رياض الواصلين : علم التصوف و السلوك : خاطرة حول مفهوم التصوف

22 يناير 2018 06:46

بسم الله الرحمان الرحيم
والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وآله

ورد في حديث جبريل جواب رسول الله عليه الصلاة والسلام لما سأله : أخبرني عن الإحسان ؟ قال : ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك )

هذا هو مفهوم الركن الثالث من الدين وهو مقام الإحسان فكل من فسر الإحسان بغير ما فسره به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد حرّف معاني هذا الركن

تعلق الجواب بشيء واحد ألا وهو " العبودية " لقوله : الإحسان أن تعبد الله …

وعليه فكل من فسّر التصوف على أنه مقام الإحسان المذكور في الحديث النبوي وجب عليه أن لا يخرج به إلى أي موضوع آخر إذ كل من فسر التصوف بغير معنى تعريف الإحسان الوارد في الحديث فقد حرّف معاني التصوف الحقيقي الذي تسمى به خواص المسلمين من السالكين والواصلين

ورد في حديث جبريل أركان الدين : الإسلام , الإيمان , الإحسان

فكان لكل ركن علومه وفهومه وأحكامه حيث أختص ركن الإسلام بفقه الظاهر من حيث الأحكام الشرعية الخمسة ومن حيث الفرائض والسنن بينما أختص ركن الإيمان بفقه القلوب لأن الإيمانيات قد لا تقبلها العقول المجردة فضلا عن الإيمان بها لذا قال المشركون والكافرون كما قال تعالى ( … قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ) لأن عالم الإيمان عالم غيبي في مجمله قال تعالى ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ )

جميع مباحث الإيمان مباحث غيبية كلما قل الإيمان بالغيب كثر الكفر وتفشى الفسق والفجور في الأرض وهذا حال زماننا اليوم يكاد يكون جميع الخلق غارقين في عالم المحسوسات والماديات فضعف يقينهم في مجال الغيبيات

الإيمان بالغيب هو وصلة العبد بخالقه فالإيمان بعالم الغيب هو حبل الوصال فيما بين قلب العبد وربه فكان مجال عالم الإيمان بأسره عالما غيبيا الذي ورد فيه قوله عليه الصلاة والسلام ( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره ) فعلم القدر من الغيبيات التي تعيّن الإيمان بها حتى لا يكفر العبد عند حلول البلاء به أو يطغى عند الغنى ووفرة الملك

فيتعيّن على صاحب البلاء الصبر (  وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ  ) كما تعيّن على صاحب الغنى الشكر ( يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ۚ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ )

فكل هذا مع تفاصيله أصولا وفروعا من ركن الإيمان ومبحث الإيمان بينما ركن الإحسان من وراء ذلك كله

إنما تعيّن وجود تلك الأركان الثلاثة في الدين لما تحتاجه في مختلف عوالمك متى علمت أن وجودك في الأرض تعيّن فيه وجود ركن الإسلام بين فقه عبادة وفقه معاملة من حيث الأحكام الظاهرة حتى يعيش الناس فيما بينهم وينظمون شؤونهم بحسب الهدى الرباني لهم بينما تعيّن من حيث قلبك وجود ركن الإيمان إذ لا حياة لقلب من غير إيمان فالإيمان نور وهو حياة القلوب كون عالمها غيبي سماوي

لذلك نزل القرآن على القلب كما قال تعالى ( قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ  ) فنزل القرآن في منزلة وسطية بين العقل والروح أي نزل على القلب الذي هو عالم الإيمان وهو عالم نوري غيبي لذلك تعيّن فهم القرآن وتدبره في عالمه الذي هو عالم القلب ففقه القلوب لا يكون إلا في القرآن ( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا  )

وفي دعائه المشهور صلى الله عليه وسلم ( اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا  ) فعلى قدر قساوة القلب يكون موته الذي هو عبارة عن تحجره فلا حياة فيه ومعنى الحياة هنا هو النور لأن أكسيجين القلب هو النور الذي به يتنفس لذلك كان القلب سيّد البدن كله ظاهرا وباطنا فبموته يموت الجسد ويتلاشى ظاهرا أكان أم باطنا فمتى صارت السكتة القلبية من حيث الظاهر يموت الإنسان في حينه

كذلك الأمر عند موت القلب من حيث الباطن المعنوي يموت معناه في عالم النور الذي هو عالم الغيب فلا يعرف له وجود لذا ورد في الحكمة ( لا تعرف أنوار القلوب إلا في سماء الغيوب ) فتحديد مراتب العباد عند اطلاق حكم الصلاح من الطلاح يعرف هناك وليس في هذا العالم من حيث ظاهر الشكل الصوري أو الظهور الصوتي

بينما من حيث الأمر الثالث فللإنسان روح تعين وجود ركن الإحسان لعلاقة روحه بحضرة الله تعالى فالروح سباقة إلى الله تعالى لا يسبقها عقل ولا قلب فكانت أقرب شيء إليه ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ) قال تعالى ( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) أي أهل الأرواح خاصة إذ لا ينافسها شيء في هذا السباق إليه فكانت عبادة الروح أعلى درجة ومرتبة من عبادة القلب كما كانت عبادة القلب أعلى منزلة من عبادة مجرد الجوارح فكيف إذن متى اجتمعت مراتب العبادة كلها في نفس مرتبة الروح فكانت تحت حكمها

فلا جرم أن العبد في هذه الحالة يكون من الذين يعبدون الله كأنه يراه

فتجانست أركان الدين من حيث تجانس حقائق الإنسان بين عقل ظاهر ومادة محسوسة وبين قلب معنوي وبين روح علوي من حيث اللطافة فكلما لطف العبد كلما ارتقى فالرقي أي بمعنى السلوك يكون متصاعدا من عالم قسوة الماديات وظلمة المحسوسات إلى لطافة المعاني وأنس الحضور فالسلوك أو السير يكون من الحس إلى المعنى فهكذا يرتقي إلى أن يصير روحا مجردة عن غبش الحس من حيث التعلق أو التشوف أو الإلتفات

فكان الدين سلّم ترقي فهو سلم صعود بينما الكفر سلم هبوط ونعني بالصعود والترقي أي لا يبقى الإنسان مقيدا وحبيسا في عالم الحس والمادة فلا يبصر ولا يسمع إلا عن طريقها فتكون قياساته بحسبها وبها يكون حكمه على الأشياء لذلك عليه أن يدرك من نفسه منزلة قلبه منه وإلا صدق عليه قول الله تعالى ( لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ )

لذلك لا تغتر بمن يعيش كالبهائم يأكل ويشرب يلبي شهوات نفسه ويستمع لحديثها ويستجيب لخاطر الشيطان في كل وقت وحين

فما نزل الدين إلا بحسب حقائقك ألا تفهم قوله تعالى ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ  ) فهذا الرسول منك وإليك فهو منك من حيث أنه بشر مثلك وإليك من حيث أنه مرسول إليه من ربك فانظر جلالة قدرك عند مولاك أن أرسل لك رسولا منه إليك وهذا غاية الإكرام والتعظيم

التصوّف هو كل ما يوصلك بالله ولا يقطعك عنه فكل قاطع لك عنه ليس من التصوف في شيء
من هنا يبدأ تفسير التصوف
فعلى الباحث العاقل أن يفرق بين ركن الإسلام وبين ركن الإيمان وبين ركن الإحسان عند اطلاق التعريفات وتبني الإصطلاحات

والسلام
إلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّــــي *** مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّــــي
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي *** لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عنّـي
صورة العضو الشخصية
على الصوفي
عضو نشيط
مشاركات: 221
اشترك في: 21 إبريل 2017 03:15
آخر نشاط: 23 مارس 2019 11:12

22 يناير 2018 09:36

جزاك الله خيرا سيدى على الصوفى
Abdulbagy Muhmmad
عضو جديد
مشاركات: 2
اشترك في: 08 ديسمبر 2017 07:17
آخر نشاط: 31 يناير 2018 16:39
مكان: Netherlands
العمر: 40

22 يناير 2018 21:46

اللهم ارزقنا مارزقت القوم، اللهم آمين
عابرسبيل
عضو نشيط
مشاركات: 46
اشترك في: 15 يوليو 2017 22:49
آخر نشاط: 21 مارس 2018 23:01
مكان: مدينة
العمر: 23


العودة إلى “علم التصوف و السلوك”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد