل الذي هو من عمل اليهود خاصة ومن كان على شاكلتهم من المسلمين كالشيعة والوهابية على حدّ سواء لأن الدين متى أستعمل لغايات سياسية دنيوية منطلقها أهواء النفوس وشهواتها وقع التضليل بأدلته وشواهده على كثير من المستويات

منها :

- التحريف ( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ) ليحرفوا معاني الكلام الرباني

- التلبيس وهو خلط الحق بالباطل ( لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) ( وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) ومعنى خلط الحق بالباطل : خلط الحق الرباني بالباطل النفساني والزيغ الشيطاني وهذا ما وقع فيه كثير من الفرق والطوائف الإسلامية المتناحرة خصوصا على مستوى المعاني

- الغلو في الدين ( لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ )

فجمع كثير من الفرق الضالة سواء في هذه الأمة أو الأمم السابقة بين هذه الثلاثة أشياء : التحريف والتلبيس والغلو لذلك حصل ما حصل فكان بأسهم بينهم شديد طويل المدى حيث يشرف عليه إبليس لعنه الله تعالى بنفسه مع مساعدة نفوس المستجيبين له ( وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم .. )

فمن ذلك تحريف معاني الولاية الربانية سواء من قبل خصومها أو من قبل منتسبيها على حد سواء لكن بمفاهيم مختلفة فشذ الفريق الأول بإنكار وجودها وتحققها في بني البشر من مسلمي هذه الأمة بينما هبط الفريق الثاني إلى مستنقع الإنحدار بها بين غلوّ فيها أوقعهم في المحذور كان سببا من أسباب اعراض المعرضين عنها وانكار المنكرين لها وبين جلب خرافات وأوهام وخزعبلات إليها ما أنزل الله بها من سلطان لا دليل عليها ولا برهان فغرق الجميع في وحل تشويه وجه الولاية الربانية الجميل من طرف الفريقين : المنكرين والمعتقدين على حد سواء

قال تعالى ( أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )

أجمع المحققون من العارفين والراسخون من العلماء أن مفهوم الولاية الربانية يتوجه إلى قسمين :

- مفهوم عام وهو : الولاية العامة
- مفهوم خاص وهو : الولاية الخاصة

أنكر فقهاء من بعض الفرق الإسلامية الضالة القسم الثاني من مفهوم الولاية ودفعوا ذلك بكل ممكن فوقعوا في انكار علم التصوف جملة وتفصيلا وحملوا وجهه العملي على الزهد لا غير رغم أنه علم وفهم وذوق قبل أن يكون عملا مجردا وشنوا في كلامهم في مقالاتهم ودروسهم وخطبهم وتآليفهم حربا شعواء لا هوادة فيها على التصوف وأهله بينما قيدوا مفهوم الولاية الخاصة فيما وصل إليه علماء الرسوم والفقهاء من مشايخهم في مجال الشريعة فنعتوهم ووصفوهم بالولاية الربانية فيقولون في المحجوبين من فقهائهم " شيخنا العالم الرباني فلان " فحرفوا بذلك معنى الربانية الحقيقي حيث يصدق فيهم قول النبي عليه الصلاة والسلام ( المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور )

فوقع التحريف والتلبيس والغلو خلاصة التضليل لكن في كل الحالات ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ )

فنور الولاية الربانية لا يمكن لأحد اطفاءه أو اخماده أبدا لقوله تعالى ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) فحفظ الدين يتمثل في وجود الأولياء العارفين في مختلف البلاد بين العباد وليس فقط في مجرد حفظ القوالب والظواهر فالشيء الذي فقد من الأمم السابقة بالأساس هو نور الولاية الربانية فانقطع عنهم مدد السماء الذي لن ينقطع في هذه الأمة إلى آخر رجل من المسلمين

علماء الرسوم من الفقهاء كانوا أشد الناس مراسا وعداوة للأولياء العارفين قال سيدي محي الدين بن عربي رضي الله عنه فيما معناه " علماء الرسوم فراعنة الأولياء " فكانت حربهم على الأولياء والعارفين شديدة وهم بذلك يصطفون في صف الملك العاض والحكم الجبري بينما تصطف الولاية الربانية خلف معاني الخلافة في الأرض فالذي بقي من نور الخلافة على منهاج النبوة ما تجده في زوايا العارفين من مدد رباني ونور قدسي صمداني

بداية التلبيس وقع من طرف علماء الرسوم عندما اعتقدوا في أنفسهم أن لا علم فوق ما وصلوا إليه حتى قال قائلهم المغرور " لو كان خيرا ما سبقونا إليه " أي الولاية الربانية التي يزعمها الصوفية في ظنهم وهوسهم بينما لو صدقوا الله تعالى وتواضعوا لمن فضله الله عليهم وصاحبوا العارفين بتصديق ومحبة لسمعوا العجب العجاب من المعارف والحقائق ولشربوا من شراب التوحيد وخمرة التفريد لكن حجبتهم أنفسهم عن الإقتداء بهدي سيدنا موسى القائل عليه السلام ( وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا )

ليس الشأن أن تنتسب لطريق الولاية وأنت عامي من العوام فهذا أمر سهل بسيط إذ لا موانع خطيرة لديك أو قواطع مفترسة تحدق بك بينما الشأن أن تدخل الى الطريق وأنت في سكرة لذة مرتبة فقهك وعز منصب علمك وجاهك ووجاهتك عند الخلق مع وجود كبرياء نفسك لكون الجاه والظهور والرئاسة العلمية فخاخ قلما ينجو منها عالم أو فقيه كونها السيف القاطع الذي يقصم الظهور

فلا غبطة أكثر من غبطتك لعالم أو فقيه تغلب على شيطان علمه فتواضع لأهل الله سائلا متوددا ( هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا )

لا يدهشني أن أدخل على شيخ عارف مأذون من أولياء الله تعالى فأجد في مجلسه ألاف المريدين من العوام ولكن عجبي كل عجبي عندما أرى في مجلسه فقيها أو أحدج بين يديه عالما من علماء الشريعة فأقول في نفسي : هذا على قدم الإمام الغزالي وعبد الوهاب الشعراني وأحمد بن المبارك المالكي وغيرهم رضي الله عنهم فطوبى لهم حيث تخلصوا من شياطين علومهم ولم يقفوا مع ما عندهم وبحثوا عن الترقي من باب قوله تعالى ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ )

لذلك لا تغتر يا أخي بكلام المنكرين من الفقهاء الغافلين ولا تلتفت إلى أفعال الجهال من الصوفية المنتسبين فالطريق لا يعرفه هؤلاء ولا أولائك

أنكر علماء الرسوم مفهوم الولاية الربانية الخاصة من حيث السير والسلوك وجميع معاني التربية والترقية وأنكروا الإرادة والتوجه والقصد بمفهومه الرباني الأصيل وشنعوا على المحققين من العارفين وأنكروا عليهم علومهم ومواجيدهم وأذواقعم وتآليفهم نكرانا شديدا وهم يظنون أنهم يحسنون صنعا فصدوا عن سبيل الله من حيث لا يشعرون لذلك قال الشيخ سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه فيما معناه " إذا رأيت من ينكر على هذه الطائفة ففر منه فرارك من الأسد "

فمن أدب العارفين أنهم لا يستشهدون بأقوال المنكرين على الصوفية من الفقهاء في مجال علوم الشريعة إلا نادرا ولا ينشرون كتبهم ولا فتاويهم فضلا عن أن يطبعوها ويعمموها في المكتبات الإسلامية لا بغاية كبت الحريات وتكمبم الأفواه مدعى حرية القلم ولكن اغلاقا على الشيطان بابا من أبواب مساعدته في قوله ( لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ )

فحرية الكلمة والرأي الآخر وتعدد الأفكار لها ضوابط وإلا قال من شاء ما يشاء فتعم الفوضى الفكرية والفتن القلبية وتكثر الزندقة ويفشى الإلحاد والإنحلال والإباحية الفكرية

الحرية مثلا : لها تعريف ومعنى عام وخاص ولها ضوابط وشروط لأن التعاريف تقيد بمعانيها الحقيقية من غير عدوان ولا طغيان فلا تدخل الخواطر الشيطانية التي يلقي بها في عقول وقلوب الخلق في مدلول حرية الفكر ولا أحاديث النفس كذلك تدخل في هذا لذا احتاج هذا الكون لنظام رباني فضلا عن العالم الإنساني مناط الخلافة فهو أولى بالنظام الذي أشرفت عليه الأحكام الشرعية بأنوارها الملكوتية وأسرارها الجبروتية لذا تعين كتابة الفكر الإسلامي من منظور رباني لا من مجرد منظور عقلاني قد يضر ولا يفيد متى علمنا أن العقل قد يخلد بالعبد إلى الأرض
إلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّــــي *** مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّــــي
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي *** لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عنّـي
صورة العضو الشخصية
على الصوفي
عضو نشيط
مشاركات: 221
اشترك في: 21 إبريل 2017 03:15
آخر نشاط: 23 مارس 2019 11:12

07 فبراير 2018 02:11

بارك الله فيكم أخي أ.علي..
موضوع مفيد، لكنه أثار جملة كبيرة من القضايا.. فلنعتبره توطئة لمناقشات قادمة بحول الله في قضية الولاية الخاصة باعتبارها نموذجا للتحريف الذي وقع فيه الكثيرون من أهل الملة.
إلياس بلكا
عضو نشيط
مشاركات: 183
اشترك في: 22 إبريل 2017 14:35
آخر نشاط: 22 مارس 2018 01:48
العمر: 50


العودة إلى “علم التصوف و السلوك”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائران