رياض الواصلين >> علم الحديث وفقه السيرة >> فقه أحاديث الفتن والملاحم 2: كتاب ابن الزبير

24 يناير 2018 21:28

كتاب تعيين الأوان والمكان للنصر الموعود به في آخر الزمان (1).
تعرفنا في الحلقة السابقة على ضوابط فقه أخبار الفتن. واليوم سنرى كيف حاول ابن الزبير استنباط الوقت الذي بشرت الآيات والأحاديث بأن الإسلام سيعلو فيه على الأرض كلها، لندرك صعوبة الموضوع ووجوب الاحتياط في تناوله، وأنه إن كان لابد من وضع تفاسير لأخبار الفتن فالأوْلى أن يقوم بذلك علماء مجتهدون وبشكل جماعي، لا شباب متعجلون يبنون عالما خاصا بهم وبأفكارهم في التويتر والفايسبوك والأنترنت عموما.
المؤلف أحمد بن الزبير الثقفي:
ولد المؤلف سنة 627هـ. ودرس علوم اللغة والدين والتاريخ على علماء وقته بغرناطة، وسافر إلى عدد من البلاد طلبا للعلم، وكان كثير الصلات بأهل أعصره. ثم صار ابن الزبير من كبار علماء زمانه بالأندلس والمغرب، حتى ارتحل إليه الناس وتخرج على يديه تلامذة كثر، لذلك يلقب بشيخ الجماعة. ومن تلاميذه المشهورين: أبو حيان صاحب التفسير.
وأكثر تآليف ابن الزبير، وهي عديدة، ضاعت. وهو يعرف اليوم بكتابين مطبوعين، هما: ملاك التأويل، القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل، في توجيه متشابه اللفظ من آي التنزيل. والآخر هو: البرهان في ترتيب سور القرآن. وقد توفي الشيخ رحمه الله تعالى عام 708هـ.
ظروف تأليف الكتاب:
عرف القرن السابع الهجري هزيمتين كبيرتين للمسلمين: الأولى بالأندلس، وهي هزيمة العقاب سنة 609هـ، والتي تعتبر بداية نهاية الوجود الإسلامي بالأندلس. والثانية: دخول التتار إلى بغداد عام 656هـ.
وكان ابن الزبير ممن مسته آثار الهزيمة الأولى، فبعد العقاب سقطت مدينته الأصلية جيان، فهاجر به أبوه إبراهيم الثقفي مع زوجه، وكان عمر أحمد ـ المؤلف ـ آنذاك ستة عشر ربيعا.
ولذلك يقول محقق المخطوط ـ الأستاذ محمد بن شريفة- : "لاشك في أن المحن التي حلت بالأندلسيين في هذا القرن كانت من هواجس أبي جعفر أحمد بن الزبير منذ نشأته، وهي التي دفعته إلى التأمل في مصير الإسلام ومستقبله، وكانت من أسباب تأليف هذه الرسالة الفريدة".
لكن في وسط هذا الوضع المظلم لمعت بارقة أمل، حين انتصر الأمير النصري ـ محمد الثاني ـ على المسيحيين، وفتح قيجاطة سنة 695هـ. فرأى كثير من الأندلسيين في هذا الانتصار مقدمة لاسترداد ما ضاع من الأندلس. وكان من هؤلاء ابن الزبير الذي كتب ـ لدعم هذا المشروع ـ كتابه:
تعيين الأوان والمكان للنصر الموعود به في آخر الزمان، مستقرأ من صحيح السنة ومحكم القرآن:
وهذا أهم ما جاء في هذا الكتاب الفريد من نوعه في تراثنا الإسلامي:
* بدأ ابن الزبير كتابه بعرض اقتناعه بأن انتصار أبي عبد الله محمد بن يوسف بن نصر.. فاتحة سلسلة الانتصارات التي ستنتهي بفتح القسطنطينية ـ عاصمة البيزنطيين آنذاك ـ، وذلك بناء على أدلة وقرائن رآها.
قال ابن الزبير: "اعلم أولا أن معجزات القرآن وآياته العظام لا تنحصر ولا تحصى، ومن جملتها ما انطوى عليه من الغيوب". إلا أن هذا منه ما هو واضح لائح، "ومنه ما فيه إشكال وغموض، وكثير منه لا يعثر عليه إلا آحاد ممن جد في الاعتبار، وأخلص في السريرة والإضمار". والذي يحاوله ابن الزبير من الغيب المتوسط، لا هو واضح، ولا هو مغلق.
* فمن الأدلة القرآنية على ذلك قوله تعالى: ]ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون[. وقد قيل إن الأرض هنا هي الشام، لكن الصحيح -يقول ابن الزبير- أن المقصود بالأرض الدنيا، وكل أرض، لأنه لفظ عام.
ثم ليس المعني في قوله: ]يرثها عبادي الصالحون[ الصحابة، وإن كانوا أول المخاطبين بالقرآن، وإلا لقال كما في الآية الأخرى: ]وأورثكم أرضهم وديارهم[، فـ (يرثها) أمر لم يكن بعد، فهو منتظر.
يتبع.
إلياس بلكا
عضو نشيط
مشاركات: 208
اشترك في: 22 إبريل 2017 14:35
آخر نشاط: 21 مايو 2019 04:48
العمر: 50

العودة إلى “علم الحديث وفقه السيرة”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 0 زائر