رياض الواصلين : المنتدى العام : حقائق الدعوة إلى الله تعالى

30 يناير 2018 13:03


بسم الله الرحمان الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وآله وصحبه

أمسى مفهوم الدعوة الى الله مفهوما قاصرا لدى غالبية المسلمين لذلك تخلف عنصر السلوك وقل السائرون إلى الله تعالى في الآونة الأخيرة

اعلم بداية أن مراتب الدعوة ثلاث :

- الدعوة إلى معرفة الشريعة والتقيد بها
- الدعوة إلى معرفة الطريقة والإستقامة عليها
- الدعوة إلى معرفة الحقيقة والتسليم لها

فكان أصناف الدعاة ثلاثة :

- دعاة إلى دين الله من حيث الشريعة ( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ )

- دعاة إلى الطريقة ( ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ )

- دعاة إلى الله تعالى من حيث الحقيقة ( قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ )

1 - الصنف الأول لتبيين الأحكام من حلال وحرام وفرض وسنة ومكروه ومستحب بين ضرورة وكفاية في عبادة ومعاملة

2 - الصنف الثاني لتبيين أحكام السير والسلوك وهو شرح لعلل الأعمال والأحوال والمقامات لكونه مقام التزكية والتربية والترقية من حيث كونها حضرة قلبية تتعلق مسائلها بالقلوب والمعاني من حيث مقامات الإيمان ثمّ مكاشفات الإيقان

3 - الصنف الثالث للعروج بأرواح السائرين من المريدين والقاصدين من السالكين إلى حضرة رب العالمين وهو معنى الوصول إلى الله والدخول في زمرة العارفين من باب قوله تعالى ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي )


قلت :

كما تعيّن الدعوة إلى الشريعة يتعين الدعوة إلى الطريقة حيث كان الفقهاء من العلماء دعاة إلى الدين من حيث مقام الإسلام كالأئمة الأربعة وأضرابهم وكل من كان على مناهجهم وشاكلتهم في دروسهم وتآليفهم فكانت كتبهم مراجع في تبيين مسائل الفقه الظاهر والعمدة في العصمة من الإجتماع على ضلالة

فكذلك كان فقهاء الطريقة دعاة إلى مقامات الإيمان ومكاشفات الإيقان من حيث الباطن فكانت دروسهم وتآليفهم دعوة إلى الطريق ككتاب الإحياء للغزالي رحمه الله وكذلك كتاب الرسالة القشيرية وهلم جرا ككتب ابن عطاء وكتب الإمام الشعراني وغيرهم رضي الله عن جميعهم

بينما كتب أهل الحقيقة نص المحققون على عدم جواز قراءتها إلا للواصلين من العارفين والراسخين من المحققين ولا يجوز تداولها من قبل العوام الغافلين على مختلف أصنافهم بما فيهم الفقهاء وعلماء الرسوم ممن لم يجمعوا بين الشريعة والطريقة والحقيقة مظنة قصور عقولهم عن ادراك مقاصد معاني الكلام ومراميه العرفانية الدقيقة

إختزال وظيف الدعوة إلى الله تعالى في مقام الإسلام من حيث الفقه والأحكام الشرعية دون الدعوة إلى فقه الطريقة يصدق فيه قول الله تعالى :

( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )

كون الدين كامل غير ناقص فمن أنقص منه أو فيه أو أدخل منه ما ليس فيه فهو صاحب بدعة مردود عليه ما أتى به مهما كانت صفة الفاعل العلمية أو السياسية أو المادية لقوله تعالى ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا )

إذ كيف بالفقيه وهو يقرأ قوله تعالى ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم ) سيكون موقفه يوم القيامة بين يدي الله تعالى وهو جرد كامل حياته لمحاربة أهل الطريقة من السائرين والواصلين من أولياء الله تعالى وأحبابه المخصوصين ؟

قصر علمه فأنقص من الدين من حيث مظنة المحافظة على كماله وزعم الدفاع عن عدم الزيادة فيه بعد اكماله وهذا غاية الجهل ونهايته

لذلك من حرص أهل الله تعالى وشدة تقواهم نصوا في اجماعهم على أن الشيخ المأذون الحق يجب أن تتوفر فيه شروط بينوها وهي : العلم والعمل والسلوك ثمّ الإذن

حقيقة الداعي أن يكون : عالما عاملا وسالكا مأذونا وهذا هو الشيخ الكامل الجامع بين الشريعة والحقيقة في عرف المحققين أما إذا لم يجد المؤمن من كان على هذه الأوصاف فلا يخلو من طلب كل فنّ عند أهله فيأخذ فقهه عن الفقهاء ويطلب السلوك عند المشايخ أصحاب الإذن فيعطي بذلك كل مرتبة حقها إذ ليس من المعقول أن تطلب الفقه عند صوفي جاهل بدينه أو تسأل السلوك عند فقيه جاف منكر لطريق الله والأفضل في كل الأحوال أن تصاحب شيخا يغنيك عن جميع مشايخ زمانك أي جامعا بين علوم الشريعة والطريقة والحقيقة

من باب قوله عليه الصلاة والسلام ( لقد جئتكم بها بيضاء نقية ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي ) فذلك لسان حال كل شيخ كامل

فرضي الله تعالى عن جميع ساداتنا العلماء على مختلف أصنافهم ومراتبهم من الأولين والآخرين من فقهاء ومحدثين ومفسرين وصوفية ولغويين ونحويين وفلاسفة فمقام كل إنسان حيث أقامه

الأمم لا تكون أمما حتى يشملها ذلك الوسع المعرفي والشمول العلمي لكن الأصل الأصيل الذي يجب الصيرورة إليه على كل حال من قبل الجميع من دون تخلف هو الإقبال على الله تعالى بصدق والإيمان به بعمق مدعى العبودية بين خضوع وخنوع

شاهد هذا قوله تعالى ( إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ )

فافهم

والله أعلم

إلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّــــي *** مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّــــي
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي *** لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عنّـي
صورة العضو الشخصية
على الصوفي
عضو نشيط
مشاركات: 221
اشترك في: 21 إبريل 2017 03:15
آخر نشاط: 23 مارس 2019 11:12

03 فبراير 2018 01:41

يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم
ماهر بركات
عضو جديد
مشاركات: 28
اشترك في: 29 إبريل 2017 12:28
آخر نشاط: 21 مارس 2018 23:25
مكان: السعودية
العمر: 50

03 فبراير 2018 01:49

أول مرة أقرأ عن هذا التقسيم الثلاثي للدعوة، بينما السائد أن الدعوة واحدة. ومسألة وجود درجات ثلاثة في الدعوة مهمة وتحلّ بعض الإشكالات.
والجدير بالذكر أيضا أن "الدعوة" مادة تُدرّس ببعض الجامعات، بل لها أقسام خاصة بها، خاصة بمصر والسعودية.
إلياس بلكا
عضو نشيط
مشاركات: 183
اشترك في: 22 إبريل 2017 14:35
آخر نشاط: 22 مارس 2018 01:48
العمر: 50


العودة إلى “المنتدى العام”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائران