رياض الواصلين >> علم الفقه و الأصول >> الفقه المالكي 2: التدوين

24 يناير 2018 21:24

تدوين الفقه المالكي:
إلياس بلكا
ظهرت - بعد الموطأ و المدونة- بعض المصنفات التي بني عليها المذهب حتى صار أكثر الفقهاء عالة عليها. وهذه الكتب تصف بالإجمال تاريخ تدوين المذهب المالكي.
--- أمهات الكتب في المذهب:
وهذه أهمها:
أـ الواضحة: لعبد الملك بن حبيب الأندلسي ت238، وقد حرص على جمع فروع المذهب بمنهج متميز، قال عنه أبو زهرة: "والواضحة كانت عناية ابن حبيب فيها باستخراج المعاني والقواعد التي قامت عليها الفروع... مقصده أن يصل إلى المعاني التي لوحظت في الأحكام".
ب- العتبية: لمحمد بن عبد العزيز القرطبي الشهير بالعتبي المتوفى سنة254، ويسمى مؤلفه أيضا بـ "المستخرجة"، و قد بناه على الواضحة وأضاف إليها كثيرا من النقول والأقوال و التي لم تكن دائما محل اتفاق أو قبول من علماء المذهب، بل هي كثيرا ما تجنح نحو اختيارات شاذة، الأمر الذي انتقد عليه….وبرغم ذلك يعد الكتاب إحدى الأمهات.
ج- الموازية: لأبي عبد الله بن المواز الأسكندري (ت269) يتميز هذا الكتاب بسهولة العبارة ووضوح التأليف ، وقد تفرد صاحبه بالاستدلال للأحكام المنقولة عن مالك وبربط فروع المذهب بأصولها مع شيء من المقارنة مع المذاهب الأخرى.
د- البيان والتحصيل: وقد قدر للفقيه الكبير أبو الوليد ابن رشد –وهو الجد- (ت 520هـ) أن يتدارك ما شان المستخرجة في كتابه : "البيان و التحصيل والشرح والتوجيه و التعليل في مسائل المستخرجة. "وهو موسوعة عظيمة في حوالي 18 مجلدا ، تؤلف مع كتابه الآخر: "المقدمات الممهدات" اتجاها مميزا داخل المذهب المالكي.
هـ- أما "النوادر والزيادات" لابن أبي زيد القيرواني فهو أكبر مصنف وضعه المالكية، يربو عدد أجزائه على المائة، جمع فيه ما لا يعد من الفروع والمسائل، وإذا لم يوجد جواب قضية فيه، فالغالب أنه لا نص فيها.
وقد حذا حذوه أبو بكر بن يونس( ت 451هـ) في كتابه "الجامع" والذي أودعه مسائل المدونة والموازية والواضحة وغيرها.
--- ظهور "الاختصار" وأهم كتبه:
وبعد ظهور الكتب الأمهات واستثقال الناس قراءتها ومطالعتها ظهر – منذ القرن الثالث- نمط جديد من الكتابة عرف بالاختصار، حيث عمد الفقهاء- تحت ضغط التيار العام- إلى اختصار الكتب الأولى تسهيلا على الطلبة وعامة المشتغلين بالفقه… وكلما تقدم الزمن زادت وتيرة الاختصار وسرعته وتحول الهدف من التبسيط و التسهيل إلى جمع أكبر ما يمكن من الفروع في أقل ما يمكن من الكلمات، وهو ما أدى إلى تحول هذه المختصرات إلى ألغاز تحتاج لشروح وشروح، هي بدورها قد لا تفي بالغرض في تقدير بعض الفقهاء، ومن ثم يلحقون بها حواشي وتعليقات وطرراً…. وهكذا. ومن الطرائف أن ابن عرفة التونسي لما وضع مختصره استغلق عليه فهم بعض الجمل، حتى وهي من كلامه، حتى تضرع إلى الله في ذلك.
والحقيقة أن ظاهرة الاختصار عمت دوائر العلوم كلها ، فظهرت متون منوعة الأحجام –ما بين نثر ونظم- في كل فن، في الأصول والفقه والمصطلح والقراءات وعلوم اللغة من نحو وصرف وبلاغة… وكان لهذا الاختصار دور سلبي في تقدم الفقه المالكي مما دفع بكثير من العلماء كالشاطبي وابن خلدون إلى التحذير منه، وإلى الدعوة للتعامل المباشر مع الأمهات من الكتب.
ومن أهم المختصرات التي غدت تشكل – مع الشروح و الحواشي – الجزء الأضخم من تراث الفقه المالكي، نذكر:
أ – الرسالة: لابن أبي زيد القيرواني، وهي من أشهر كتب المالكية، صغير الحجم لكنه سهل العبارة، ضمّنه صاحبه حوالي أربعة آلاف مسألة. وقد تلقاها الناس- على اختلاف طبقاتهم- بالقبول، وشرحها خلق كثير منهم الشيخ زروق، وأبو العباس القلشاني (ت863) فيما سماه "تحرير المقالة في شرح الرسالة" وهو من أصح الشروح وأفضلها.
ب- جامع الأمهات: لعثمـان بن عـمرو المصري الشهيـر بابن الحاجـب (ت 646 ). وقد اشتهر كتابه باسم مختصر ابن الحاجب الفروعي، شرحه كثيرون منهم الشيخ خليل و الشيخ مرزوق و ابن فرحون وابن دقيق العيد….
ج- المختصر: لأبي عبد الله محمد بن عرفة(803هـ) وهو مختصر صحيح معتمد، اشتغل به الناس قبل ظهور مختصر خليل، ويتمتع بمزيد من الاختصار والاستغلاق على الفهم. وقد أبرز فيه صاحبه قدرته على تأليف الحدود الفقهية وضبطها، وهو أحسن ما في هذا المختصر.
--- انحصار الحركة الفقهية حول مختصر خليل:
أبو الضياء خليل بن إسحاق (ت 776) مصري، من أهم علماء المالكية …قام بوضع مختصر يستوعب ما أمكنه من الفروع ليشكل عمله مرجعا للفتوى على أصول المذهب، ويقدر عدد مسائله بأكثر من أربعين ألفا. وقد تلقاه العلماء بالقبول واستحسنه الناس حتى أنساهم أكثر الكتب السابقة، فاجتهد الطلبة في حفظه وفهمه، وقام الفقهاء بشرحه و التعليق عليه، ومن ثم أصبحت الكتابة الفقهية تتمحور حوله طوال القرون اللاحقة، فظهرت عشرات الأعمال كلها تستند إليه، كالشروح الثلاثة لأبي البقاء بهرام المصري(ت 805هـ)، وشرحه أبو البركات الدردير وابن مرزوق وأحمد حلولو والرهوني و الزرقاني…
ومن أحسن شروحه:
أ- شرح أبي عبد الله محمد بن يوسف المعروف بالمواق(ت897)، سماه "التاج و الإكليل لمختصر خليل"، يمتاز ببعده عن التعقيد ويسره في الأفهام، إضافة إلى أنه يعتمد كثيرا على كتب الأمهات وينقل منها.
ب- شرح محمد بن عبد الرحمان الرعيني (ت 954) المعروف بالحطاب، وقد سماه "مواهب الجليل في شرح مختصر خليل". وميزاته كثيرة منها: الإيضاح الجيد، وذكر الروايات داخل المذهب مع المقارنة بينها وتوجيهها، مع توثيق للنقول الكثيرة في كتابه.
كتب النوازل: يتميز المذهب المالكي باهتمامه بكتب النوازل، وهي كتابة فقهية خاصة تجمع فتاوى الفقهاء وآراءهم في مسائل متفرقة بطريقة سؤال يرد إلى العالم فيجيب عنه، ومجموع ذلك يُكوّن كتب النوازل، وهي مما حرص المالكية على إفراده بالتأليف.
ومن أهم هذه الكتب: "المعيار المعرب والجامع المغرب من فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب "لأحمد بن يحيى الونشريسي (ت 941)، وكتابه أضخم ما كتب في النوازل، وضمنه المؤلف فتاوى كثير من العلماء اعتمادا على مصادرهم. وهناك أيضا نوازل ابن هلال (ت 903) ونوازل المازوني( ت 883 ) وغيرها ...
يتبع
إلياس بلكا
عضو نشيط
مشاركات: 208
اشترك في: 22 إبريل 2017 14:35
آخر نشاط: 21 مايو 2019 04:48
العمر: 50

العودة إلى “علم الفقه و الأصول”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 0 زائر