رياض الواصلين >> المنتدى العام >> خطر المذاكرة في طريق الله

18 يناير 2018 02:15


بسم الله الرحمان الرحيم
والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين وآله

أما بعد :

اعلم أيها المريد الصادق طالب السير والسلوك إلى حضرة ملك الملوك أن الطريق لا يؤخذ إلا عمّن فرغ من تأديب نفسه عن طريق شيخ مربي عارف واصل مأذون

قال شيخنا سيدي فتحي السلامي حفظه الله تعالى في باب " المذاكرة " من كتابه " إتحاف المريدين بشروط الورد والتلقين " ما نصّه :

{ لا يصلح للمذاكرة كلّ أحد إلاّ من فنى عن نفسه وأخلص فيها قاصدا النصيحة والهداية والإرشاد بعد أن أحكم العمل بما علم ففاقد الشيء لا يعطيه عالما بشرع الله وشرع الطريق وأمراض النفوس وأدويتها بعد الإذن الصريح له من شيخه .
فالمذكّر طبيب يدواي العقول والأرواح وإلاّ يكون متطبّبا يعيب ولا يصيب يضرّ ولا ينفع وقد ينقلب منكّرا بعد أن كان مذكّرا فالمذاكرة أمرها خطير وعاش من عرف قدره.
}


ذكر هنا الشروط اللازمة توفرها في المتقدم للتذكير بحقّ ويعني هنا بالمذكّر تحديدا ( شيوخ التربية ) على وجه الخصوص إذ هذا مجالهم فهم أهل المذاكرة بخلاف علماء الشريعة فهم أهل تدريس ووعظ بين ترغيب وترهيب هكذا تجدهم غالبا ينفع الله تعالى بهم العامة من الناس وطلاب العلم الشرعي على وجه الخصوص بينما أهل المذاكرة ينفع الله تعالى بهم كل من دخل الطريقة وعزم على السير والسلوك سواء أكان عالما أم أميّا لا فرق لأن الجميع بعتبر أميا في هذا المقام فلا فرق بين الكافة من السائرين إلا بحسب ما وصلوا إليه كل واحد في سيره وناله من سلوكه لا غير حيث تختلف المقامات وتتمايز المراتب والدرجات من باب - حسنات الأبرار سيئات المقربين -

فذكر من الشروط في باب التذكير :

1 - قوله ( لا يصلح للمذاكرة كلّ أحد إلاّ من فنى عن نفسه ) أي لا يراعي لنفسه مصلحة ولا حظ ولا دسيسة ولا خداعا فيكون التذكير خالصا لوجه الله تعالى لا ينتظر المذكر أن يعود عليه من شيء من مصالح نفسه تستأنس به من باب ( إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ) بخلاف من يذكر أو يدرس أو يعظ وهو ينتظر حظا أو علة أو يرنو تحقيق مأرب من مآربه الدنيوية فهذا غير فان عن نفسه مازالت غير متزكية فكانت أعماله معلولة وأحواله مدخولة فلا يصلح أن يكون مذكرا

2 - قوله ( وأخلص فيها قاصدا النصيحة والهداية والإرشاد ) أي أخلص في المذاكرة حيث من تمام فنائه عن نفسه لا يرى أثرا من أهوائها فضلا عن أن تتشوف لمطمع بل تجده متصفا بسر الإخلاص فذكر مراحل السير الثلاثة هنا : وهي : " النصيحة " ثمّ " الهداية " ثمّ الإرشاد " فالنصيحة للعقول والهداية للقلوب والإرشاد للأرواح أو قل النصيحة للمبتدئين والهداية للسائرين والإرشاد للمستشرفين وإن كان معنى الإرشاد والتربية يشمل المراتب كلها فالفاني عن نفسه تجده عند المذاكرة إما قاصدا النصح أو الهداية أو الإرشاد بين عقل وقلب وروح فهو طبيب مداوي

3 - قوله ( بعد أن أحكم العمل بما علم ففاقد الشيء لا يعطيه ) لأن الذي يذكر كقول من غير عمل فهو متقوّل وليس متصف بالأحوال الربانية والأذواق العرفانية فلا يسري شيء من كلامه في قلوب العباد ولا ينتفع أحد منهم بشيء رغم أن التذكير مناطه الإنتفاع كما قال تعالى ( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ ) أوقف هنا نفع المذاكرة على حصول الإيمان في القلب لذلك لم يقل ( تنفع المسلمين ) بل تنفع الذين تحققوا بالإيمان ذوقا وشعروا به احساسا لذا نبّه أن فاقد الشيء لا يعطيه أي يا فاقد الأحوال الربانية والأذواق القدسية كيف ستمدّ غيرك من مدد المحبة والشوق وجميع الأحوال وأنت خال منها ؟ هذا لا يمكن حدوثه في العادة لذلك ليس من العقلانية أن تبحث عن شيء عند شخص هو في ذاته يفتقده هذا جهل وظلمة

4 - قوله ( عالما بشرع الله وشرع الطريق وأمراض النفوس وأدويتها ) إذ لا يعقل أن يرشد الناس ويسلك المريدين أحد جاهل بشرع الله ومعنى شرع الله أي الأحكام الشرعية أو قل المعلوم بالضرورة من الدين لذا قالوا لا يشترط فيه العلم بجميع الفروع وإنما يكون عالما بالحلال والحرام والفرائض والسنن ...
كذلك يكون عالما بشرع الطريق ومعنى شرع الطريق أي أحكامه بين أصول وفروع أي معرفة السير من البداية إلى النهاية مرحلة مرحلة اجمالا وتفصيلا ثمّ الأمر الثالث وهو من أهم الأمور لأنه لا تصح تربية إلا به وهو أن يكون عالما " بأمراض النفوس وأدويتها ) أي معرفة الداء ومعرفة نوع الدواء ثم معرفة طريقة العلاج وهو في الشاهد مثل الطبيب حيث يشخص المرض ثم يصف الدواء ثم يباشر أو يدل على طريقة العلاج حتى يشفى المريض وفي هذا الباب المتعلق بأمراض النفوس يطول التفصيل لأنه ألف باء التصوف ( من عرف نفسه عرف ربه )

5 - قوله ( بعد الإذن الصريح له من شيخه ) إنما حدد هنا " الصحيح " ليقع تمييز غير الصحيح إذ حدد الإذن الصحيح أي الصريح الذي يكون يقظة لا مناما وبلا واسطة بين الشيخ وبين المأذون بل يكون إذنا مباشرا لا شبهة فيه بنصه الكامل الذي لا نقصان فيه كأن يقول الشيخ لخليفته ( لقد آذنتك بالتربية والإرشاد وتلقين المريدين الأوراد العامة والخاصة ... الخ ) مما هو مشهور ومعروف أما الإذن الذي يحتمل شبهة فلا يعتبر إذنا لذا قال هنا ( الإذن الصريح له من شيخه ) وليس مجرد العمل بفتوى أو شبهة

6 - قوله ( المذكّر طبيب يدواي العقول والأرواح ) دلك هنا على صفة المذكر ونعته ووظيفته لئلا تشتبه عليك الوظائف فتخلط بين الغث والسمين فبيّن أن المذكر " طبيب يداوي القلوب والأرواح " وهذه وظيفة خطيرة لا يستطيعها كل أحد لذا اشترطوا فيها كل تلك الشروط حتى لا يقع كما قال في :

7 - قوله ( وإلاّ يكون متطبّبا يعيب ولا يصيب يضرّ ولا ينفع ) الفرق بين الطبيب والمتطبب كالفرق بين الحقيقة والدعوى وبين الصدق والكذب وبين الهوى والهدى فالمتطبب هو الذي يدعي الطب كذبا وبهتانا يريد مشاركة الأطباء في وظيفتهم من غير أهلية فيكون مصير العباد على يديه المضرة فيزيدهم مرضا على مرضهم وسقما على سقمهم وربما أهلكهم ( فضلّ وأضلّ غيره )

8 - قوله ( وقد ينقلب منكّرا بعد أن كان مذكّرا ) نعم قد ينقلب كما انقلب إبليس لعنه الله تعالى من قبل فقد كان مذكرا ثم انقلب منكرا غاويا لأن العبد متى سار سيرة حسنة وداوم على الإستقامة وثبت على طريق اليقين في الدعوة إلى الله تعالى فهو من أهل التمكين أما من زلت به قدمه بعد ذلك فسيرجع إلى خواطر نفسه من جديد فيصول ويجول كما صال وجال السامري من قبل

9 - قوله ( فالمذاكرة أمرها خطير وعاش من عرف قدره. ) أي خطير لأن المذاكرة علاج يكون بعد تشخيص حالة المريض أو المرضى ثم يتنقى الأدوية بعناية ليتناولها مريض القلب والروح قصد علاجها وشفائه لذلك نبّه بقوله ( عاش من عرف قدره ) أي عاش من صدق مع نفسه ولا يترك نفسه تسول له حتى ترديه موارد الهلاك وهو لا يشعر فأساس الأمر كله هو الصدق مع الله تعالى

ـــــــــ

بعد هذا أقول : العبد الفقير أرجو أن أكون من الذين - عاش من عرف قدره - والسلام


إلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّــــي *** مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّــــي
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي *** لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عنّـي
صورة العضو الشخصية
على الصوفي
عضو نشيط
مشاركات: 252
اشترك في: 21 إبريل 2017 03:15
آخر نشاط: 21 مايو 2019 05:46

18 يناير 2018 12:02

السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته
شكرا سيدي على تذكيركم و سخائكم الواضح في نفع متابعيكم رغم التقصير الظاهري في التفاعل إلا أن كل كلمة منكم تأخذ مكانها في البواطن لتثمر في وقتها و لا يمكن إلا أن تنفع بإذن الله تعالى
فإن كان رسول الله صلى الله عليه و سلم أرسل رحمة للعالمين فكذلك كل رحمة ممن كان على أثره تنفع الحاضر بقلبه أو بعقله أو مجرد نظره أو نظرته إن شاء الله تعالى
فجزاكم عن الجميع خير الجزاء
.................

السؤال هنا سيدي : كيف يمكن التفريق بين الحديث كونه مذاكرة أو نصيحة ؟ حفظكم الله سيدي و نفعنا بكم
نور الصفاء
عضو نشيط
مشاركات: 108
اشترك في: 22 إبريل 2017 02:38
آخر نشاط: 26 إبريل 2019 02:36
العمر: 46

18 يناير 2018 13:51

شرط المذاكرة كاملا كما ورد في كتاب ( إتحاف المريدين بشروط الورد والتلقين ) لسيدي فتحي السلامي القيرواني حفظه الله تعالى
المذاكرة :
ـــــــــ


قال تعالى ( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ )


فهي تكمّل الناقص وتهدي الجاهل ولها ثمرات منها بلوغ الذكر إلى حضرة القبول بوجود الإخلاص وكذلك فتح عين البصيرة وهي تنفي الشكّ والوهم والملل وتجلب القريحة والنشاط وقد قسموها قسمين : رأسية وكرّاسية


وهي أنواع ثمانية :

- وعظية : ترغيب وترهيب
- أدبية : تعرّف آداب الطريق الواجبة على المريد
- تعشيقية : ترغبه في فعل عمل أو تركه
- تنشيطية : تؤهّل النفس وتطيّبها إلى العمل
- شوقية : تجلب الشوق
- هداية : نهديه


ملاحظة :
ـــــ


لا يصلح للمذاكرة كلّ أحد إلاّ من فنى عن نفسه وأخلص فيها قاصدا النصيحة والهداية والإرشاد بعد أن أحكم العمل بما علم ففاقد الشيء لا يعطيه عالما بشرع الله وشرع الطريق وأمراض النفوس وأدويتها بعد الإذن الصريح له من شيخه .
فالمذكّر طبيب يدواي العقول والأرواح وإلاّ يكون متطبّبا يعيب ولا يصيب يضرّ ولا ينفع وقد ينقلب منكّرا بعد أن كان مذكّرا فالمذاكرة أمرها خطير وعاش من عرف قدره.


قال أحد المنتسبين رضي الله عنه :


هيّا ويا فقرا *** ونزوروا إمام الحضرة
ايوصّلنا بنظرة *** لحضرة رسول الله
هيّا ويا إخواني *** ونزوروا الشيخ المداني
عالم ربّاني *** يذكّرنا دوما بالله



نور الصفاء كتب :
السؤال هنا سيدي : كيف يمكن التفريق بين الحديث كونه مذاكرة أو نصيحة ؟



لم أفهم مقصود السؤال ربما تقصدين : ما الفرق بين النصيحة والهداية والإرشاد ؟ لأن هذه الأجزاء والعناصر وغيرها أفراد في عائلة المذاكرة
أما ما ورد في النصيحة يكفي قوله عليه الصلاة والسلام :
( الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم )

والله أعلم

إلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّــــي *** مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّــــي
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي *** لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عنّـي
صورة العضو الشخصية
على الصوفي
عضو نشيط
مشاركات: 252
اشترك في: 21 إبريل 2017 03:15
آخر نشاط: 21 مايو 2019 05:46

18 يناير 2018 16:32


أحيانا سيدي خلال الاستشارات النفسية عندما نجد من تظهر على سلوكه او اقواله بعض المشاكل النفسية او ميول واضحة للاكتآب لا نجد سوى التحدث بما يشوق الى التوجه الى ذكر الله تعالى من حيث انه الوسيلة الناجعة لاطمأنان القلب
و بما أن الامر عند الكثيرين يحتاج الى تمهيد من خلال الطرح و التشويق نجد انفسنا نسلك اسلوب المذاكرة من حيث لا نقصد التذكير ، و لكن من حيث تجربة شخصية و ادراك كيفية التخلص من تلك المشاعر السلبية عبر ما استفدناه من مشايخنا على سبيل المثال
فالمكتئب مثلا لا نستطيع ان نقول له مباشرة : اذكر الله
او او ... لأنه قد يكون لديه مفهوم سلبي عن التدين من اصله بحكم ما تلقاه من فهم خاطئ حول التدين فصار هذا التوجه مربوط بافكار و مشاعر سلبية ترفضه همته
فكان و لابد من تمهيد يصحح الفهم و يشوق القلب و ينشطه نحو هذا التوجه الجديد الذي لا خيار دونه سوى ادمان ادوية تؤذي اكثر ما تنفع
فهل هذا يحسب من المذاكرة التي لا تجوز الا باذن سيدي ؟
و شكرا لكم
نور الصفاء
عضو نشيط
مشاركات: 108
اشترك في: 22 إبريل 2017 02:38
آخر نشاط: 26 إبريل 2019 02:36
العمر: 46

18 يناير 2018 23:33

نور الصفاء كتب:أحيانا سيدي خلال الاستشارات النفسية عندما نجد من تظهر على سلوكه او اقواله بعض المشاكل النفسية او ميول واضحة للاكتآب لا نجد سوى التحدث بما يشوق الى التوجه الى ذكر الله تعالى من حيث انه الوسيلة الناجعة لاطمأنان القلب
و بما أن الامر عند الكثيرين يحتاج الى تمهيد من خلال الطرح و التشويق نجد انفسنا نسلك اسلوب المذاكرة من حيث لا نقصد التذكير ، و لكن من حيث تجربة شخصية و ادراك كيفية التخلص من تلك المشاعر السلبية عبر ما استفدناه من مشايخنا على سبيل المثال
فالمكتئب مثلا لا نستطيع ان نقول له مباشرة : اذكر الله
او او ... لأنه قد يكون لديه مفهوم سلبي عن التدين من اصله بحكم ما تلقاه من فهم خاطئ حول التدين فصار هذا التوجه مربوط بافكار و مشاعر سلبية ترفضه همته
فكان و لابد من تمهيد يصحح الفهم و يشوق القلب و ينشطه نحو هذا التوجه الجديد الذي لا خيار دونه سوى ادمان ادوية تؤذي اكثر ما تنفع
فهل هذا يحسب من المذاكرة التي لا تجوز الا باذن سيدي ؟
و شكرا لكم


الجواب لا ليس هذا من جنس المذاكرة التي تكون بإذن
إلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّــــي *** مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّــــي
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي *** لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عنّـي
صورة العضو الشخصية
على الصوفي
عضو نشيط
مشاركات: 252
اشترك في: 21 إبريل 2017 03:15
آخر نشاط: 21 مايو 2019 05:46


العودة إلى “المنتدى العام”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد