رياض الواصلين >> الاسئلة و الاجوبة >> المسك والعطور في أسئلة فارس النور

19 نوفمبر 2017 00:43


السؤال الحادي عشر :

قرأت سيدي ان هناك بواعث ودواعي تدفع الانسان نحو طريق الله , فاما الدواعي فهي : الخاطر ثم الارادة ثم العزم ثم الهمة ثم النية
واما البواعث فهي : رغبة و رهبه أو تعظيم والسؤال هو :
ايهما أعظم واحب لله مريد يطلبه لرغبة أم مريد يطلبه لرهبه ؟
علما بان الرغبة هي الرغبة فيما عنده ورغبة في المعاينة والرهبه هي الرهبه من العذاب ورهبه من الحجاب



فالجواب والله ورسوله أعلم


سيدي الفاضل حباك الله بنوره : المعلوم من الشريعة التي هي عنوان الطريقة وطرائق الحقيقة أن الدواعي والبواعث التي ذكرتها فما هي إلا إجتباء وعناية من الله تعالى وهي المنعوتة في الذكر الحكيم ( بالهداية ) فكلّ من هداه الله تعالى إلى طريقه المستقيم وسبيله القويم أوقع في قلبه محبّة الطاعة وبغض المعصية

وهذه لا تتحقّق إلا بالتوجيه الإلهي كالتوفيق منه وطلب الهداية والسير بالإقتداء بسيّد الرسل صلى الله عليه وسلّم فإنّ الدين كلّه لله تعالى يجتبي إليه من يشاء والعبد لا يستطيع أن يعبد الله إلا بإذنه سبحانه فمتى أراد الله هداية عبدا من العباد أوقع بقلبه مقتضياتها من الدوافع وهو المعبّر عنه بمدد التوفيق للطاعة والسير على منهاج أهل الله تعالى لذا قال تعال ( إهدنا الصراط المستقيم )

وهذا معنى الهداية حقيقة ألا وهي الهداية إلى الطريق المستقيم أي بلا إعوجاج فيه والهداية إلى الطريق المستقيم هي في الحقيقة الإهتداء إلى ذلك الطريق المستقيم فالإهتداء إلى الطريق شيء والسير فيه شيء آخر لذا عطف بقوله سبحانه ( صراط الذين أنعمت عليهم )فدلّك على مكان ذلك الطريق المستقيم لتسير فيه فنسب الصراط للذين أنعم عليهم رغم أنّه صراطه هو سبحانه وطريقه .

فعلامة إهتدائك إلى صراطه المستقيم هو ملاقاتك وإجتماعك بأهله وهم الذين أنعم عليهم في قوله تعالى ( صراط الذين أنعمت عليهم )وهذا هو سند الصراط المستقيم وهذه هي السلسلة التي لا إنقطاع فيها ( كلّ نسب منقطع إلا نسبي )كما قال عليه الصلاة والسلام لأنّه شيخ الوجود وكوكب السعود صلى الله عليه وسلّم , فهو صلى الله عليه وسلّم عنوان الطريق بمعنى أنّ الهداية إلى الصراط المستقيم يمرّ عبر مراحل :

أوّلها: الإهتداء إلى دين الإسلام

وثانيها : الإهتداء إلى مقامات الإيمان

وثالثها : الإهتداء إلى مراتب الإحسان

فهذا هو الصراط المستقيم , لأنّ الصراط متى كان مستقيما لا إعوجاج فيه لم ينقطع السير فيه فمتى كان الإهتداء إلى الإسلام حقيقيّا أفضى منه إلى الإيمان الحقيقي ومتى كان الإيمان حقيقيا أفضى به إلى الإحسان ومتى كان الإحسان حقيقيّا أفضى به إلى الزيادة بلا نهاية ( وقل ربّ زدني علما )إلى أبد الآباد لأنّ الصراط مستقيما لا إعوجاج فيه

فالهداية تتجدّد سيدي بعد كلّ مقام لأنّك لا تدري طريق المقام الذي بعده لذا فلا بدّ من طلب الهداية إليه وهذا معنى ( تجديد الإيمان المذكور في الحديث )وأن الإيمان يخلق كما يخلق الثوب لذا فإنّ سؤال الهداية لا ينفكّ عنك في كلّ حال ومقام قال موسى ( كلاّ إنّ معي ربّي سيهدين )فطلب الهداية في تلك الحال وهذا معنى السير بالله والبقاء به

قال تعالى ( إيّاك نعبد )قال العلماء هذا شريعة وقال تعالى ( وإيّاك نستعين )قال العلماء هذه حقيقة أي إنّك لا تحسن أن تعبده إلا عندما يهديك إلى الصراط المستقيم وهذه شريعة ولا تحسن أن تدخل إلى فهم الحقيقة إلا عندما يهديك إلى صراط الذين أنعم عليهم ( فإيّاك نعبد )متعلّقها آية ( إهدنا الصراط المستقيم )فلا إستقامة للعبادة إلا بها , أمّا (وإيّاك نستعين )فمتعلّقها آية ( صراط الذين أنعمت عليهم )فهذه الهداية التامة هي التي تنجيك من أمرين الذين ذكرهما في آخر الآيات وهو قوله( غير المغضوب عليهم ) أي الذين عبدوه من غير أن يهتدوا إلى صراطه المستقيم ,

وقوله ( ولا الضالّين )وهم الذين لم يهتدوا إلى صراط الذين أنعم عليهم , فأهل الغضب عبدوه للأغراض فإشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فكانت عبادتهم معلولة وهذا واقع في اليهود وفي هذه الأمّة أيضا كالفرق الضالّة كالخوارج كلاب أهل النار وغيرهم من الطوائف المنحرفة , أمّا أهل الضلال الذين زاغوا عن توحيده ووقعوا في الشرك والزندقة كالنصارى وكذلك بعض طوائف هذه الأمّة من الذين قالوا بالحلول والإتّحاد وإعتقدوه , فكان الغضب الإلهي سببه إنعدام العبادة وهي الأوامر والنواهي والإقتداء بالشريعة في أصولها وفروعها لأنّه الحجّة البالغة أمّا الضلال فسببه الزندقة لعدم الإهتداء إلى الإقتداء بأصحاب الصراط المستقيم ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة )

فهذه الهداية هي تنير درب المؤمن من حيث إيمانه والمحسن من حيث إحسانه فمن فقدها فإمّا أن يكون من المغضوب عليهم أو من الضالين وليس هناك مرتبة أخرى ليكون فيها

فتتجدّد الهداية فيكون أوّلها خاطر يخطر بالنسبة لأهل الشريعة أمّا ما يقابله عند أهل الحقيقة فهي لوامع من النور تلمع , ثمّ يكون إرادة وما يقابلها عند السالكين تجرّد القلب ثمّ يكون حزم وهي مجاهدة ثمّ نيّة وعند القوم هي المعاينة

فإنّ الشريعة باب الحقيقة والإسم لا يدلّ إلا على المسمّى وما في الظاهر مصدره الباطن فهو بابه

وبما تقدّم يفهم كيف تكون العبادة لله تعالى

فالشريعه تعطي العبادة بالرغبة في الثواب والرهبة من العقاب , والحقيقه تعطي العبادة بالرغبة في النظر والمعاينة ( أعبد الله كأنّك تراه ) والرهبة من الحجاب , فالشريعة والحقيقة متّصلتان لا تنفصلان ولا ينفصل هذا عن هذا البتّة , فإنّ الثواب والجنّة من أنوار الصفات , والمعاينة والمشاهدة من أنوار الذات , والصفات لا تنفصل عن الذات , فعلى قدر المشاهدة يكون الثواب وعلى قدر الحجاب يكون العقاب لذا ما وقف القوم مع الآثار ولا مع عالم الأنوار وإنّما أغرقوا في عوالم الأسرار , فالواقف محجوب والقانع من فضل الله مطرود ( رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير )

لأن الغنى لله تعالى والفقر صفة العبد فهذا مشهد العارف ولو أعطي مقام القطبانية في التصريف لأنّ مقام الحقيقة يستوجب هذا ومن أساء الأدب في حضرة الحقائق طرد وسلب كما وقع لإبليس لعنه الله تعالى

فلا بدّ من عبادة الله تعالى شريعة وحقيقة أي رغبة ورهبة فهما لا ينفصلان , والخوف والرجاء لا ينقطعان وقد أوضح هذا القرآن في قوله فيما يخصّ الرجاء ( قل يا عبادي الذين اسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله )
وفيما يخصّ الخوف قال تعالى ( أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ )
فمن عبده لمجرّد الرغبة بنوعيها فمصيره أمن مكر الله , ومن عبده رهبة بنوعيها مجرّدة عن الرغبة فمصيره القنوط من رحمة الله

فلا نقول أيّهما أفضل فهما متلازمان لأنّ العبد بين صفات الجمال وصفات الجلال , وبين صفات الفضل وصفات العدل فكلّ صفة تراقبه وترصده ( وما يعلم جنود ربّك إلا هو )

نعم قد يغلب رجاء العبد خوفه أو قد يغلب خوفه رجاءه لكنّها حالة تلوين في السلوك أمّا التمكين الذي هو الأدب الحقيقي مع الله تعالى فتستوي فيه المقامات فلا يغلب خوفه رجاءه ولا رجاءه خوفه يراقب الله في الأنفاس و يزن الخواطر بالقسطاس

لذا جعلك بين شريعة وحقيقة ( بينهما برزخ لا يبغيان )فلا تتعارض شريعة مع حقيقة ولا حقيقة مع شريعة , والبغي هو الظلم والإعتداء بل على المريد أن تكون الشريعة المحمدية في ظاهره والحقيقة الإلهية في باطنه , فهو البرزخ الذي يمنع البحرين من أن يبغيان على بعضهما فكن برزخا لتزن بالقسطاس المستقيم ( وزنوا بالقسطاس المستقيم )

قال تعالى : ( والسماء رفعها ووضع الميزان أَلا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان )فهذا هو الكمال وهذا مقام الوارث المحمّدي الحقيقي الذي هو نائب عن الله تعالى ورسوله في بلاده وعباده وهو الذي تشدّ إليه الرحال لطلب لذّات الوصال وهوالإمام والقدوة والعارف والعالم

رضي الله عن جميع ساداتنا

هذا سيدي فارس النور وجازاك الله عنّا وعنك وعن كلّ من أفادته أسئلتك شيئا خيرا وجعل كلّ هذا وغيره كثير في ميزان حسناتك

وأسأل الله العظيم خاشعا أن أكون قد وفّيت في الإجابة وأن يجعل ما كتبته خالصا لوجهه الكريم بجاه حرمة سيد المرسلين وأسأل الله أن ينفع بما كتبته كلّ من وقف عليه وأن يغفر لي ما وقع مني فيه من الغلط وسوء الفهم

آمين يا ربّ العالمين


فارس النور
عضو نشيط
مشاركات: 70
اشترك في: 15 مايو 2017 12:57
آخر نشاط: 18 يونيو 2019 16:59
مكان: دمشق
العمر: 37
اتصال:

21 نوفمبر 2017 00:07



السؤال الثاني عشر


قلت سيدي الغالي سابقا ( للأذكار خواص وكلّ ذكر يعطي خاصيته ) والسؤال هو :
كيف ذلك ؟

جازاك الله خيرا سيدي فارس النور :

فالجواب والله ورسوله أعلم :



نعم للأذكار خواص وهذا أمر معروف مشهور ولا أظنّه يخفى عليك , وإنّما قصدت أنّ لكلّ ذكر خاصيّة تميّزه عن الذكر الثاني وكلّ ذكر يطلب خاصيته

وقد أردت بقولي السابق في الجواب على السؤال بأنّ الفقير الذي يكثر من الخلط بين الأذكار فيذكر ما أذن فيه من شيخه ويذكر ما لم يؤذن فيه من شيخه فهذا لا ريب أنّه طالب خاصّيات الأذكار ولم تشوّر همّته بعد إلى الواحد القهّار , وخاصّيات الأذكار تعطى لا محالة لكلّ من ذكر بها وهذا الأغلب ولكن هناك فرق بين من ذكر بها طالبا بها وجه الله وكلّ ما يقرّبه إليه وبين من يذكر بها وليس مقصوده غير جلب المصالح النفسية ودفع المضار النفسية

وقد ألّف البوني وغيره في خواص الأذكار وإبن الحاج وما كتبوه يعدّ من علوم الحروف والسحر وما جرى مجرى هذا أي أن من فعل ذلك بغير إذن من شيخ كامل وقع في الشيطنة و السحر وخرج عن الجادة المستقيمة كما وقع ( للطوخي عبد الفتاح المصري ) الذي يدعي إنتسابه للطريقة النقشبندية زورا وبهتانا وكتب الكتب في السحر والكفر

قلت : إنّما يتّخذ الشيخ الكامل لأسباب منها أنّه لا يأذن لمريده في ذكر إسم من الأسماء إلا بعدما يعلم يقينا أنّ مريده قد شوّر قلبه إلى الله تعالى فلو أذن الشيخ مريدا من مريديه بذكر الإسم مثلا ومازال قلبه لم يشوّر إلى الله تعالى فيخاف عليه من الشيطان أن يستهويه لأنّ قلبه في تلك الحالة ليس له توجّه إلى الله تعالى فبأي كشف يقع له في العالم الظلماني يضع اليد في اليد مع الشيطان فيصبح قائده وشيخه

فخواص الأذكار معناها أن يطلب المريد منها قضاء حاجاته فقط من غير إستشعار أنّه ذكر الله تعالى وهذا يوجب عليه شروطا كالحضور والخشوع والنور والغيبة عمّا سوى المذكور فتنمحي مراداته في مرادات ربّه ..وهكذا
فكلّ من خلّط في الذكر فهو طالب علل وأغراض وشهوات نفسية جليّة وخفيّة

والأمر كلّه متعلّق بوجهة المريد فمتى ذكر ذكرا صفاتي يخاف عليه من طلب خاصيّة ذلك الذكر فيحجب به عن ربّه
لذا إقتصروا في السلوك على ذكر إسم الذات لتفنى الشهوات وطلب العاجلات

هذا ما بدا لي

والله أعلم
فارس النور
عضو نشيط
مشاركات: 70
اشترك في: 15 مايو 2017 12:57
آخر نشاط: 18 يونيو 2019 16:59
مكان: دمشق
العمر: 37
اتصال:

21 نوفمبر 2017 00:13



السؤال الثالث عشر :

قلت سيدي ( هناك من الأذكار متى ذكرتها بغير إذن دخل الفقير بها حضرة الشيطان ) والسؤال هو : ما هي حضرة الشيطان ؟ ولماذا هناك من الاذكار ما يدخل ذكرها بغير اذن عالم الشياطين وكيف ؟ ملاحظة قد قلتم هناك من الاذكار وليس كلها فهل هذا يعني وجود اذكار توصل صاحبها وتحميه ؟

الجواب والله ورسوله أعلم :


حضرة الشيطان هي حضرة الباطل الذي هو نقيض حضرة الحقّ أو تقول هي حضرة الظلمات التي هي نقيض حضرة النور أو تقول هي حضرة الجهل التي هي نقيض حضرة العلم أو تقول هي حضرة العناد التي هي نقيض حضرة التسليم أو تقول هي حضرة الكبر التي هي نقيض حضرة التواضع

وبالخلاصة الجامعة : حضرة الشيطان هي المناقضة بكلّ وجه أصولا وفروعا لحضرة الرحمان أو تقول هي حضرة الكفر والشرك والنفاق

فأصول حضرة الشيطان الكبرى هي : الكفر والشرك والنفاق وهي المقابلة لقولنا الإسلام والإيمان والإحسان

وكذلك فروع كلّ قسم .فافهم , فحضرة الحقّ لها ما يقابلها من الباطل من كلّ وجه وفي كلّ أصل وفي كلّ فرع , فكلّ حقيقة لها صورة من الباطل تقابلها

فمثلا النبي حقّ فله ما يقابله من الباطل وهو الذي يدّعي النبوّة , وكذلك الوليّ حقّ وله ما يقابله من الباطل وهو الزنديق
وكذلك في كلّ صنف من الأصناف وفي كلّ نوع من الأنواع في كلّ علم وفنّ , فتجد مثلا شيخ التربية الكامل وفي مقابلته من الباطل تجد مدّعي التربية والإرشاد

فحضرة الشيطان هي كلّ ما كان باطلا في كلّ نقيض من الحقّ

أمّا حضرة النفس فهي ليست كمثل حضرة الشيطان فمثلا عندما نرى هذا الوجود فنحكم ببطلانه من حيث ( ألا كلّ ما خلا الله باطل)كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلّم في إستشهاده بهذا البيت للشاعر ( لبيد ) فحضرة النفس هي حضرة الباطل أيضا لكن من حيث الوجود وعدمه فكلّ من أثبت وجودا مع وجوده أو شهودا مع شهوده فهو مازال في حضرة النفس لذا قام أهل الله طريقهم على محورين : الأوّل نفي الباطل ليتبيّن الحقّ فتفنى حضرة الشيطان , والأمر الثاني : نفي الباطل من حقائق الأعيان وذلك بالفناء في الواحد الديان فتفنى حضرة النفس ( من عرف نفسه عرف ربّه )
ومن هنا يتّضح الفرق بين الخاطر الشيطاني والخاطر النفسي وتتبيّن حقائق كلّ حضرة منهما ولتوضيح ذلك يلزم تفسير طويل دقيق

وعليه يتبيّن بأنّ الذكر الحقيقي هو نفي وإثبات أي نفي حضرة الشيطان , وإثبات حضرة الرحمان وهذا لا يتحقّق إلا بفناء حضرة النفس بعد حضرة الشيطان بمعنى أنه عند الإثبات تفنى حضرة النفس

فقد يذكر المريد أذكارا فتزجّ به في حضرة الشيطان كما نراه ممّن يدّعي المهدية أو القطبية أو الكرامات وغير ذلك مما لا يخفى على العباد لأنّ غرضه من الذكر طلب قضاء الأوطار النفسية والحاجات الدنيوية

فمثلا هناك من يذكر الله تعالى ونيّته أن يصبح قطبا وهناك من يذكر ويريد التميّز بالكرامات


وهذا يحدث أيضا حتى فيمن حفظ القرآن لغير الله فدخل النار وكذلك الذي أنفق جميع ماله فدخل النار والذي قتل في ساحات الجهاد , وإنّما دخلوا النار كما ورد في الحديث الشريف لأنّهم ما فعلوا ذلك إلا رياء وسمعة , الأوّل زجّ به القرآن في النار والثاني زجّ به الإنفاق في النار وهكذا لأن القرآن يتلوّن بلون نيّة صاحبه فافهم

فكذلك الذكر فمتى لم يكن مأذونا أو يكون بنيّة معلولة ولم يرد به وجه الله تعالى زجّ بصاحبه في عالم الباطل وعالم الشياطين فإنعكست لديه الحقائق

ويكفي دليلا من كتاب الله قوله تعالى ( يهدي به كثيرا ويضلّ به كثيرا )أي القرآن الذي يحتوي على جميع الأذكار والأسماء , فيضلّ الله به كما يهدي به وكذلك الأذكار فهناك من يهتدي بها متى وافقت شروطها وهناك من يضلّ بها متى ناقضت شروطها

وماذا نقول فيمن قال الله تعالى فيهم ( يشترون بآيات الله ثمنا قليلا ) فيمكن أن نقول في حقّ معلول النيّة : إنّما أراد بذكره الذي هو من آيات الله ثمنا قليلا

فلا يستغرب من هذا

فهنا نعرف أهميّة تصحيح العقيدة والأعمال والنوايا لمن أراد الله تعالى والدار الآخرة

وقولي من الأذكار : أي الأذكار التي يراد بها غير وجه الله تعالى كمن يخلط بين أذكار الصوفية وأورادهم ونيّته أن يصبح له ولاية أو جاها أو منزلة أو قطبية وغير ذلك من العلل

ولذا قال تعالى : ( أعبدوا الله مخلصين له الدين ) فهذا الذكر الذي يزجّ بصاحبه في عوالم النور في لمح البصر ويحميه من الشيطان والنفس

فكلّ من توجّه إلى الله بنيّته في جميع أعماله شعشع عليه نور التوحيد فكان محفوظا ظاهرا وباطنا من تسلّط الشياطين وخواطر النفس لذا أوضح هذا في قوله ( إلا عبادك منهم المخلصين )

لأنه قاعد في الطريق المستقيم فكلّ مارّ منه لا بدّ أن يكون له نيّة الإخلاص لله وإلا إستزلّه الشيطان

وقد وقعت هذه الحادثة لبعض أهل غزوة أحد لأنّهم أرادوا الغنائم فإستزلّهم الشيطان كما حكى القرآن عنهم ببعض ما كسبوا فكاد أن يفسد عليهم جهادهم بحضور رسول الله صلى الله عليه وسلّم

وكذلك أهل الذكر فمنهم من إنقلب زنديقا كما حكى كتاب الإبريز عن بعض الأولياء ومنهم ومنهم...

لذا وجب في السلوك مصاحبة الشيخ الكامل والإئتمار بأوامره والإنتهاء بنواهيه

( إتّقوا الله وكونوا مع الصادقين ) فمن كان معهم مع الوقت يصبح مثلهم لأنّ الطبع يسرق


فارس النور
عضو نشيط
مشاركات: 70
اشترك في: 15 مايو 2017 12:57
آخر نشاط: 18 يونيو 2019 16:59
مكان: دمشق
العمر: 37
اتصال:

23 نوفمبر 2017 00:12




السؤال الرابع عشر :

قلت سيدي فيما سبق ( الوهم وهو مجال الشيطان في عالم الخيال ) والسؤال :
لو تكرمتم سيدي بشرح ذلك مع أمثلة ؟



الجواب والله ورسوله أعلم

سيدي العزيز : فارس النور

كما قدّمنا في الجواب السابق أنّ عالم الشيطان وحضرته هو عالم الباطل بأسره , وعالم الباطل هو العالم الذي يريد الشيطان أن يضاهي به عالم الحقّ ويضادده وهنا وقعت العداوة بين إبليس وآدم , فإبليس أعطي عالم الباطل وآدم أعطي عالم الحقّ فكان الصراع بينهما حربا ضروسا , فآدم أعطي كلّ ما هو حقّ ومن الحقيقة أي أنّه أعطي عوالم الأنوار كلّها أي عالم الصفات كلّها , فأعطي العقل ليرجّح به بين القبيح والمليح فيميّز به الحقّ من الباطل , وأعطي القلب ليكشف به المغالطات والمخادعات التي يظهر ظاهرها في حلية الحقّ وباطنها باطل أو باطنها حقّ ويظهر ظاهرها في صورة الباطل , فالقلب له المرتبة الثانية من التمييز بعد مرتبة العقل حتى يضحى هذا العقل تحت حكم وسلطان القلب في الترجيح فيقتدي به إماما كما قال أبو بكر في معراج النبي صلى الله عليه وسلّم ( أو قال ذلك ؟ فإن قاله فقد صدق )وأعطي الروح ليكشف به الخيالات الكونية والأوهام الوجودية وهي مرتبة أرقى من الثانية فيقتدي هنا القلب بالروح حتى يصبح القلب تحت سلطان الروح بعدما أصبح العقل تحت سلطان القلب , ثمّ أعطي السرّ وهذه نهاية المراتب وهي مرتبة أعلى من الروح فتصبح الروح تحت حكمه وكذلك العقل والقلب والروح وفي هذه المرتبة نحسن أن نتلو قول الله تعالى عن طريق فهم الإشارة ( والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون )
فهذا من أحكام السرّ , فالأرض كناية عن العقل , والسماوات كناية عن القلب والروح , ( واليمين ) هو السرّ ) والسرّ لا يعطي غير إثبات من لم يزل وفناء من لم يكن لذا قال ( سبحانه وتعالى عمّا يشركون ) فما ذكر غير تنزيهه عن الشرك

فهذا الذي أعطيه آدم مع تفاصيله

أمّا الشيطان فإعطي ضدّ ذلك كلّه وهذا معنى قوله تعالى ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير )
أي عدوّا لكم في مرتبة العقل , وفي مرتبة القلب , وفي مرتبة الروح

أمّا مرتبة السرّ فالعداوة فيها للنفس وليس للشيطان

- ففي مرتبة العقل عداوة الشيطان لبني آدم تتمثّل مغاليطه ومقاييسه في العالم المادي المحسوس كقولهم : ( وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق )
وكقولهم : ( ما أنت إلا بشر مثلنا )
وكقول فرعون : ( فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى ) ولذا قالوا بأنّ أوّل من قاس هو إبليس بقوله ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين )وهذا النوع من الوسوسة مجاله التشكيك في وجود الله تعالى والتشكيك في وجود الرسل والتشكيك في وجود الولاية فقاسوا بعقولهم هذه الحقائق الثلاث فنفوها بعقولهم وأثبتوها بحسب عقولهم: كمن جعل الأله هو عين الكون وهو الدهر فقالوا ( وما يهلكنا إلا الدهر )أو جعلوا الكون طبيعة إنفجار وحدوث ذرّي صدفة , وكذلك الذين جعلوا الرسل عبارة عن مسّ جنّي أو سحر أو مجانين أو شعر أو كهانة , وكذلك الأمر في الولاية كمن ظنّها حفظ وإتقان أو مظاهر وأرزاق ففسّروها بحسب مقياس عقولهم وهكذا الحال في كلّ مرتبة عقل بمعنى أن تفسير النبوّة عند الكافر الجاحد كالفيلسوف وغيره ليست هي بنفس تفسير المؤمن العامي وكذلك بالنسبة للعارف فليس تفسيره لها مثل حدود المؤمن العامي وهكذا في جميع المراتب ( وفوق كلّ ذي علم عليم ). فافهم

- وفي مرتبة القلب: عداوة الشيطان لبني آدم تتمثّل في ( لمّة الشيطان ) في الجهة اليسرى من القلب لأنّه واضع منخره على قلب الإنسان كما ورد في الحديث فمتى غفل الإنسان عن ذكر ربّه وسوس الشيطان في القلب وهذه الوسوسة ليست مثل الوسوسة الأولى فهي أخفى منها وأدقّ وهذه الحضرة القلبية الشيطانية يقابلها الحضرة النورانية الملائكية في ( لمّة الملك )فالحرب بينهما سجال في قلب الإنسان لذا سمّي القلب قلبا لتقلّبه بين الواردات الملائكية والخواطر الشيطانية فلأيّهما كانت النصرة كان الحكم فيخرج ذلك الحكم بحسب تلوّنه بأيّ من المعنيين : كقوله تعالى : ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون )وهذه الوسوسة لها علاقات مباشرة في العبادات والمعاملات كقوله صلى الله عليه وسلّم ( خصلتان ليست فوقهما خصلة في الحسن حسن الظنّ بالله وبعباد الله وخصلتان ليست دونهما خصلة في السوء سوء الظنّ بالله وبعباد الله )أو كما قال عليه الصلاة والسلام , أي في العبادة والمعاملة , فمن هنا يفسد إبليس العلاقة مع الخالق ومع المخلوق وهي مرتبة يعسر كشفها لأنّها أخفى من الأولى وأكثر تلبيسا
كقوله تعالى ( يظنّون بالله ظنّ الجاهلية )وكقول النبي صلى الله عليه وسلّم لأبي ذرّ لمّا قال في بلال ما قال ( إن فيك بقيّة من الجاهلية )وهذا المجال مجاله إفساد التحقّق بالمقامات فتكون المقامات إمّا مدخولة أو معلولة وكذلك الأحوال

أمّا في مرتبة الروح: فعداوة الشيطان للإنسان تتمثّل في مجال الخصوصيّة وهو الأمر الذي ورد فيه السؤال من سيدي فارس النور وهذا الأمر له تعلّق كبير بعالم الخيال
والفرق بين الخيال والوهم أن الخيال مجرّد خواطر وأماني بعيدة تخطر على الإنسان قد تطول وقد تقصر
أمّا الوهم فهو إعتقاد تلك الخواطر الخيالية والعمل على أنّها واقع ملموس كمن يدّعي أنه المهدي المنتظر فيخرج للناس معتقدا ذلك بلا أدنى شكّ فيصل إلى حدّ أن يقتل ويصلب ولا يتراجع عنه رغم أنّه لا وجود له بأي حال من الأحوال

أمّا الخيال فهي مرتبة أدنى من الوهم لذا فالشيطان متى بدأ برسم التخيّلات للمريد السالك شيئا فشيئا حتى يصل إلى درجة يسهل على الشيطان أن يقنعه بل ويعقد قلبه على أنّ ما تخيّله هو حقيقة ثابتة فيعمل على إعتقادها وهذا في عدّة أمور منها الأمور الإعتقادية كقول الأولياء هناك : ( الكشف الخيالي )أي أنه من الشيطان , فيخرج على الناس بأنّه رأى كذا وكذا فيظنّ بنفسه الخصوصية والولاية والمعرفة وإنّما هو مقيم في عالم خياله لذا فمجال الشيطان في السلوك أي مرتبة الروح هو عالم الخيال والفرق بين الوهم والخيال أنّ المتخيّل للشيء قد لا يعتقد صحّته رغم أنّه تخيّل وهذا لا يكون إلا متى تمكّن السرّ من التوحيد الصرف وثبوت القدم في حضرة القدم , كما وقع لموسى عليه السلام في قوله تعالى : (فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ) فخيّل له فقط ولم يعتقدها أنّها تسعى حقيقة وأنّها حيّات وثعابين بل خيّل إليه وهذا الخيال ينجم عنه الخوف وهذا الخوف لا يثبت ولا يبقى عند المؤمن بل فقط يبقى عند أولياء الشيطان ( إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين )
وكذلك خيّل إلى سيدّنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم لمّا سحر من قبل اليهود أنّه يفعل الشيء ولا يفعله كما في الحديث عن عائشة رضي الله عنها

فمجال الخيال هو مجال شيطاني من حيث علوم السحر , وعلم السحر هو علم التلبيس أي تلبيس الحقّ بالباطل وهذا نهاية علم إبليس وهو علم السحر , فعلم السحر عبارة عن علم أسرار الحروف مقلوبة ومعكوسة كقولنا في المسيخ الدجّال فهو حقيقة عيسى مقلوبة لذا فإن عيسى ينزل ليقتله لأنّه صورته المعكوسة فلا يقتله إلا عيسى أما الشابّ الذي يقتله الدجال ويشقّه نصفين فهو على بصيرة من الدجال فلا يثنيه شيء عن حقيقته فيقول له : أنت الذي أخبرنا عنك رسول الله صلى الله عليه وسلّم فما إزددت فيك إلا يقينا

وكذلك فما يقابل السحر هو التصريف الذي عند الأولياء فالشيطان يستعمل الأرواح السفلية الشيطانية في قضاء أغراضه والأولياء يستعملون الأرواح النورانية العلوية في قضاء حاجاتهم وهذا العلم عند الأولياء يسمّى علم الحروف , ولكن الشيطان أخذه مقلوبا لأنّه أخذ كلّ شيء بعد أن لعنه الله وطرده مقلوبا فكانت صورة إبليس هي صورة آدم مقلوبة وآدم خليفة الله في أرضه فافهم
وهذا نجم من حيث حقائق كبرى وعلوم عليا تتعلّق بعلوم الأسماء والصفات وبعلوم التجليات
وكذلك الرؤى المنامية فهي قد تكون مجالا للشيطان لذا ما عوّل عليها في الأحكام الشرعية إلا متى قرّرها الشارع بوحي من الله تعالى كما قرّر الآذان وإنّما جعلها رسول الله عليه الصلاة والسلام مبشّرة ولم يجعلها حكما ثمّ ذكر أنها من أجزاء النبوّة ولم يذكر أنّها من أجزاء الرسالة كي لا ينعقد بها حكما شرعيا لأنّ مجالها دقيق وليس بمحفوظ فيها غير الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام لأنّهم أهل عصمة أما الأولياء فهم محفوظون بحكم الوراثة للأنبياء فلا بدّ من مراعاة الفرق بين المرتبتين
لذا فقد وقع في الدواهي جملة من المريدين بسبب الرؤى فلعب بهم الشيطان من حيث لم يدروا فإعتمدوا رؤياهم كإخبارا من الله تعالى ولم يتّهموا أنفسهم ولا عرضوها على مشائخهم فأوّلوها لهم وقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقصّون عليهم رؤياهم ويكفي قصّة ذلك الصحابي الذي رأى رأسه قطع وتدحرج فعاتبه رسول الله وقال له : ( إذا لعب الشيطان بأحدكم فلا يقصنّ عليّ رؤياه )أو ما في هذا المعنى
وقد قصّ يوسف على أبيه رؤياه فأمره بالكتم لأنّه عرف خطرها لذا ورد في الحديث ( لا تقصّ رؤياك إلا على عالم )وقد قال لي شيخنا : لا بدّ لمؤوّل الرؤيا أن يكون عالما بعلوم (وذكرها لي) وهي (11) علما .

والرؤى الشيطانية من عالم الخيال أيضا وفيها دواهي وفواجع

وإنّما عبّر القوم على البعض من حقائقهم بعالم الخيال فإنهم لا يقصدون ما حكينا فيه وإنّما بما أن الأمر المثالي في الجنان والأنوار يفوق عالم الخيال من حيث التصوّر كما قال عليه الصلاة والس ( ...ولا خطر على قلب بشر )أي بما في الجنّة
فقالوا مثلا : رأينا في عالم الخيال : أي في عالم يفوق التصوّر والخيال وليس المقصود به أنه لا حقيقة له ثابتة
فإن عالم الجنّة هو عالم خيالي من هذه الحيثية وهذا التفسير فيجب مراعاة فهم كلام أهل الله تعالى

لذا كان فعل خال في حقيقته من أخوات : ظنّ وحسب فهي كلّها من نفس أسرة معانيها وقد عبّر القرآن عن هذا الخيال في آيات كثيرة كقوله ( تظنّون بالله غير الحقّ ) وكذلك الشكّ والحسبان فهذه وغيرها من أسرة عالم الخيال العقلي والقلبي والروحي

والله أعلم
فارس النور
عضو نشيط
مشاركات: 70
اشترك في: 15 مايو 2017 12:57
آخر نشاط: 18 يونيو 2019 16:59
مكان: دمشق
العمر: 37
اتصال:

25 نوفمبر 2017 11:09


السؤال الخامس عشر :

قلت أخي الغالي و سيدي الحبيب فيما سبق ( فأصول حضرة الشيطان الكبرى هي : الكفر والشرك والنفاق وهي المقابلة لقولنا الإسلام والإيمان والإحسان ) والسؤال هو :
ما الفرق بين كل من الكفر والشرك والنفاق ؟ وان كان ما يصل بين الايمان والاحسان هو طور الطريقة بما فيها من الاذكار والاوراد فما الذي يصل بالمقابل بين الشرك والنفاق ؟ بمعنى ان صح طرح السؤال كمان ان للقلب والروح منازل تسري فيها للوصول فهل العكس وارد ؟

الجواب والله ورسوله أعلم :

سيدي قد أشرنا منذ البداية بأنّ لكلّ حقيقة صورة من الباطل تضاددها وتريد غمطها ( يريدون ان يطفئوا نور الله )

وعليه فإنّ كلّ مرتبة من مراتب الإسلام لها ما يضاددها من الكفر وكذلك مرتبة الإيمان فلها ما يضاددها من الشرك وكذلك مرتبة الإحسان لها ما يضاددها من النفاق

وإنّ بين تلك الألفاظ عموم وخصوص كقولنا في ركن الفقه ( مقام الإسلام )فهذا الإسم الذي هو الإسلام ينطلق على كامل الدين عند عموم اللفظ الظاهري لأنّنا في عالم الأسماء الظاهرة فهو لفظ بين عموم وخصوص فلمّا نقول ( المسلم ) فأوّل ما يتبادر إلى الأذهان أنّه المؤمن وإن كان من الخاصّة أنّه المحسن وهكذا ...

وكذلك قولنا في لفظة ( الكفر )فلها عموم وخصوص فهذا الإسم يطلق على جميع أنواع الكفر : كالشرك والنفاق , فهذا من حيث عموم اللفظ أمّا من حيث خصوصه فلا ينطبق إلا على من إتّصف بمعناه الخاصّ , فمعنى الكفر شامل وفيه دركات فقد يطلق معنى الكفر على طائفة بعينها من حيث معناه الخاص وقد يطلق على كلّ من كفر بالله تعالى كالمشركين والمنافقين واليهود والنصارى وكلّ الملل والنحل كالهندوس والبوذيين والمجوس ..إلى غير ذلك

أمّا أصول حضرة الشيطان التي طرحت السؤال فيها فالمقصود منها معانيها الخاصّة لا معانيها العامّة لأنّ الأجوبة هنا في محلّ التفصيل والترتيب وهذا معنى البيان الذي هو تفصيل لمعاني القرآن

فالكافر والمشرك لا فرق بينهما من حيث أنّهما كافران وكذلك المنافق وإنّما الفرق فيما بينهم في نوعيّة الكفر وحضرته التي خطر منها وهذا من علوم التربية وهذا العلم أختصّ به الصوفية رضي الله عنهم أكثر من غيرهم لأنّهم يرون حضرة الشيطان من فوق أي بعد أن قال تعالى فيهم على لسان إبليس ( إلا عبادك منهم المخلصين )فهؤلاء النوع من العباد هم فقط الذين يرون الشيطان من حيث لا يراهم لأنّ بصرهم بالله تعالى وكذلك سمعهم أي أنّ الله تعالى يرى إبليس من حيث لا يراه إبليس لذا قال ( والله خير الماكرين )أمّا البقية فإنّه يراهم هو وقبيله من حيث لا يرونه كما في الآية

والمكاشف بهذه الحضرات يعرف مداخل الشيطان على بني آدم وأوّل المكاشفين بهذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلّم فلا يمكن أن يتحايل عليه الشيطان كما تحايل على آدم في صورة الناصح وكما جاء لأبي هريرة رضي الله عنه في صورة فقير معدوم كما في الحديث الذي كشف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلّم حال مخاطب أبي هريرة في ثلاثة أيام فهذا من بصيرته عليه الصلاة والسلام وكذلك نوابه ووارثيه فليس للشيطان عليهم من سبيل فهم محفوظون
ومن هذا الباب كتب الله العصمة على الملائكة وكذلك الأنبياء أمّا غيرهم فلا فلمّا علم صلى الله عليه وسلّم ما علّمه ربّه من الفهم والتحقيق قال : ( كلّ أمّتي خطاؤون )لأنّه لا معصوم غير الأنبياء والرسل والملائكة أمّا أهل الله فليس للشيطان عليهم من سبيل ( عبادي ليس لك عليهم سلطان )فنسب عباده إليه سبحانه وتعالى أما من خرج عن هذه المرتبة وهي مرتبة كمال العبودية فإن للشيطان عليه سبيل مهما دقّ وخفي هذا السبيل وقد كاشف الكثير من العارفين الكمّل تلبيسات إبليس التي يلقيها في قلوب المريدين فيعتقدون صحّتها كالعارف الذي حضر مجلس سماع وكان ضريرا فرأى بعين بصيرته كيف نطح الشيطان أحد المريدين فغاب عن وعيه والجماعة يظنّونه في قمّة الفناء والجذب والبركة وهكذا ...( الحكاية )

أقول أوّلا : يجب معرفة أن الإنسان خلقه الله تعالى خليفة في الأرض أمّا إبليس فكان الخليفة المعكوس أي الصورة المقلوبة للخلافة لأنّه مسخ وطرد ولعن فكان صورة آدم مقلوبة أعني إبليس الكبير الذي أساء الأدب في الحضرة وكذلك كلّ عارف يسيء الأدب فيطرد من الحضرة ويسلب فيبقى له العالم الظلماني أي صورة معرفته معكوسة وقد إنقلب أحد الأولياء زنديقا في مصر في عهد قديم لذا قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه في سكرات الموت ( لا بعد , لا بعد )وكان قد رأى الشيطان وهو في حالة الإحتضار يقول له ( لقد نجوت منّي يا أحمد بن حنبل )فكان الإمام يقول وهو في تلك الحالة ( لا بعد , لا بعد )أي حتى أقبض نهائيّا كي آمن شرّك فأنظر حرص الشيطان ومداخله في العلماء لذا هنا يحصل التلبيس كثيرا عند بعض العلماء فيمدّه إبليس بتلبيسات لا يمكنه هو ولا أتباعه الإهتداء إليها لأنّ بين الحقّ والباطل مثل الشعرة في بعض الأحيان

وعليه فنقول :هناك سيدي أئمّة في الدين كما أنّه هناك أئمّة في الكفر قال تعالى ( فقاتلوا أئمة الكفر )فذكر إمامتهم في الكفر , هنا ندرك بأن الإمامة في الكفر تستوجب دركات ومراتب وفتاوى وتستوجب أركان في الكفر التي هي الكفر والشرك والنفاق وتستوجب فقها ( أي جهلا )وتستوجب علما كما أنّ أئمّة الدين يستنبطون ويفتون ومنهم العارف والسابق والمسبوق وهكذا ما يضادده في حضرة إبليس وقد ورد بأنّ له عرش على الماء كما أن لله عرش . فافهم , لأنّه صورة الباطل والله هو الحقّ فهنا كانت المعركة شرسة بين أئمة الإسلام وأئمّة الكفر وهنا شرّع الجهاد بالسيف والقلم والدعوة والكلمة الطيّبة وو...لأنّها حرب ضدّ إبليس الذي توعّدنا في خطابه للباري جلّ وعلا( ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين ) فهو يدري ما يقول , وقد حذّرنا الله منه غاية التحذير وأخبرنا بكلّ ما قاله قبل نزول آدم إلى الأرض لذا سمّى الله تعالى الكافرين بأولياء الشيطان وسمّى عباده الصالحين بأولياء الرحمان
وإنّ من علامات آخر الزمان يسهى الناس عن ذكر الشيطان وعن ذكر المسيخ الدجال فلا يتّهم أحد من الناس نفسه كلّما نزغه الشيطان ولا حول ولا قوّة إلا بالله

فالإمامة في الكفر لها ما يقابلها مضاددة وهي الإمامة في الدين والعبادة

سنفصّل ما بقي من السؤال إن شاء الله تعالى

إعلم سيدي الفاضل :أنّ الكفر والشرك والنفاق هي أركان الكفر وأصوله , أمّا الفرق بينها فهي في نوعية الكفر وحضرته

فالكفر بمعناه الخاصّ هو ستر حقائق مقام الإسلام اي الأسماء , والشرك ستر حقائق مقام الإيمان أي الصفات , والنفاق ستر حقائق مقام الإحسان أي مقام الذات ,
وتعرف الفارق بينهم من حيث قوّة الضلالة وضعفها في العقوبة المترتّبة عن كلّ واحدة منها , لذا كان المنافقون في الدرك الأسفل من النار فإنّهم أشدّ الناس عذابا ولا يصاحبهم في هذا الدرك من العذاب إلا من حصل منه الكفر أو الشرك في مقام الذات بمعنى أنّه تتطاول على الذات من حيث حقائقها المجرّدة ( كفرعون )لأنّه قال أنا ربّكم الأعلى ( فقوله الأعلى ) سوء أدب مع الذات مثله مثل المنافقين لذا سيدخل فرعون وآله يوم القيامة أشدّ العذاب وهناك فرق بين أشدّ العذاب وبين الدرك الأسفل من النّار وكما قلت فإنّ بينهم عموم وخصوص في ذلك فإنّ العذاب دركات كما أنّ الثواب درجات والنار هي صورة الجنّة معكوسة وهكذا ...فافهم

فالكافر الأصلي هو الذي لا يؤمن بالله أي لا يؤمن بالنسب والتجليات صفات الجمال والجلال فأثبت ستر حقائق التجليات ...فنفى وجود الله تعالى أي نفى الذات والصفات والأسماء ولكنّه ما فصل بينها فلو آمن بالذات الإلهي لآمن بأسمائه وصفاته سريعا فهو ستر الحقائق وأنكر الإعتراف جملة وتفصيلا وحالهم هذا هو بالضدّ المقابل من حال أهل الله تعالى في قولهم في حالة الفناء كما قال أبو يزيد
( سبحاني ما أعظم شأني ) فهذا أبو يزيد غاب في حضرة الحقّ فكانت سمعه وبصره أمّا الكافر فغاب في حضرة الباطل فكانت سمعه وبصره لذا إتّضح أنّ لكلّ باطل صورة من الحقّ تضادده فافهم

أمّا المشرك فهو الذي أثبت وجود الذات منفصلة عن الأسماء والصفات فظنّ أن الله واحد في ذاته ولكنّه ليس واحدا في صفاته وأفعاله ففصل الذات وجرّدها عن الأسماء والصفات لذا نسبوا لآلهتهم النفع والضرّ تحقيقا وإعتقادا فعبدوها إستقلالا لإعقاد النفع والضرّ فيها وهنا يدخل فيهم النصارى الذين ألّهوا عيسى كما يدخل في القسم الأوّل اليهود ولا بدّ لكلّ طائفة كافرة من الدخول تحت أصل من الأصول الثلاثة ّ

أمّا المنافق : فهو الذي يثبت الكذب على نفسه والكذب هو أوّل صورة من صور النفاق ( من علامات المنافق إذا حدّث كذب ...الحديث )لذا ما وصف الله تعالى المنافقين إلا بالكذب خاصّة ( وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ )والنفاق هو إرادة التلبيس لجعل الأسماء الإلهية نقيض الصفات فكان عالم الباطل بأسره محشورا في أصل النفاق لأنّ كل باطل هو كذب حقيقة ومن هنا تعلم أنّ كلّ متجاوز للحقّ فهو منافق أحبّ أم كره دري أو لم يدر كمن يدّعي النبوّة أو الإذن بالتربية أو المقامات والأحوال وهو خال منها فهو منافق لأنّه كاذب كما ترى في مقابلة النفاق مقام الإحسان فالدين كلّه إحسان في حقيقته وجميع المقامات تصبّ فيه أي للوصول إليه ( وأنّ إلى ربّك المنتهى )فكذلك جميع دركات الكفر تصبّ في دائرة النفاق لذا أوصانا الله ورسوله بالصدق ظاهرا وباطنا لأنّ درك النفاق خطير جدّا وأخطر ما يخاف منه الصدّيقون هو النفاق , فالمنافق جمع جميع أصول الكفر وفروعه وجميع الأخلاق الرذيلة لذا قال الله تعالى في النافقين : ( سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ )فلا ينفعهم إستغفار رسول الله صلى الله عليه وسلّم رغم علمك بماهية إستغفار رسول الله صلى الله عليه وسلّم
فالمنافق أراد بنفاقه أن يفرّق بين الله ورسوله أي يفرّق بين الإسم والمسمّى وذلك بقطع طريق الصفات جملة وتفصيلا أي تدمير مقامات الإيمان وحقائق الإيقان وهذا هو التفريق بين الله ورسوله وهذا الأمر فيه من التلبيسات الشيطانية ما لا يعرفه إلا من فتح الله على عين بصيرته وجعل له فرقانا وأنت لو تلاحظ فإن علم المنافقين كان عند واحد من الصحابة وهو حذيفة فكان من هذا الوجه كأنّه علم مكتوم وهنا هناك أمواج من الحقائق تكلّ الأقلام عن شرحها والألسن عن ذكرها لأنّ علم النفاق لو أخرجه أهل الله تعالى للوجود لإستغلّه الكثير من العباد فهلكوا وأهلكوا وهو من هذه الناحية يشبه علم السحر

هذه لمحة وجيزة لتعرف أخي قول الله لك ولنا ( لأغوينّهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين )وهم النخبة من الأنبياء والمرسلين وأتباعهم إلى يوم الدين
وهنا تعرف ما معنى شياطين الإنس وشياطين الجنّ وكيف يوحي بعضهم إلى بعض وهناك حقائق في الآيات والأحاديث غفل أغلب الخلق عنها

ثمّ إعلم بأنّ النبيّ محمد صلى الله عليه وسلّم لمّا كان في مكّة يدعو إلى التوحيد ويقرّره قام ضدّه من الباطل وهم المشركين لأنّ الصورة التي قام بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم هي قوله تعالى حاكيا عن المشركين ( أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب )فقام عليه الباطل الذي يمثّل الضدّ لهذه الحقيقة لأنّه كان يدعو إلى التوحيد توحيد الله تعالى أسماءا وصفاتا وأفعالا وذاتا فقام عليه الباطل المضادد لهذه الحقيقة لذا قالوا ( أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب )
ثمّ لمّا كان في المدينة يقرّر الأحكام الصلاة والصوم والزكاة والحجّ وأحكام المعاملات وكلّ ما يخصّ الشريعة قام عليه المنافقون لأنّ المقام تغيّر أي المقام الذي كان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلّم فهو لتكوين الدولة المسلمة والشرائع والأحكام وتثبيت أركان الدين وفقهه أصولا وفروعا أي مقامات الدين كلّها ظاهرا وباطنا
فكانت صورة المنافقين في المدينة هي المضاددة للصورة المحمّدية في المدينة لذا أشارت الآية في قوله : ( إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ )فإنّه رمز إلى الحقيقة المحمّدية التي أرادوا أن ينفوها التي هي الطريق إلى الوصول إلى الله تعالى وليس هناك طريقا آخر ( سدّوا كلّ خوخة إلا خوخة أبي بكر )أي فيما يخصّ الخلافة والشرائع والأحكام لأنّه طريق واحد. فافهم.

فالصورة النبوية في المدينة هي الحقيقة المحمدية وصورة النبيّ صلى الله عليه وسلّم في مكّة هي الصورة الإلهية , فالصورة المكيّة يقابلها الشرك والصورة المدنية يقابلها النفاق فكان النفاق هو قطع الطريق بين الإسم والمسمّى وهذا الطريق يصدّ الكافر عن الإيمان بالله ويصدّ المشرك عن التوحيد ونفي الشريك لأنّ نفي الشريك والإيمان يمرّ عبر طريق النبيّ محمد صلى الله عليه وسلّم كما أنّ الزنديق الذي يدّعي الإحسان يصدّ الطريق عن الناس لبلوغ هذا المقام فيدخلهم في زندقة ومتاهات بحجّة الدين والإيمان والإسلام فالزندقة هي نفاق صرف لذا عاقبت الشريعة وليّ الله تعالى الحلاّج رضي الله عنه وعاقبت السهروردي رضي الله عنه حفاظا على الحقائق المحمّدية فإنّه ليس هناك هدي بعد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلّم فكلّ من تمسّك بهديه كان محفوظا مأمونا إن شاء الله تعالى ( إثنان إن تمسّكتم بهما فلن تضلّوا بعدي أبدا كتاب الله وسنّتي أو وعترتي )فهما شيء واحد

فالكافر جامد إنسان حجري لا ينفع معه في الأغلب لإيمانه إلا الأدلّة العقلية

والمشرك إنسان مصلحي نفسي وهمي لا ينفع معه إلا الجهاد بالسيف وتحطيم أصنامه

والمنافق إنسان ثعلبي داهية لا يعامل إلا بالمثل لذا كتم رسول اله صلى الله عليه وسلّم أسماء المنافقين عن الصحابة إلا أفراد منهم حتى يمكر بالمنافقين فهو يعاملهم بحسب حقائقهم

هذا وقد وردت سورة في الكافرين ( سورة الكافرون )وسورة في المنافقين ( سورة المنافقون )
فالسورة الأولى تشير إلى المفارقة مفارقة المسلم للكافر في العبادة والتوجّه ولربّما في البلاد والمجتمع

والسورة الثانية تشير بأن المنافقين داخلون في المجتمع المسلم فلا ينفكّون عنه ولا يقتلون فلا يقام عليهم حدا ويصلّون معنا ويصومون ويحجّون وهذا أمر لا بدّ فيه من فرقان نوري كي يميّز الخبيث من الطيب ( إتقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله )
ثمّ إن الكفر يزيد وينقص حتى يستهلك كلّ القلب فينطبع القلب به إنطباعا كاملا وهذا معنى ختم الله على قلوبهم لأنّه طبع عليها أي إنتهى أمرها مثل الوثيقة متى ختمت وتمّ إمضاءها من طرف المدير فهي سارية المفعول والقرار فيها صار حيز التنفيذ

وإن للقلب نزولا إلى دركات الكفر فالكفار ليسوا على درجة واحدة من الكفر
وكذلك المشركين وكذلك المنافقين
فالمؤمن العبد المحض من صفّاه الله تعالى من الكفر والشرك والنفاق أصولا وفروعا فأصبح عبدا محضا وصورة قدسية عليا وهذا الذي يتبرّك به ويلتثم العبد تراب نعليه لأنّه ذات مقدّسة طاهرة

هذا بإيجاز وهي نقاط تفتح أبوابا للفهم والتصوّر بوجود دليل وصحّة ضمير
والله أعلم


فارس النور
عضو نشيط
مشاركات: 70
اشترك في: 15 مايو 2017 12:57
آخر نشاط: 18 يونيو 2019 16:59
مكان: دمشق
العمر: 37
اتصال:

27 نوفمبر 2017 04:53


السؤال السادس عشر :

قلت سيدي فيما سبق ( فكذلك الذكر فمتى لم يكن مأذونا أو يكون بنيّة معلولة ولم يرد به وجه الله تعالى زجّ بصاحبه في عالم الباطل وعالم الشياطين فإنعكست لديه الحقائق ) والسؤال هو :
الا يشعر صاحب هذه الحال بانه زل ووقع وانحرف وان الحقائق معكوسة عنده , وما السبب اصلا انه مُكِرَ به ؟


الجواب والله اعلم


حباك الله سيدي فارس النور وجازاك خيرا :

إعلم أيها الفتى الحبيب , والأديب النجيب : أن الذكر متى لم يكن مأذونا فهو لا يدلّ على الله تعالى بمعنى أنّه لا يؤذن له في القبول كقولنا : في راعي من الرعيّة أراد أن يزور السلطان من غير إذن السلطان فإنّه حتما لا تفتح له أبواب القبول في قصر السلطان بل يطرد ويهان في الأغلب

فإنّ الذكر الذي يوصل إلى الحضرة أي المعرفة الكبرى فلا بدّ فيه من الإذن

فالأذكار نوعان :

النوع الأوّل :أذكار توصل إلى عوالم النور أي توصل إلى الفناء في الصفات وبالأحرى توصل إلى الجنّة أو تقول أنوار الحقيقة المحمدية فهذه هي أذكار السنّة التي ورد فيها الإذن من الشارع لكلّ أحد من المسلمين فهم فيها درجات وهذه الأنوار يحوز منها العلماء نصيب كبير لذا فأغلب علماء الشريعة من أهل السنّة والجماعة هم من أهل الكشف ومن أهل النور وهذه الأذكار يجب فيها إعتبار الإذن المحمّدي السنّي بلا زيادة ولا نقصان وهي توصل إلى النور وإلى دخول الجنّة في الآخرة ومعاينة أنوارها في الدنيا وأكثر الأذكار التي توصل إلى هذا بعد الإستقامة والتوبة والإستغفار هي ذكر الله تعالى بصيغة الصلاة على النبيّ صلى الله عليه وسلّم

فإنّ السلوك مناهج ومدارس :

منها السلوك بالصلاة المفروضة والنوافل ومنهم من كان سلوكه بالأذكار والعزلة ومنهم من يكون سلوكه بالإنفاق والصدقة لأنّ هذا يميت النفس موتا كبيرا ..إلخ وغير ذلك كالجهاد وكنشر العلم
وكلّ هذه الأنواع من السلوك يكون في الأغلب حدّها ونهايتها الفناء في الحقيقة المحمدية أي عالم الأنوار فلا يتجاوزون ذلك وأغلب علوم الشريعة والعلوم المحمدية من هذا القادوس تنشر وقد كانت مرتبة الشيخ يوسف النبهاني ومقامه رضي الله عنه الفناء في الحقيقة المحمدية فكان ثابت القدم فيها وعلى هذا أغلب مشائخ أرض الشام لذا قال سيدي أحمد العلاوي في حقّ سيدي يوسف النبهاني رضي الله عنها لمّا زار الشام في الثلاثينيات : ( أردت أن أعرج بيوسف النبهاني إلى الحضرة القدسية فوجدته متشبّثا في الحضرة المحمدية فثبّته فيها )لذا كانت أغلب علوم سيدي النبهاني في خصوص الحضرة المحمدية وهذا تراه في كتبه وقصائده

ثمّ إن الإذن بالمشيخة أعني الإذن بالإرشاد ينقسم إلى ثلاثة أذون :


فقد يكون الشيخ مأذونا فقط بتلقين الأوراد العامّة - والأوراد العامّة -أي الأوراد التي يكتسب منها المريد أحوالا فيشوّر قلبه نحو الله تعالى

وقد يكون الشيخ مأذونا بتلقين الأذكار الخاصّة التي يكتسب منها الفقير مقامات فيرسخ فيها كالصدق والتصديق والمحبة والعفو والرحمة واليقين والتواضع ..إلخ

وقد يكون الشيخ مأذونا بتلقين أذكار الفناء والبقاء فهذا هو الشيخ الكامل والوارث المحمدي الشامل وهذه المرتبة هي التي ينطلق عليها إسم ( الوارث المحمدي الكامل ) وهذاهو الشيخ صاحب السرّ الرباني

ثمّ إن الأذكار قد تكون هي نفس الأذكار فلا تتعدّد وإنّما يتعدّد السرّ الذي فيها لأنّ الذكر يكون بحسب سرّ الشيخ فيه وقت تلقينه أي حالته مع ربّه لذا أذن صلى الله عليه وسلّم أمّته في جميع أذكار السنّة في مقام القلب وإختصّ الذكر الخاص لأهل مقام الروح وهم أهل نسبة الله تعالى وخاصّة آل بيته الكرام لأنّ الذي ورث هذا العلم على تمامه هو سيّدنا علي رضي الله عنه أعني ورثه ليبثّه في الأمّة بخلاف غيره من الصحابة فهو وإن ورثه فهو غير متعدّي إلى غيره لأنّ هذا العلم أختصّ به أل البيت إلا في حالات كمن ورث الصدّيق الأكبر رضي الله عنه وإنّما أعني أكابر الصحابة وهم كثر فإنّك لا تجد لهم طرائق تربوية ترجع في إسنادها إليهم غير أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه وقال البعض وعمر بن الخطاب رضي الله عنه أيضا أمّا بقيّة الصحابة فلا رغم قدر الصحابة العظيم ومقامهم الفخيم لذا فلو تراجع أغلب الطرق الصوفية تجد مشائخها من أل البيت ثمّ أن الخلاف الذي يقول في القطبانية التي لا ينالها إلا أل البيت فقد خلط الأمور وإنّما القطبانية التي لا ينالها إلا أل البيت هي قطبانية التربية وليست قطبانية التصريف أعني قوله عليه الصلاة والسلام ( إثنان إن تمسّكتم بها فلن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنّتي وفي رواية وعترتي )أي طريق الهداية والتربية والمقامات والأحوال وليس المراد قطبانية التصريف التي ورثها أكثر من واحد ممّن ينتسبون لغير أل البيت كسيدي محي الدين بن عربي رضي الله عنه وغيره

فالذكر الذي قصد به الوصول إلى الحضرة الإلهية في أصل النيّة وجب أن يكون صادرا عن إذن وإلا زجّ بصاحبه فيما لا تحمد عقباه وشاهد هذا كمن تقدّم للتربية والإرشاد من غير إذن قال العارفون ومنهم سيدي أحمد التيجاني رضي الله عنه : ( يخشى أن يموت على سوء الخاتمة إذا لم يتب )
فكذلك أمر الذكر متى قصد به الوصول إلى المشاهدة أي ذكره من أجل أن يصل إلى مقام الفناء وما تلقّى ذكره بإذن فإنه يدخله إلى عوالم الظلام لأنّ القصد إلى الله تعالى لا يتحقّق إلا بإذن بمعنى متى شوّر القلب نحو الله تعالى جاءك الإذن فيه من الله تعالى وذلك بإن يقيّض الله تعالى لك شيخا ويجيء إليك في لمح البصر لذا قيل ( من طلب الله بصدق وجد الشيخ أقرب إليه من نفسه )أي وجد الشيخ ليأذنه في ذكر التوجّه الحقيقي أي يعطيه مفتاح أبواب الفناء وفي هذا الكلام تفصيل وترتيب طويل عريض لا أذكره لأنّه بحسب رأيي حجاب عن الله تعالى لذا ما ذكره الشيوخ كما أنّهم لم يذكروا دسائس النفس وخواطر الشيطان وما فصّلوها تفصيلا حتى لا ينحجب بعلمها الفقراء كقولهم ( العلم غول كبير بالنسبة للسالكين أي متى وقفوا معه )

النوع الثاني من الذكر : أذكار السلوك إلى حضرة ملك الملوك

ولا يمكن أن يصحّ هذا التوجّه من العبد إلا بوجود شرطان أساسيان هما :

- الإذن الكامل من شيخ كامل

- النيّة الصحيحة الخالية من الشوائب والعلل والحظوظ كيفما كان هذا الحظّ

فمن توجّه بغير هذين الشرطين أستدرج ومكر به لأنّه تألّى على الحضرة وأساء أدابها وما جاء البيوت من أبوابها فهو يعتبر متجسّس على أسرار الحضرة ( وجعلناها رجوما للشياطين )وفي هذا المنزل ورد آية : ( وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ )
ثمّ إنّ الذكر المأذون متى آذنك الشيخ فيه فهو علامة أهليتك لمذهب أهل الإرادة بمعنى إذن الحضرة لك في التوجّه إليها

فمن أذنته الحضرة فهو محفوظ من دخول الظلام عليه الذي معناه أنّه يحفظ من قطّاع الطريق

فالحضرة يقابلها : سرّ الإخلاص الذي هو التوحيد المطلق : ويقابلها : النيّة الصحيحة التي هي محلّ سرّ الإخلاص , ويقابلها : الإذن الإلهي , ويقابلها مصاحبة النور المحمّدي فكلّ طريق غير طريقه يجيء منه المريد لا يقبل لأنّه طريق واحد ( وإنّك لتهدي إلى صراط مستقيم )وقوله ( إثنان إن تمسّكتم بهما فلن تضلّوا بعدي أبدا كتاب الله وسنّتي )فمن تمسّك بالكتاب من غير سنّة ضلّ الطريق فأصبح زنديقا بمفهوميه :

المفهوم الأوّل : الزنادقة ( من تصوّف ولم يتشرّع فقد تزندق )

المفهوم الثاني : الخوارج أو الذين لا يقولون بالسنّة ( أي باطنا كالزنادقة والباطنية , وظاهرا كالخوارج ومن جرى في فلكهم فافهم )

فحقيقة القسم الأوّل يقابلهم أهل الباطن الربانيين , وأهل القسم الثاني يقابلهم أهل السنّة من علماء الظاهر , فإن لكلّ صورة حقّ لها ما يقابلها من الباطل

ثمّ إن أحكام الإرادة توجب شروطا وإلا ما سمّيت إرادة وإنّما نعني بالإرادة المقول فيهم ( يريدون وجهه )فكلّ من نزل عن هذه المرتبة ولو كان عالما فهو لا يعتبر من أهل الإرادة



هذا وإعلم بأنّ الإرادات ثلاث :


- إرادة وجه الله ( فهي مقرونة بالوجه ) وقوله تعالى( فأينما تولّوا فثمّ وجه الله ) فنفى عنهم الإرادة المحدّدة أي الإرادة الغرضية أو العرضية لأنّ الوجه ليس له وجهة فهذا النوع من الإرادة يتبع الوجه والوجه ليس له وجهة ولا جهة فإتصفت إرادتهم بما عليه هذه الحقيقة فإنتفت إرادتهم في إرادة الله تعالى فهم في هذه الحالة ( مرادون )لا أنّهم مريدون فقط .فافهم

- هناك (إرادة الآخرة ونعيمهما )قال تعالى ( و منكم من يريد الآخرة )فهذا ثابت بأنّ أقواما يريدون الآخرة

وهنا لا بدّ من التفريق بين أمرين وبين مرتبتين :

هناك من يريد وجه الله والدار الآخرة , فالآخرة هنا جاءت تبعية لما تعطيه الحقائق الإلهية من حيث الأسماء والصفات وليست جاءت إستقلاليّة , ثمّ من أراد وجه الله والدار الآخرة فإنما إرادته لوجه الله هي التي جعلته يريد الدار الآخرة ليراه فيها ويتمتّع بالشهود على منبر الوجود , ثمّ إن إرادة وجه الله تحجب إرادة الدار الآخرة إستقلالا لذا قال ( يريدون وجهه )

أما هذا الصنف الثاني من الإرادات :فإنّه أراد الدار اللآخرة إستقلالا عن إرادة وجه الله تعالى بمعنى أنّه غاب وحجب بالصفات عن الذات وهذا مقام شركي لمن دقّق النظر فمن حجب بالأنوار وإطمئنّ بها لم تكن لديه أخبار عن ذات الواحد القهّار سبحانه وتعالى ونحن نعبد الله تعالى لذاته وليس لمجرّد صفاته فلو لا الذات لما كانت هناك صفات ( إعبدوا الله مخلصين )والله إسم ذات وليس إسم صفة وإسم الذات يكون جامعا للأسماء كلّها والصفات

هناك إرادة ثالثة: قال تعالى : ( منكم من يريد الدنيا )وهذا واضح

ثمّ قال تعالى في المرتبتين الآخرتين ( وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا )أي من أراد ثواب الدنيا فأعماله معلولة فيكون ثوابه من جنس أعماله فسأحجبه بما طلبه عنّي وعن إرادتي

ومن يرد ثواب الآخرة فأعماله مدخولة فيكون ثوابه بحسب صفة عمله فسأحجبه عنّي بما طلبه من الثواب

لذا قال في آخر الآيات : ( وسنجزي الشاكرين )أي الذين عبدوني في مقام الشكر وهم الذين يريدون وجهي ولا يريدون غيري إلا بالتبعية لما تعطيه حقائقي في مراتب النسب التي قالت فيها الملائكة ( إنك أنت العليم الحكيم )
فمن توجّه إلى الله تعالى بغير الشرطين الذين ذكرتهما فهو مدخول عليه في طريق الأحوال والمقامات فإلتبس عليه الأمر وإنعكست لديه الحقائق ولا يخرجه من هذا إلا تصحيح النيّة والدخول تحت نظر وتربية شيخ واصل أو أخ ناصح وإلا خيف عليه من المكر الإلهي والإستدراج

أمّا قولك سيدي فارس : فهل لهذا الشخص من شعور وقت الإستدراج وإحساس بأنه مكر به ؟

قلت : لو كان له شعور وإحساس لما سمّي في حقّه إستدراج ومكر فإن من علوم المكر والإستدراج أنّ الشخص متى أستدرج حجب عن هذا الإحساس والشعور به

قال تعالى : ( فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون، وأملي لهم إن كيدي متين )فأنظر إلى متانة الكيد فجعل هذا مع إنتفاء علمهم به لأنّ الكيد خفيّ جدّا حتى الشعور والإحساس الرقيق الذي هو رادار قلب العبد لا يمكنه الإحساس بذلك ( نُسَارِعُ لَهُمْ فِى الْخَيْرَتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ )فنفى الشعور عنهم الذي هو رادار القلب وليس هناك رادارا غير شعور القلب ( إني أراكم من خلفي كما أراكم من أمامي )كما قال صلى الله عليه وسلّم فما بالك بنظر الله فينا وقد قال سيدي محي الدين بن عربي في عقيدته ( ويرى الماء في الماء , والسواد في الظلماء )
ثمّ إنّ متانة الكيد لا طاقة لمخلوق بفهمها ولو لا خوف الملل والسآمة لأبحرنا مع وارد الحقائق في ذلك

ثمّ إنّ الفطنة والذكاء وما كان من دائرة قوّة العقل والقلب والروح فهي مقاييس فيما بين الخلق
أمّا الله تعالى فحاشا وكلاّ ( عَالِمِ الغيب لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ )

قال تعالى في الأعمال المستدرجة ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ألا إنّهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون )فكانت مشاهدهم معكوسة وهذا الإستدراج في العمل

وفي الأحوال المستدرجة ( وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحبّاؤه ) فذكر أحوالهم المعكوسة المستدرجة وعلى هذا قس

فكلّما تفطّن مثل هذا الشخص من الإستدراج وجعله في ذهنه كلّما تلوّن له المكر الإلهي والكيد المتين ( سنستدرجهم من حيث لا يعلمون )فيترقّى معهم وينزل المكر والإستدراج فهم في دائرته لا يخرجون عنها إلا متى تابوا فتاب الله عليهم

ثمّ إن علوم المكر هي العلوم التي هزمت إبليس وما كانت له على بال فهو قائم الآن في دائرة المكر فلا خروج له عنها البتّة فأكبر ممكور به على وجه البسيطة هو إبليس لذا يخاف الأنبياء والمرسلون والملائكة المقرّبون رغم عصمتهم جميعا من مكر الله لأنّه : ( فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ )


فارس النور
عضو نشيط
مشاركات: 70
اشترك في: 15 مايو 2017 12:57
آخر نشاط: 18 يونيو 2019 16:59
مكان: دمشق
العمر: 37
اتصال:

29 نوفمبر 2017 07:56



السؤال السابع عشر :

ذكرتم سيدي فيما سبق ( القاعد في الطريق المستقيم فكلّ مارّ منه لا بدّ أن يكون له نيّة الإخلاص لله وإلا إستزلّه الشيطان ) هذه قاعدة خطيرة جدا والسؤال هو :
كيف يكون الفقير مخلصا وقد اجتمعت عليه نفسه والشيطان والهوى وحب الدنيا , فما يجلب للعبد الاخلاص وماذا يفعل ان كان يشكو قلة الاخلاص اصلا ؟


الجواب واالله اعلم :


سيدي الفاضل : إكتساب الفضائل وإجتناب الرذائل يتحقّق بالتربية والتزكية فإنّ الله تعالى ما ترك عباده من غير رعايته لهم بل تعاهدهم ولا يزال يتعاهدهم : تعاهدهم بقوله : (أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)
فأعطاهم العقل وأمدّهم بالحواس الظاهرة والباطنة ثمّ أكرمهم ببعثة الأنبياء والرسل وبتنزيل الكتب ( خلق الإنسان علّمه البيان ) ( إقرأ وربّك الأكرم الذي علّم الإنسان ما لم يعلم )
قال تعالى ( ولقد آتاكم من كلّ ما سألتموه )أي قبل السؤال وحين السؤال وبعد السؤال فلم يترك عباده هملا ( أيحسب الإنسان أن يترك سدى ) في المعنيين ( الظاهر والباطن )

فالله تعالى إنّما سلّط الشيطان على بني آدم ليوحشهم إليه كما ذكر هذا في الحكمة سيدي بن عطاء الله السكندري رضي الله عنه أي لتفرّ منه وتحتمي بعالم النور فالسير لا يتحقّق إلا بمنازلة جنود النور لجنود الظلام وكذلك النفس فما سلّطها على الإنسان إلا ليفنى عنها في حضرة الرحمان فيفرّ منه ( ففرّوا إلى الله ) قال في الحكمة : ( لو لا ميادين النفوس ما تحقّق سير السائرين ) وسلّط على العبد محبّة الدنيا ليفرّ منها إلى الآخرة فيتحقّق سيره ( نعمت الدنيا مطيّة المؤمن ...) كما ورد في الحديث أمّا تسليط الهوى فليعلّمك كيف تفطم نفسك عنه في جميع المراتب وحتى ولو كنت عارفا بالله تعالى فلا تميل إلى مقامات ولا أحوال ولا علوم ولا معارف ولا حكم ولا رئاسة ولا لأيّة خصوصية ظاهرة أو باطنة هذا المقام الأعلى أمّا المقام الأدنى فلا تميلوا كلّ الميل ولا بدّ مع هذا من العدل ذلك المقام الذي هو لا يكون إلا عند مشائخ التصريف فمشائخ التصريف هم أهل العدل والإحسان

فما سلّط الله على الإنسان الشيطان والدنيا والنفس والهوى إلا ليسري إليه ويفرّ منها إليه وهذه هي حكمتها

وهذا يعطينا مشهد الحكمة على إطلاقه :فالحكمة الألهية مراتب للوصول إليه , أمّا مشهد العلم للقيام بحقّ الأدب بين يديه , والعلم والحكمة أخوان شقيقان وصديقان حميمان

فالإخلاص سيدي :هو التوحيد بمفهومه التام لذا سمّيت سورة ( قل هو الله احد )بسورة الإخلاص

أمّا ضدّ الإخلاص :فهو الشرك , فالكون وما حواه متى نظر إليه بقلبه ميلا أو إعتقادا أو محبّة ففيه شبهة الشرك بالله تعالى .

والميل أقصد به أي ميلا مستقلاّ عن الميل إليه بالله تعالى وهذا لا يكون إلا في مقام البقاء حقيقة فنحن نميل إلى أهل الله تعالى ميلا لأنّهم أحباب الله فما ميلنا لهم لنفوسنا وإنما لله تعالى فمن مال إلى الكون بنفسه علويا أو سفليا ففيه بقية من الشرك

لذا جعل علم السلوك والتزكية لنبذ هذا الخيال الذي سنتكلّم عنه في محلّه (وأن عالم الخيال هو هذا الوجود بأسره بنظر النفس )فمتى نظرت النفس إلى هذا الوجود فنظرها باطل فوقعت في عالم الخيال وعالم الخيال هو عالم الباطل .فافهم. أمّا نظر الروح إلى هذا الوجود فهو نظر حقّ لأنّ الروح لا يشاهد إلا الحقّ ( ونفخت فيه من روحي )يعني إشارة

فبالتسليك والتزكية والترقية من مقام إلى مقام يترقّى الإخلاص شيئا فشيئا ويتربّى شيئا فشيئا

والإخلاص سيدي : هو أصل جميع المقامات فلا يصحّ مقام من المقامات أو حال من الأحوال إلا به فتتربّى جميع المقامات بمدد الإخلاص لذا دلّك على هذه الحقيقة لتنال كلّ شيء بأسرع وقت ( وأعبدوا الله مخلصين له الدين )

لذا شمّر الشيوخ رضي الله عنهم سواعدهم في تربية هذا الإخلاص الذي هو سرّ الوجود ومفتاح الشهود فكانت المعركة فيه حامية الوطيس بينهم وبين الشيطان وزوجته النفس لتعرف قوله عليه الصلاة والسلام ( عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر )ويقول قائلهم : ( هل للصوفية جهاد )وأقول : ( وهل هناك غيرهم في ساحات الجهاد )فإنّهم يقاتلون أئمّة الكفر وهل هناك إماما في الكفر مثل إبليس ونفس الإنسان

فطريق الفقير أو أقول المؤمن من حيث أنّه مؤمن إلى الإخلاص هو طريق التزكية والتربية وقد أشار القرآن إلى هذا في قوله تعالى : ( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ )

فهذه الآية تشمل درجات الإخلاص الثلاث : الإخلاص في مقام الإسلام , والإخلاص في مقام الإيمان , والإخلاص في مقام الإحسان
فليس إخلاص العامّة كإخلاص الخاصّة وليس إخلاص الخاصّة كإخلاص خاصّة الخاصّة فكيف بإخلاص رسول الله صلى الله عليه وسلّم ( والإخلاص هو التوحيد )

فالإخلاص يرتقي بحسب مقام الفقير في التوحيد فكلّما حزت مقاما في الإخلاص ناداك المقام الذي بعده فحكمت على نفسك بالشرك في المقام الذي كنت فيه وهكذا إلى أن يقع لك التبرّي من إخلاصك وتتلوا قوله تعالى ( إلا عبادك منهم المخلصين )بفتح اللام

والتبرّي من الإخلاص هو التبرّي من شرك وجودك معه وكلّ المقامات سيدي تصبّ في هذه الحقيقة ولكن لا يتفطّن إليها إلا قليلا من العباد

وبالنسبة للسالك يقع في جملة من الإختبارات في مقام الإسلام والإيمان والإحسان ليمتحن في إخلاصه أي في توحيده الحقّ وتوجّهه الصدق
والإخلاص هو التبرّي من الحول والقوّة فلا تنسب لك شيء ولا تطمع في شيء إلا شيئا أباحه الله لك وما أباح لك في الطمع إلا غفران الذنوب , وغفران الذنوب هو الفناء ( ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر )فتعود وترجع إلى الكنزية

كما قال شيخنا إسماعيل في قصيد له رضي الله عنه :

أبغي ثباتي في شهود بحر الذات *** أغنم أوقاتي رجوعي إلى الكنزية

لذا قال تعالى ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ثمّ إستغفر لذنبك ) أي متى علمت هذا التوحيد إستغفرت من دعواك الوجود معه فتنسب لنفسك صفاته القائمة بذاته فأمسيت مدّعيا للألوهية لأنّ الصفات لا تقوم إلا بالذات فمتى نسبتها إليك فكأنّك إدّعيت أنها صفاتك فقلت بالشريك

فبحر الإخلاص أمره عظيم وخطبه جسيم

فالترقي في الإخلاص هو الترقي في التوحيد ومن عدم إخلاصه فقد عدم توحيده ومن تذكّر أن الإخلاص هو التوحيد وأن عكس الإخلاص هو الشرك بكلّ معانيه الظاهرة كعبادة الأصنام كيفما كان هذا الصنم مادي أو أدبي وبكلّ معانيه الباطنة وهو رؤية النفس وعبادتها كالرياء وغيره فافهم

فالمقامات سيدي هي مقامات إخلاصية بمعنى أنّ كلّ منقبة لا ترى فضلها ولا نورها إلا بمدد الإخلاص ومدد الإخلاص يأتي من قادوس التوحيد والتوحيد يرتقي بحسب فهمك عنه في أسمائه وصفاته أي في أكوانه الظاهرة والباطنة فما خلق الكون إلا لتوحّده فيه فإنّك لا تقدر على مشاهدته من غير حجاب الصفات فخلق لك كلّ شيء لتعرفه فيه فكلّ ما سواه يدلّ عليه وأنت تعرف بأن النفس والهوى والشيطان والدنيا إنما هي أشياء سلّطها عليك ليوحشك بها إليه فتفرّ إليه منها وهذه الأربعة هي الأصول القائم عليها عالم الخيال بأسره فما سلّطها عليك إلا ليدلّك بها على عالم الحقّ بأسره ( ما خلقت هذا باطلا )وبما أنّ الكون بأسره خلقه بالحقّ والشيطان من جملة هذا الخلق والنفس كذلك فافرح لأنّه ما خلق لك الكون إلا بالحقّ ليدلّك على الحقّ
حتى الذنب لولاه لما عرفت الطاعة وربّ ذنب أدخل صاحبة الجنّة كما ورد في الحديث

فهذه كلّها هي الإختبارات والمراحل التي أوجب عليك سلوكها لتعلم ثمن المهر الذي ستدفعه وغلاءه كيف لا وأنت تريد الوصول إلى حضرة ملك الملوك الأوّل بلا بداية والآخر بلا نهاية
فالإخلاص من نفس معدن نيّتك والنيّة لها طريق واحد ووجهة واحدة ( فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله )الحقيقة الإلهية والحقيقة المحمدية فلا تصحّ الثانية بغير الأولى وهذا مقام البقاء بالله تعالى فلا نقول البقاء بمحمّد فافهم

ثمّ إن الأدوية التي عند الورّاث المحمّديين هي العلاج لجلب الإخلاص وبعدها يتغيّر العلاج بحسب المقام

والعارفون يتنافسون في هذا أيّهم أقرب وليس هناك وسيلة إلى الله تعالى أقرب من وسيلة الإخلاص

فهذه نقاط متبعثرة تفي بالمقصود إن شاء الله تعالى لمن تدبّر وفهم

وأزيدك هذه الخلاصة من شرحي على الحكم :


- الأعمال في ظاهرها قائمة صورها برسم العلم , وقيام نوره بوجود سرّ الإخلاص في باطنها

- إنّما أمرك بالإخلاص لأنّه جوادك في السير إليه , ومتى كوشفت بسرّه أزال لك الحجاب بين يديه

- أراد منك الإخلاص في أعمالك كلّها , ليقطع نظرك عن ملاحظة الأكوان , ويغيبك في سرّه في مقام العيان

- أمرك بالإخلاص ليديم عليك مراقبته , وبوجود سرّه آنسك في مشاهدته , سرّ الإخلاص( أن تعبد الله كأنّك تراه ) والإخلاص ( فإن لم تكن تراه فإنّه يراك )

- تحقّقك بالإخلاص سلوك منك في أنوار صفاته , وتحقّقك بسرّه عروج منك الى حضرة ذاته

- قيام العارف بالأعمال في رسم العلم بقاء , ووجود سرّ إخلاصه فيها فناء , فكلّما تحقّق سرّ إخلاصك في فنائك , أرجعك في حلية العلم به الى عالم بقائك

- ما أمرك بالإخلاص في أعمالك إلا ليسري نور توحيده فيها , فلا تدلّك إلا عليه , ولا ترتضي لك مقاما غير الوقوف بين يديه ( إنّما يتقبّل الله من المحسنين )

- متى رزقك سرّ الإخلاص أسرع بك عملك إليه , ومتى منعك كبا بك جواده

- متى شهدت إخلاصك بأنه منك صدر صارت نسبة الأعمال إليك , فأنخسف قمر توحيدك , وظهرت دعاوي تجريدك

- متى خلا عملك من وجود سرّ الإخلاص فيه صار إعتمادك عليه , فأوجبت عليه حقوقا , وهو لا يجب عليه شيء

- لولا حصول فضله بوجود سرّ الإخلاص لما وصل سالك إليه , ولا تحقق عارف بمعرفته بين يديه

- الإخلاص متى نسبته إليك كان من جملة أعمالك فلا يدلّك فيها إلا على الحظوظ , ومتى نسبته إليه كانت أعمالك من جملته فلا يدلّك فيها إلا على مقام الشهود

-لا يتحقّق بمعاني الإخلاص إلا من صحّح الفقر إليه , ولا يشرق سرّه إلا لمن إعترف بالعجز بين يديه , ( إيّاك نعبد )فقر إليه ( وإيّاك نستعين )عجز بين يديه

- شهودك لإخلاصك من غير عمل , دعوى لظهوره في غير محلّ , فكثر عنادك , وظهر إلحادك

- إنّما جعل لك الأعمال ظاهرة في رسوم العلم , و جعل باطنها في أنوار الفهم , كي لا تخرج عن وصف عبوديتك , وتتجاوز أحكام هويّتك

- متى أجاز لك الرخصة في الأعمال فمن حيث ظاهر بشريتك , لا من حيث باطن حقيقتك , فالعزائم لا تنفكّ عنك في أعمالك القلبية , وشؤونك الغيبية ( السابقون السابقون أؤلائك المقرّبون )

- الأعمال لا تفارقها النيّة لذا جعلها محلاّ لوجود الإخلاص , كي يرافقك وجوده في جميع أعمالك , فلا تسير بك إلا إليه , ولا تزيغ بك دون الوقوف بين يديه

- إخلاص العارف قطع نظره عن جملة الأكوان , والغيبة بسرّه عن نفسه في مقام الإحسان

- السالك متى رجع الى شهود إخلاصه عوقب بوجود طلب الأعواض , ونودي عليه بلسان البعاد ( فنادى في الظلمات سبحانك لا إله إلا أنت إني كنت من الظالمين )

- أعلمك بتخليصه لك على لسان محلّ الغواية , كي يدلّك على نسبة إخلاصك إليه , فتبرأ منه بين يديه , وإلا فمتى أوكله إليك , حلّت فتن الغواية عليك ( لأغوينّهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين )

- ( قل إعملوا فسيرى الله عملكم ) من حيث وجود سرّ الإخلاص فيه ( ورسوله )من حيث نور العلم بالإتّباع فيه ( والمؤمنون ) من حيث الدلالة عليه , والوقوف بهم بين يديه

- ما تحقّق دالّ عليه وموصل إليه بسرّ الإخلاص إلا ونادت حقيقته ( ما أسألكم عليه من أجر ) من كثرة تحقّقه في مراقي أنوار صفاته , وشهود منّته بزوال حجاب ذاته

فارس النور
عضو نشيط
مشاركات: 70
اشترك في: 15 مايو 2017 12:57
آخر نشاط: 18 يونيو 2019 16:59
مكان: دمشق
العمر: 37
اتصال:

01 ديسمبر 2017 00:09


السؤال الثامن عشر :

ذكرتم سيدي الحبيب فيما سبق ( فالشيطان يستعمل الأرواح السفلية الشيطانية في قضاء أغراضه والأولياء يستعملون الأرواح النورانية العلوية في قضاء حاجاتهم وهذا العلم عند الأولياء يسمّى علم الحروف ) والسؤال :
ما هي الأرواح السفلية و ما هي الأرواح العلوية ؟ وما المقصود بكلمة الروحانيات التي نسمعها دائما وخصوصا حين يقال شخص روحاني ؟


الجواب والله ورسوله أعلم :

طبعا فإنّ لكلّ عدوّ من الشياطين أعوان من جنسه , وجنس الشياطين هو الأرواح السفلية الكافرة , والتي تكون روحانيتها نارية من نفس جنس تركيبة الشيطان وهذه الصورة النارية إنّما إنفعلت في صورتها بحسب الأمراض المعنوية المنطبعة بحقيقة صاحبها فإنّ لكلّ جنس أعوان وجنود فنقول في الأرواح السفلية جنود إبليس وهذا ما يتعلّق بعلم السحر والطلسمات قال عليه الصلاة والسلام : ( من سحر فقد كفر )والساحر كافر بدليل القرآن والسنّة وحكمه في الشريعة القتل لتخليص الناس من شرّه وفي هذا تقع المعونة بين الإنس والجنّ فيستخدم بعضهم بعضا قال تعالى : ( وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلّمون الناس السحر )فانظر قوله يعلّمون النّاس أي الإنس يتعلّمون من الشياطين السحر فلا يكون هذا التعليم إلا بالتتلمذ له فيكون شيخ تعليمهم في ذلك وهذا لا يكون من غير ملاقاة ومشافهة وهو الأغلب وهذه الملاقاة لا يمكن للإنسان الوصول إليها إلا عند جاهزيته لذلك فيكون الشيطان متلبّسا بالإنسان فيستخدم أعوانه من الشياطين في تنفيذ الأوامر لهذا الساحر فينفث سمومه النارية بعلومه الإبليسية بمدد أمراضه النفسية وتفصيل هذا في الكتب الصفراء التي يحرّم بيعها ويقتل مستعملها وقد توعّد الله تعالى من فعل ذلك بالخسران المبين في الدنيا والآخرة وهذه الأمور لا يجوز قطعا الخوض فيها فإنّها مهلكة وتستهوي طوائف من الناس لغلبة الأمراض النفسية عليهم كالحسد والحقد والعين , فإذا أردت أن تعرف ما معنى إبليس فإرجع إلى قول الله تعالى فيه ( إن إبليس كان من الجنّ ففسق عن أمر ربّه )ولو لا أنّه أخبرنا أنّه من الجنّ لما عرفنا حقيقته فالمعركة فيما بين آدم وذريّته وبين إبليس وذرّيته وهو وذريته من الجنّ , فالجنّ له خوارق وقدرات تخرج عن طور الجسمانية المادية من حيث القوّة والسرعة والخفاء والسريان والدهاء والمكر والتلبيس لذا ورد في الآيات بأنّ بعض الناس يعبدون الجنّ لما رأوا منهم من الخوارق والتلبيسات التي لم يهتدوا إليها
وهذه الأرواح السفلية لها علوم هي علوم السحر وهذه العلوم تنفّذ بسريان كبير متى كانت همّة تلك الروح بلغت درجة عالية من الدناءة فمثلا الحسود متى أعجبه شيئا منك وحسدك عليه فتمنّى زواله نظر إليك نظرته الشيطانية فينفث الشيطان سموم نارة في الوقت فتخترق تلك النار قوّة العالم المادي فينفعل له بالفواجع والمصائب لذا حذر رسول الله صلى اله عليه وسلّم من ذلك وقال : لما يقتل أحدكم أخاه وقد ورد في الخبر : لو كان شيئا سابق القدر لكانت العين أي عين الحسود لأنّ للنفس قوى خفيّة ناجمة عن أمراضها والمرض ناجم عن قلّة التوحيد ومعرفة ما عليه الخالق من صفات سنيّة كالكرم والجود والفضل والعطاء والشيطان يعرف كلّ ذلك في النفس فيقوم بتغذيته لذا فلا يختار إلا جنوده وأعوانه لذا من دخل هذا الطريق ومعدنه غير جيّد صديد في صديد فإنّ مآله إلى السحر وإستخدام الأرواح الشيطانية السفلية وقد سحرت تلك اليهودية رسول الله صلى الله عليه وسلّم

فكلّ هذا وغيره ليس من طريق الله في شيء بل هو الكفر الصريح البواح الذي لا تأويل فيه وقد وقع جملة من الدواهي في بعض المتمصوفين ودخلوا مع الشياطين اليد في اليد فأصبحوا يبحثون عن الكنوز والمال بحجج واهية سيسألهم عنها الله تعالى يوم القيامة وما وجدت شيئا يفسد على المريدين سلوكهم وسيرهم لمحبّة ربّهم والجلوس في مجالس التقوى إلا محبّة الدنيا والمال والجاه والحكم والإستعلاء والكبرياء ثمّ إنّ الجهل والظلم في الجنّ كثير والتعصّب أشهر فيهم من نار على علم قال شيخنا إسماعيل فيمن سمع عنه أنّه يخالط الجنّ ويعتقد في علاجهم ( الله يعطيه جنّ يخبطه )ومرّة قال لي فقير من فقراء بعض المشائخ ( قال لي جنّ في أذني بأنّ شيخنا قطب الوجود )

ومرّة أخرى كنت أقيم درسا دينيا في أحد المساجد وكان هناك شيخ كبيرا مجانب لحلقتنا يسمع ما يقوله المجتمعون وبعد الدرس قال لي : يا فلان أنت تتكلّم عن الدين وعن العلم فأنا ممّن تحدّثه الملائكة ) فسكتّ وما رددت عليه إلا بالحسنى وفي اليوم التالي كنّا في نفس الحلقة وقد إستهواه كلام الإخوة لأنّه كلام في ترقيق القلوب الجامدة فإقترحت أن يكون الدرس بخصوص عالم الشياطين وفعلها بالإنسان فوافق الجماعة إسعافا منهم ثمّ بدأ الكلام وهذا الشيخ يسمع بإنتباه شديد وكان مجانبا لحلقتنا كعادته بإعتبار أنّ الملائكة تحدّثه في أذنه وتبشّره بمقامات هائلة وبعد الدرس جاء هذا الشيخ فهمس في أذني من دون الجماعة : ( يا هذا الذي يحدّثني هو جنّ وليس بملائكة فقد أقنعني كلامك بعد هذا الإيضاح )فما قلت له إلا خيرا وبعد مدّة أصبح يرتاد مجلسنا كأحدنا وكان كلّ مرّة يتحرّك بحركة غريبة فعرفنا كلّنا أنّه ممسوس من الشيطان وبدأ الشيطان يظهر نفسه , وبالخلاصة أخذناه بعد مدّة إلى شيخ له خبرة ودراية فقرأ عليه الرقية الشرعية فوجدناه ملبوسا بجنّ يهودي إسمه دافيد مع خمسة من أعوانه ثمّ صار ما صار فيما بينه وبين ذلك الشيخ فقد أتعبوه كثيرا لوجود سحر قديم عسر علاجه على الشيخ كثرا

وإنّما أردت الإشارة بهذه القصّة أنّ السحر داهية من الدواهي وأقرب الناس لفهم علوم السحر هم الذين يذكرون الله تعالى ويختلون في ذلك للإتّصال بعالم الجنّ والشياطين

فهذه أوراق أقصد منها تبغيض هذا العالم الظلماني لأنفسنا وهذا العلم الذي أصبح الناس الآن يفتخرون به وأصبحت هناك مدارس يسمونها مدارس الروحانيات كالأبراج وعلم الغيب والإستقصاء بالأزلام وقد أوصد هذا الباب وأغلقه النبي صلى الله عليه وسلّم بقوله ( كذب المنجمون ولو صدقوا )وقوله الخطير ( من أتى عرّافا أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد )فلا تقبل له صلاة ولا عبادة وإعلموا بأنّه ليس كلّ ما يقوله الوهابيون خطأ بل والله فيه الكثير من الصواب من حيث هذه الناحية أي ناحية السحر والجنّ والكتب الصفراء وما يتبع ذلك وقد تفشّى هذا الأمر كثيرا في الأفارقة السود وكذلك في بعض المغاربة وكلّ بلد فيها هذا إلا من رحم الله تعالى وحبّ الدنيا يفعل العجائب والغرائب والداهية العظمى أنّه هناك من الرؤساء وأصحاب الرتب العلمية من يعتقدون هذا وقد ذهب الرئيس الفرنسي جاك شيراك وكذلك خليفته ساركوزي إلى مدينة توزر في الجنوب الغربي التونسي عند عرّافة مشهورة عند الرؤساء يلتمسون بركاتها كي تعاونهم على بلوغ مقاصدهم

هذا بإختصار وهناك من أهل العلم في هذا الشأن من لهم دراية أكثر منّي بكثير في ذلك كسلاطين الجنّ من الإنس ومن دار في فلكهم ممّن إتّبع عالم الروحانيات

فالعالم الروحاني هو هذا العالم وفيه الروح المسلمة وهي لا تسمّى أرواح سفلية وهم الجنّ المؤمن وفيه الروح الخبيثة وهم الجنّ الكافر ( الشياطين )كالجنّ اليهودي الذين هم أئمّة هذا الكفر وما تراه في إسرائيل من هذا الكفر شيء كبير وقد حضر إبليس مع جنوده في معركة بدر الكبرى فإستعان الكفّار بالأرواح السفلية ثم إن الله تعالى أمدّ المؤمنين بالملائكة فكان النصر حليفهم فكلّ له أعوانه

والعالم الروحاني ليس هو العالم الربّاني فبينهما فرق كبير وقد يخطىء البعض في التفريق بينهما

فالصوفية عالمهم ربّاني وهذا هو الدين والشريعة والتحقيق


أمّا العالم الروحاني فهو عوالم الأرواح اللطيفة من الجنّ

وهنا يقع تلبيس كبير عند عامّة الناس فلا يفرّقون بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمان

هذا ما كتبه القلم فأرجو أن أكون وفّقت في ذلك بقدر الإمكان في هذا الجانب

أمّا العالم العلوي :


فإسمه يدلّ على مسمّاه وهي كلّ روح مؤمنة بالله تعالى مستقيمة لا تفعل الحرام بشكل من الأشكال بل تحاربه وتكون عدّوه

ثمّ إنّ المؤمنين متى أرادوا أن يستعينوا في قضاء حوائجهم بجند النور فإنّهم يتوجّهون إلى الله تعالى في قضاء حوائجهم العامّة والخاصّة فيمدّه سبحانه بجنود لم يروها ( وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) فقد يغيثك بلا سبب تراه أو تشعر به (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ)لأنّ الله تعالى أمره بين الكاف والنّون , وقد يمدّك بسبب من الأسباب فإن جند الله يصرفهم في خدمة المؤمنين كما صرف الخضر في خدمة المساكين والأيتام والعجّز بأمر الله تعالى وبقوّته سبحانه وكذلك فقد أعطى سبحانه للمخلصين من عباده أسرارا وأنوارا يصرفونها متى شاء الله تعالى في أوجه الخير لأمره إياهم بفعل الخير ظاهرا وباطنا ( وافعلوا الخير لعلكم تفلحون )وهم يختلفون في هذا على قدر تحقّق عجزهم لأنّه من تحقّق بالعجز ظاهرا وباطنا أمدّه الله بقوّته وكلّ هذا يدخل في ما أكرمهم به من كرامات كصاحب سليمان الذي أتى بعرش بلقيس في طرفة العين لأنّ الله تعالى أمدّه بأسرار قوّته سبحانه والمؤمن القويّ خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف ظاهرا وباطنا كطالوت الملك ( وزاده بسطة في العلم والجسم )من حضرة المزيد( وعندنا مزيد )ومن هنا تصرّف الأولياء بقوّة الله تعالى لدفع الشرّ : ‏قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم : (‏ ‏إن عفريتا من الجن جعل ‏ ‏يفتك ‏ ‏علي ... ‏ ‏فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا تنظرون إليه )فهذه قوّة خارقة وإلا من يحسن أن يربط عفريتا من الجنّ والله تعالى يقول في قوّة الجنّ : ( وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً )أنظر قوله كأنّها جان ومقدرة العفاريت بلغت مبلغا لا يستهان به قال تعالى ( قال عفريت من الجن انا اتيك به قبل ان تقوم من مقامك واني عليه لقوي امين )فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن يربط ذلك العفريت من الجنّ ويظهره بصورته حتى يراه الناس فهذا وغيره من قوّة الله تعالى التي جعلها لكلّ من يطيعه خالصا مخلصا وقد قال عليه الصلاة والسلام في هذا الفضل الإلهي ذاكرا الدجّال وفتنته :
( إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم ) لأنّها سنحتمي برسول الله لذا قال : ( فأنا حجيجه دونكم )فيتولّى بنفسه صلى الله عليه وسلّم مبارزته فما ذكر عيسى عليه السلام هنا ولا المهدي لتعلم من هو رسول الله صلى الله عليه وسلّم
فهذه القوّة الربانية ليست مكتسبة بل هي موهوبة من عند الله لعباده المخلصين الذين قال فيهم ( يريدون وجهه )فتحقّقوا بحقائق التوحيد فكانت قوّتهم بالله تعالى ( وما رميت إذ رميت ولكنّ الله رمى )وقوله تعالى في الحديث القدسي : ( ...وكنت يده التي يبطش بها والبطش هو التصرّف )لذا قال ولئن سألني لأعطينّه بالتوكيدين اللام والنون ولإن إستعاذني لأعيذنّه بنفس الحقيقة والجملة لتعلم حفظ الله تعالى لعباده الصالحين قال شيخنا سيدي فتحي السلامي القيرواني رضي الله عنه :لمّا آذنني شيخي بالتسليك والإرشاد دعا لي بدعوات منها : ( حفظك الله بما حفظ به عباده الصالحين )وكما قيل المأذون مأمون ( ومن يتّق الله يجعل له مخرجا )قال تعالى في قتال المؤمنين للكفار وأعوانهم من العالم السفلي : (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ )فالقوّة التي هي العذاب من الله وما العبد إلا آلة عاجزة يعطيها الله تعالى من قوّته ( إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ )

فليس للعبد في الحقيقة والشريعة قوّة مستقلّة عن قوّة الله فكلّ من نسب النفع والضرّ لغير الله إستقلالا فهو مشرك شركا أكبر مخرجا من الملّة وغاية الأمر أنّ الله تعالى قد يرزق بعض عباده في بعض الأوقات بعض الكرامات وليس في كلّ الأوقات وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلّم في بعض الأحيان يشبع صحابته كلّهم من صاع شعير وفي بعض الأحيان يشدّ بطنه من الجوع لأنّ الأمر في كلّ ذلك إلى الله تعالى فكلّ من يدّعي المقدرة والنفع والضرّ فأحذره فهو شيطان لأنّ الذي يدّعي المقدرة هي الأرواح السفلية أي الشيطان لذاك قال ( لأغوينّهم أجمعين )وكأنّه الفاعل المختار وقال : (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين )فنسب إلى نفسه الإتيان والقوّة والفعل والغواية والضلالة فهذه أقوال من هم على قدم إبليس فهذا الذي يتألّى على الله تعالى فيوهم الخلق بأنّه يفعل ويستطيع والله تعالى يقول : ( يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان ) فقال الجنّ والإنس بأل التعريف إستغراقا للجنس فيدخل كلّ أحد من العباد ولو كانوا أنبياءا ورسلا فالعبد الصادق لا يدّعي نفعا ولا ضرّا قطعا وهو جازم في ذلك بعقيدة راسخة لا تتبدّل ولا تتحوّل وإلا سلب وطرد ولعن فإدعى مثل إبليس ما لا يجوز له وما العبد إلا عبد ضعيف فقير لا يقدر على شيء إلا بإذن الله متى شاء وأراد فلم يبق سبيل أمام الخلق بإسرهم غير الدعاء الذي هو مخّ العبادة وقد قال : ( أدعوني أستجب لكم )فما ترك لك حجّة غير حجّة الدعاء فهذا الأصل وهذا لا ينفي التوسّل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته وبدعاء الصالح من نبيّ ووليّ وبجاههم وأسرارهم ومحابهم لله تعالى فهذا لا ينافي الدعاء بل هو وسيلة للإسراع في الإستجابة لا على ما يقوله الوهابيون في ذلك فإن التفصيل عندههم معدوم وترتيب المراتب مفقود وليس لهم حظّ في علوم الحقيقة .

فعلوم القوم إنّما منحت لهم لتقرّبهم من الله تعالى ( وإتقوا الله ويعلّمكم الله )ومن جملة العلوم علوم أسرار أسماء الله تعالى فهذا علم نوراني وهو من أسرار الله تعالى لا يعطاه إلإ أمين ولا يجوز صرفه لغير أمين شهدت العدول بأمانته فمن خالفه سلبه في الوقت كما حكى سيدي عبد العزيز الدبّاغ رضي الله عنه كما في الإبريز عن ذلك الولي الذي سلبه أحد الأولياء ما كان معه من التصريف لمّا تصرّف في سفينة الكفّار فأحرقها وإشتعلت فيها النيران من غير سبب ظاهر , فعوقب في ذلك لأنّه لا يجوز وإلاّ فهذا جبريل قادر على قلب الأرض بأسرها وقتل الكفّار جميعهم في لحظة بما آتاه الله من قوّة لكن تصريفه عليه السلام لا يكون إلا بإذن الله تعالى وكذلك لكلّ من له سرّ مع الله تعالى لأنّ السرّ هو أمانة لا يجوز إظهارها ولا التصرّف فيها إلا بإذن صاحبها لذا ترك جملة هائلة من الأولياء مقام التصريف وقالوا :( تركنا الله تعالى يتصرّف لنا ) وسنكتب إن شاء الله تعالى بسطة في ذكر تفاصيل هذا متى سنحت الفرصة
ثمّ إنّ العبد إنّما أكرمه الله تعالى بتلك الكرامات نتيجة تقواه ومحبّته لله ولرسوله وللمؤمنين ولم ينلها بعلم عنده كما قال قارون ناسبا لنفسه الغنى وحيلة إكتساب المال قال تعالى :
( قال إنما أوتيته على علم عندي )فهذا الفرق بين الأولياء وبين غيرهم

فالوليّ أضعف ما يكون وأعجز ما يكون وأفقر ما يكون إلا أنّهم يلتجئون في هذا متى مسّهم الضرّ إلى الله تعالى ( رب اني قد مسني الضر وانت ارحم الراحمين )
قال تعالى في أهل بدر ( ‏‏إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ )
لأنّ العبد متى أحسّ بعجزه وفقره وضعفه إستلزمه ذلك التوجّه إلى الله تعالى بإخلاص وصدق وتبتّل وتمريغ الوجه في التراب فإن إستجابة الله تعالى أقرب للإنسان من حبل الوريد وهو الفعّال لما يريد : ( فَاسْتَجَابَ لَكُمْ ) --(والله يجيب دعوة الداعي إذا دعان )
فهذا العالم العلوي والأرواح العلوية لا يتسرّب إليه الشرك ولا الحرام ولا الشعوذة ولا البيع والشراء فيه بل هو من أمر الله تعالى وغاية الوليّ أنّك متى أكرمته أو أحببته أكرمك الله واحبّك وقضى حاجتك ببركة ذلك الوليّ لأنّهم القوم لا يشقى بهم جليسهم والله يكرم من يكرم أحبابه ويحبّ من يحبّ أولياءه وقد قال تعالى في الحديث القدسي : ( وجبت محبّتي للمتحابين فيّ والمتجالسين فيّ والمتزاورين فيّ والمتباذلين فيّ ) هذا وإن الله تعالى يحبّ المحسنين ويحبّ من يقضي حاجة أخيه سواء أكانت دنيوية أم معنوية ( والله في عون العبد ما كان العون في عون أخيه )فمن هذا الباب أحكم الأولياء التقوى وفتحوا باب القربى فمن كان له مال واسى إخوانه فأعطى المعدوم وكفل اليتيم وجاد على المسكين , ومن كان له أيّة منحة إلهية أو خصوصيّة أنفق منها فعاون الفقير ونصر الضعيف وأقام العدل حسب الإمكان والقدرة

ثمّ إنّ علوم الأخيار من الخصوصيات لقضاء الحاجات هي منحة ربّانية على خلقه كما فعل الخضر عليه السلام نصرة للحقّ ومعاونة الضعيف فهي من الرحمة الإلهية وهؤلاء القوم هم أهل الرحمة فتشاهد مظاهر الرحمة في حركاتهم وسكناتهم وما نشأ الصوفية إلا رحمة للخلق ( والراحمون يرحمهم الرحمان ) ( إرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء )
( محمد رسول الله والذين معه أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم )ويكفي أنّه عليه الصلاة والسلام قال ( إنما أنا رحمة مهداة )
وقال تعالى ذاكر هذه الحقيقة التامّة ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )
والله أعلم سيدي
وبالله التوفيق

فارس النور
عضو نشيط
مشاركات: 70
اشترك في: 15 مايو 2017 12:57
آخر نشاط: 18 يونيو 2019 16:59
مكان: دمشق
العمر: 37
اتصال:

01 ديسمبر 2017 00:17



السؤال التاسع عشر :

قلتم سيدي الفاضل ( قال لي شيخنا : لا بدّ لمؤوّل الرؤيا أن يكون عالما بعلوم وهي 11 علما ) والسؤال هو :
ما هي هذه العلوم المطلوب توافرها في مؤول الرؤى حتى يكون مفسرا بحق ويأخذ بكلامه ؟


الجواب والله اعلم :

إعلم أخي علّمني الله وإيّاك من علمه المخزون , وأفاض علينا جميعا من مشارب سرّه المصون :

أنّ الرؤيا المنامية كما ورد في الحديث الشريف بأنّها وحي المؤمن وبأنّها من المبشّرات التي هي من أجزاء النبوّة وبأنّ منها الصالح وهي الرؤية الصالحة التي تكون من الله تعالى ومنها الحلم أو أضغاث أحلام الذي هو من الشيطان وقد ورد في الحديث بأن الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان

والرؤية من حيث أنّها وحي منام فهي تنقسم إلى قسمين : قسم خاص بالأنبياء والرسل وهو ما يقرّر أمرا أو نهيا أي أنّه يقرّر حكما شرعيا فلا سبيل لغير الأنبياء والرسل إلى هذا النوع من الوحي المنامي وهذا العلم خاصّ بالأنبياء والرسل كما أقرّ صلى الله عليه وسلّم الآذان عن طريق رؤيا رآها أحد الصحابة فلولا رسول الله صلى الله عليه وسلّم لما أحسن أحد من الصحابة تقريرها لأنّ الشرع شرعه عليه الصلاة والسلام فهو المبعوث به وهو الذي يقرّره صلى الله عليه وسلّم بوحي من الله تعالى كما قال في الحجّ لما سأله ذلك الصحابي ( أكلّ عام ) قال عليه الصلاة والسلام : ( لو قلت نعم لوجب )لأنّ كلامه وحي يوحى وكذلك في قصّة تخفيف الصلاة فرجع إلى ربّه عدّة مرّات لأنّه المسؤول عن تقرير الشريعة فلا أحد غيره يزيد في الشرع ما ليس منه فيقبل منه لذا أوضح هذه المسألة : ( من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد )لذا قلنا بأنّ وحي المنام الخاص بالأنبياء ليس هو على نفس درجة وحي المنام الذي من نصيب المؤمن فبينهما فرق كبير فإنّ المؤمن يشارك الأنبياء في وجه من وجوه هذا النوع من الوحي وليس في كلّ أوجهه , لذا قال عن الرؤية الصالحة وبأنّها (جزء من ستّ وأربعين جزءا من النبوّة )فهي من هذا الوجه جزء من ستّ وأربعين جزء من وحي منام الأنبياء .فافهم . ليفهم الفارق بين الأنبياء وغيرهم لأنّهم أهل العصمة فكلامهم وحي وكذلك منامهم وكذلك إلهاماتهم ( قد جاءكم من الله نور )هذا حتى لا نتجرّأ على مقامات ساداتنا الأنبياء فنحمل رؤيانا على نفس محمل رؤياهم

قال تعالى ( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى )

فهل تظنّ بأنّ أحدا من المؤمنين اليوم لو رأى مثل هذه الرؤيا في المنام فما تراه فاعلا بإبنه ؟ وكذلك ما ترى الإبن فاعلا عند قول أبيه له بأنّه رأى في المنام أنّه يذبحه ؟ فأردت التعريج في بداية الإجابة على السؤال بهذا ليعرف كلّ مؤمن قدر نفسه فلا يسرف في التأويل ( إنّ الله لا يحبّ المسرفين )
ففي هذا الزمان صار خلط كبير في الرؤى وتأويلها حتى أنّ بعض الناس يدّعي المهدية بمجرّد رؤيا رآها في منامه كما حدث مع جهيمان الذي قدم من اليمن وإحتلّ الحرم المكّي في التاريخ الحاضر , وكذلك الكثير ممّن إدّعى المهدية وبأنّه المهدي المرتقب بمجرّد رؤى منامية وخاصّة ما نلحظه اليوم في الوهابية فإنّ أحدهم متى رأى رؤيا فيأخذها بإعتبار أنّه أقرب ما يكون من النبوّة وهو في تلك الحالة وهذا ما لحظناه فيهم من غير مبالغة إلا من رحمه الله منهم فهو على تمييز وهذا قليل فيهم والله أعلم

ثمّ إنّ الرؤى المنامية لها علمها الخاصّ وهو علم تأويل الرؤى وهو علم إختصاصيّ ينال منه المرء على قدر القسمة فيه من الله تعالى وهذا العلم له أقطابه لأنّ لكلّ علم قطب

وقد نال سيّدنا يوسف الحظّ الأوفر من هذا العلم عدا سيّد الأنبياء فهو صاحب العلوم كما قال البوصيري ( لك ذات العلوم * ولآدم منها الأسماء )فقد نال فيه أوفر حظّ ونصيب , قال تعالى : ( وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ )
فأنظر قوله ( ويعلّمك من تأويل الأحاديث )لأنّ الرؤيا المنامية لها علمها الخاص فليس كلّ من هبّ ودبّ يحسن تأويل الرؤى لذا ورد في الخبر ( لا تقصّ رؤياك إلا على عالم )أي عالم بتأويل الرؤى . أمّا ما نراه اليوم من كتب معنونة بإسم تفسير الرؤى أو تفسير الأحلام وغير ذلك فأغلبها موضوع من أجل كسب المال والتجارة ليس إلا لأنّها اليوم أضحت السلعة الرائجة في المسلمين وأنت تعلم من غير مبالغة منّي أنّ أصحاب المكتبات ودور النشر همّهم الأوّل والأخير هو التجارة وجمع المال ولا تجد منهم إلا القليل الذي يخاف الله تعالى ويخشاه فلا يتّخذ هذه الصنعة إلا محبّة في نشر العلم الديني وإفادة المسلمين , والآن لو تلاحظ أسعار الكتب الدينية بلغت من الغلاء مبلغا كبيرا ليس في متناول كلّ الناس قال لي أحد ساداتنا وكان يطبع كتبه في دار من دور النشر ( لقد كسب صاحب الدار من كتبي مبالغ خيالية )ومنهم من يكتب على غلاف الكتاب الأوفاق والمثلّث كي تشترى كتبه وتباع سريعا ومرّة ذهبت إلى مكتبة إسلامية فوجدت المصحف الشريف في الرفوف السفلى مبعثرة وكأنّا ( بطاطس )حاشا كلام الله تعالى وكتابه الكريم ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم

ووالله سيدي ولا أزكّي نفسي فإن محبّة المال والدنيا ذهبت بالمسلمين اليوم مذهبا بعيدا جدّا وهذا رأيناه حتى عند البعض ممّن تنسب إليهم الولاية وإنّما حكيت هذا لما في قلبي من ذلك من النكران الشديد
وقد ورد في كتاب الإبريز لصاحبه عن شيخه بعض الأمور فيما يخصّ الرؤيا من حيث تأويلها وتفسيرها وحضراتها وذكر بعض الأمور التي تتعلّق بذلك وهي مشهورة لمن طالع في الإبريز

هذا سيدي أما عن العلوم التي لا بدّ أن تتوفّر لمؤوّل الرؤيا فقد حكيت عددها تقليدا لما أخبرني به شيخي وإلا فمن أين لي أن أعلم أسماءها بل قد ورد في عدّة تفاسير إجتهادات في هذا الصدد فلتراجع فإنها تفي بالمقصود العام إن شاء الله تعالى هذا ولتعلم سيدي بأنّ حضرات الرؤى أربع :

- رؤيا من الله ( من عالم النور )ويشملها الرؤيا من الملائكة

- رؤيا من الشيطان

رؤيا من الجنّ ( من حيث أنّه جنّ )

- رؤيا من النفس

فهذه حضرات الرؤى بلا زيادة وإن شئت أن تردّها خمس حضرات بإعتبار حضرة الملائكة فلك ذلك

فالرؤية تقع في عالم المثال وعالم المثال هو البرزخ الذي بين الدنيا والآخرة فله وجه إلى عالم النور وله وجه إلى عالم الدنيا فهي من هذا الحيز كالوحي الذي يتوقّع حدوثه أي يتوقّع حدوثه إمّا في عالم الدنيا وإمّا في عالم الآخرة لذا فالوجه الذي يتوقّع أن يقع في عالم الدنيا فلا بدّ لتأويله من علوم منها علم الأمثال بحسب أمثال كلّ بلد أو قبيلة أو جنس من الاجناس فهناك أمثال مشتركة عامة وهناك أمثال خاصّة

ورد في الحديث أن المؤمن متى رأى رؤيا تفزعه فلينفث على شماله ثلاثة مرات ويبدّل جنبه وهيئة رقدته ولا يقصّها على أحد من الناس فإنّها لا تضرّه ( قال بأنها لا تضرّه )فافهم
وإنما أمر بأن لا يقصّها على أحد لأنّها على جناحي طير فإنّها تقع بحسب تأويلها لذا ورد في الخبر أن لا يقصّ رؤياه إلا على عالم بتأويلها مخافة أن تؤوّل على غير وجهها الصحيح فتقع بحسب الوجه الذي أوّلت به لذا فنحن مأمورون بأن نؤوّل الرؤيا دائما على فأل حسن ومحمل جميل حتى لا نضرّ غيرنا بجهلنا من حيث لا نشعر

فالرؤيا من إختصاص عالم الأحياء أي يراها في منامه الإنسان الحي في الحياة الدنيا ولا يمكننا أن نقول يراها الإنسان المنتقل لأنّه في دار الحقّ فكلّ ما يراه هناك حقّ لا وجه للتأويل فيه
وإنّما كان التأويل في حقّ الحي لأنّه له وجه إلى عالم الآخرة في منامه وذلك عند عروج الروح , وله وجه آخر إلى عالم الدنيا بإعتبار أنّه فيها حيّ يرزق وروحه متّصلة مع جسده وتحت نظرها

ثمّ أنّ الروح ترى الأمور هناك في عالم المثال بحسب صفائها فالرؤيا تتلوّن بلون روح صاحبها فعلى قدر صفاء الروح تصفى الرؤيا والمثال في الشاهد كالواردات فعلى قدر صفاء القلب يكون صفاء الوارد وعلى قدر الإستعداد يأتي الإمداد

فكلّما صفيت الروح صفيت الرؤيا حتى يصبح تأويلها يسيرا سهلا بل ربّما تقع كما شوهدت حرفا بحرف وهذا كان حال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم قبل نزول الوحي فما رأى رؤيا إلا كانت كفلق الصبح كما ورد في الحديث

وكان الصحابة رضي الله عنهم يؤوّلون الرؤى بمحضر رسول الله صلى الله عليه وسلّم فمنهم من يخطىء ومنهم من يصيب ومنهم من يخطىء في جزء منها وهكذا ..لأنّ تأويلها علم مستقلّ بحدّ ذاته وقد نال محمد بن سيرين باعا في هذا وكذلك بعض الأولياء وهذا العلم من علوم الأسرار لذا أمر يعقوب عليه السلام إبنه بعدم قصّ رؤياه على إخوته وهو بدوره ما حكى تأويلها ليوسف وإنما أمره بالكتم فقط , أمّا يوسف عليه السلام فرغم أنه أوّل الرؤى في السجن للملك ولصاحبي السجن إلا أنّه كتم تأويل رؤياه وما قال في حقّها شيئا إلا لمّا رأى تحقّقها أمام عينيه فقال ( وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا )فما خاطب إلا أباه وما نسي الرؤيا بل بقيت في باله رغم السنوات الطوال التي حالت بينه وبين تحقّق رؤياه , وفي هذه السورة أي سورة يوسف من الأسرار والعلوم والحكم والفهوم ما لا يكيّف ولا يطاق ( لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ )
وكذلك سيّدنا إبراهيم عليه السلام لمّا قال : ( قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى )
فما قال له ( إن الله أمرني بذبحك )بل قال له ( إني أرى في المنام )

فقال له إبنه ( إفعل ما تؤمر )فما قال له ( إفعل ما أمرك الله به )فأنظر أدب الأنبياء مع الله تعالى وفهمهم للحضرات والمراتب

ثمّ قال له : ( إني أرى في المنام )فذكر له حضرة الرؤيا , لذا قال له ( فأنظر ماذا ترى )أي هل توافقني في تأويلي لها في تلك المنزلة وتلك الحضرة فأجابه بأنّ ما أضمرته من تأويلها هو حقّ وهو نفس تأويلي وكما أوّلتها يا أبت فستقع وكذلك يعضدها تأويلي فهي حتما ستقع كما أوّلناها لذا فداهما الله تعالى : ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ )

وإنّما قال له : ( قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) فما ذكر غير إبراهيم لأنّ إبنه فلذة كبده فهو في الشاهد سيذبح نفسه لذا إنطوى الفرع في الأصل لذا عبّر عنه بالفدية ( بذبح عظيم ) بحسب مقام إبراهيم لا بحسب مقام إبنه

وقوله : ( قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ )أي رغم أنّ فيها شبهة الظلم والإفساد والإعتداء أو الشرّ فقد سلّمت لنا في علمنا بحسب وسعه وما سلّم موسى للخضر عليها السلام في هذا الوسع وذلك في قوله لما سألوه هل هناك من هو أعلم منك اليوم في الأرض فقال : ( لا )فكان إمتحانه في النكران على الخضر من مدد قوله (لا)والقاعدة تقول ( وفوق كلّ ذي علم عليم )لتبقى عبدا من العباد فلا تخرج عن شهود جهلك أبدا

فالرؤيا لها علومها التي يعلمها أصحاب هذا العلم أي أصحاب علم تأويل الرؤى وهذا المؤوّل لا يمكن إلا أن يكون عارفا بالله كاملا وإلا فلربّما أخطأ غيره وأصاب وفي آخر الزمان لمّا يقلّ هذا العلم في الناس أكرمهم الله تعالى بأنّ رؤيا المؤمن توشك في هذا الزمان أن لا تكذب فتكون صادقة في كلّ حالاتها

ونحن وغيرنا نريد أن نصدّ هذا الباب أمام الناس الذين لهم علل قلبية وأمراض نفسية فيلتمسون الرؤى ليلا نهارا كي يبشّرون بمراتب أو خصوصيات وغير ذلك من العلل السقيمة والأحوال المظلمة وغايتهم الأولى والأخيرة وجود شاهد من الرؤى يقوّي ما ركن في النفس من حبّ الدعاوى والظهور وهنا يدخل مجال الشيطان في عالم الخيال وهي الرؤيا التي تكون من الشيطان والنفس والجنّ فهذه مراتب في التلبيس بالرؤى وكلّها باطلة من الحلم وأضغاث الأحلام

هذا سيدي ولم أدخل في تفاصيل علومها لأنّني لست مختصّا في ذلك ولا أطلعني الله تعالى عليه وعاش من عرف قدره ووقف عند حدّه

الرؤيا سيدي من حيث أنّها رؤيا تتعدّد إتّجاهاتها فليست كلّ الرؤى هي من المبشّرات بل من الرؤيا الصادقة ما يفرح ومن الرؤيا الصادقة ما يحزن وهكذا هي أحكام القضاء والقدر , ثمّ إنّ المبشّرة متى فهمت عن الله فيها فاستعدّ لدفع مهرها كما دفعه يوسف عليه السلام ولا تظنّ بأنّ المبشّرة أمرها كلّه فرح وسرور وسعادة وإنّما بقيت فينا المبشّرات التي هي من أجزاء النبوّة لكي نصدّق بما بشّرنا الله به فنصبر على ذلك المهر الغالي الذي سندفعه

أنظر مبشّرة يوسف عليه السلام لما قال لإبيه ( يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ )فهذه البشرى الكبيرة بالنبوّة والقطبية والمقام العالي إنظر ما كان بعده من الإمتحان والإبتلاء والفتنة

ثمّ أنّ النبوّة من أحكامها الإبتلاء الشديد الذي لا طاقة به لغير الانبياء قال عليه الصلاة والسلام : ( أشدّكم بلاء الأنبياء ...الحديث )

فلا ننظر إلى ظاهر المبشّرة فنغترّ بها بل لا بدّ من فهم تأويلها وما يترتّب عنه كما ذكرت , لذا فبعد أن تمّت قصّة يوسف عليه السلام وإنتهى دفع مهر وإبتلاء هذه المبشّرة قال لأبيه
( وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا)

فحكى بأنّ كلّ ما جرى له إنّما جرى لتتحقّق له رؤياه كما أرادها الله تعالى فلو لا إخوته ولولا إمرأة العزيز ولو لا البدو ولولا السجن ولولا صاحبي السجن لما تحقّقت تلك الرؤيا .فافهم. لذا قال لإخوته : ( قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ )فما لامهم ولا عاتبهم لمّا كمل تحقّق رؤياه

فانظر مهر تلك المبشّرة ما أغلاه , قال تعالى على لسان يوسف : ( مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي )وكأنّه كان طرفا فيما جرى له , نعم لأنّه لولاه لما مكر به إخوته فكان عليه السلام سبب مكرهم .فافهم الإشارة .

فما خاطب يوسف عليه السلام برؤياه غير أبيه فقال له في الأوّل (يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ )
وقال له أخيرا لمّا جاء به إليه : ( وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ )
أمّا سيدي : المبشّرات المذكورة في الحديث المقصود بها عينا مقامات أهل الولاية فهي لا تأتي غالبا إلا لهم أو تأتي لغيرهم فيبشّرونهم بها لذا قال ( يراها المؤمن أو ترى له )والأغلب أن يراها لنفسه متى كان ثابت الحال قوي القلب متماسك الفهم محفوظا من الطغيان بها أمّا إذا كان ضعيف القلب متقلّب الحال فالأغلب أن يراها له غيره كوليّ يرى رؤيا لمريده فلا يخبرها بها إلا في وقت معلوم كرؤى رسوالله صلى الله عليه وسلّم في حقّ بعض صحابته كعمر وأبي بكر رضي الله عنهما وغيرهما من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين

ومعنى الحديث : أقصد المعنى الخاص فيه ولا أقصد المعنى العام الذي شرحه أهل العموم
وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم ذكر بأنّ باب الوحي قد إنقطع به لأنّه خاتم النبيئين فما بقي غير المبشّرات التي يراها المؤمن أي مقام الولاية الخاصّة الباقي في أمّته إلى يوم القيامة وعدّها من أجزاء النبوّة لأنّ هذا صحيح لأنّ الولاية من أجزائها فلا يكون النبيّ نبيّا حتى يكون وليّا فكلّ نبيّ أو رسول هو في حقيقته وليّ لله تعالى

وإنّما أعني الفهم الخاص للحديث وليس الفهم العام

فباب الوحي سدّ وإنغلق بخاتم النبيئين ولم يبق بابا من هذا الوحي إلا ما كان متعلّقا بإجزاء النبوّة لأنّ النبوّة هي الوحيدة المخوّلة والمستعدّة لنزول هذا الوحي فلا ينزل الوحي بالمعنى المتعارف عليه إلا من مشكاة النبوّة فكان هذا الباب لايزال مفتوحا إلى يوم القيامة

ومعنى المبشّرات أخصّ من معنى الرؤى فالرؤى معناها أكثر تعميما ووسعا

ثمّ إنّ المبشّرات نوعان : مبشّرة في عالم الأنوار , ومبشّرة في عالم الأسرار
وبالله التوفيق والله اعلم
فارس النور
عضو نشيط
مشاركات: 70
اشترك في: 15 مايو 2017 12:57
آخر نشاط: 18 يونيو 2019 16:59
مكان: دمشق
العمر: 37
اتصال:

01 ديسمبر 2017 00:25



السؤال العشرون :

قلتم سيدي فيما سبق ( والرؤى الشيطانية من عالم الخيال أيضا وفيها دواهي وفواجع ) والسؤال :
هلا قدمت لنا سيدي بشرح لذلك و ايضا ما هو عالم الخيال ؟


الجواب والله اعلم :

طبعا لا يمكننا أن نقول بأنّ الرؤيا الشيطانية من عالم الحقيقة أي عالم الأنوار وإنّما هي من حضرة الشيطان , وحضرته كلّها خيال في خيال من حيث التحقيق لا من حيث كيد الشيطان الذي كان ضعيفا حالا وماضيا ومستقبلا

والرؤيا سيدي قد تكون صالحة , ومعنى الرؤيا الصالحة أي كلّ رؤيا فيها نسائم الحضرة الإلهية بمعنى تزيدك حبّا أو تشويقا أو إسراعا أو تقوى أو عزيمة أو طاعة أو أيّة منقبة وحالة تقرّبك من الله تعالى , فما لم تدلّك رؤياك على الله تعالى فليست برؤيا صالحة , لأنّ الرؤيا الصالحة من الله ومحال أنها منه ولا تكون إليه .فافهم.

والرؤيا هي وحي المؤمن أي الباب الذي بقي منه الوحي الذي هو من أجزاء النبوّة وهي تدلّ على حدوث غيب من الغيوب التي لها تعلّق بها أو بغيرك مما رأيتها له بمعنى أنّها إمّا أن تدلّك على حالة واقعة فيك أو في غيرك كمن يكشف له في منامه عن حالة إنسان سواء بالإيجاب أو السلب أو بما يقع له في الإستقبال وهذه وغيرها لا تكون إلا متى كانت الرؤيا صالحة وكان تعبيرها حقيقيّا من عالم متمكّن من التعبير

ولمّا كانت الرؤيا المنامية وحي المؤمن كان لا بدّ لهذا الوحي من معاند يريد إفساده الذي هو الشيطان الذي يسترق السمع في السماء وكذلك في سماء القلب ليخلط الحقّ بالباطل والباطل بالحقّ لأنّ المقام الذي يشتغل فيه هو مقام التزيين بمعنى تزيين الباطل في صورة الحقّ وتزيين الحقّ في صورة الباطل كي يرى الإنسان الحقائق معكوسة ( فيبغونها عوجا )

بالنسبة للمؤمن القويّ أي قويّ الإيمان وذلك بأن تكون أنوار قلبه رجوما للشياطين لأنّ قلبه محروسا بجند الأنوار فلا يقع فيه إلا واردات الرحمان فهذا لا سلطان للشيطان عليه في رؤياه ولا يستطيع أن يخلط فيها أو يزيّنها له أو يكذب عليه فيها بل لا سبيل له لذلك البتّة ( إلا عبادك منهم المخلصين )

لأنّ الشيطان توعّد بالغواية وأقسم في ذلك بالعزّة الإلهية وهذه الغواية من الشيطان لنا تكون في حالتي النوم واليقظة لذا أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالوضوء للنوم لأنه سلاح المؤمن يقاتل به أعداءه وأوصانا بذكر أوراد النوم وماذا نفعل متى لعب بنا الشيطان فلا نقصّ رؤيانا التي فيها تحزين من الشيطان وكذلك نتفل على شمالنا ثلاث مرّات متى رأينا رؤيا تفزعنا وكذلك بأن لا نقصّ رؤيانا إلا على عالم ناصح لبيب فطن كما ورد في الأحاديث لأنّ الرؤيا على رجل أو جناح طائر فكيفما أوّلها المؤوّل وقعت فأمرنا بالتريّث في ذلك والتمهّل

لأنّ سطوة الشيطان وغوايته في عالم النوم أيضا كبيرة بل هي من أدقّ تلبيساته وأخفاها على الإنسان لذا فقد دخل على الناس من هذا الباب فأفسد على كثير من الناس إيمانهم وتقوتهم

وكان لي أخا في الله تعالى إسمه ( منير ) كان يأتيه الشيطان برؤى في منامه ومن ثمّ يراها هذا الأخ في اليقظة حرفا بحرف وذلك لأنه يريد التلبيس عليه , وتفسير ذلك سهل وهو أنّ الشيطان يخيّل إليك أمر في منامك ثمّ يعمل الشيطان وأعوانه في يقظتك على أن يجعلوا ذلك الأمر مشهودا عندك , فمثلا يريك في منامك بأنك قابلت أحدا من الناس منذ فترة لم تراه , ثمّ في الصباح يذهب الشيطان لذلك الشخص فيوسوس له بخاطر المجيء والقدوم فيقدم فتقابله حتى أنك ربّما تقول له أو في نفسك : سبحان الله البارحة رأيته في منامي أنّي أراه ...وهكذا
وهذه ليست قاعدة كليّة وإنّما هي قاعدة عند الناس الذين مازالوا في مرتبة النفس الأمّارة بالسوء أي مازالوا في مرتبة الخواطر الشيطانية والنفسية لذا وجب عليهم أن لا يجزموا في رؤياهم لأنّها لربّما تكون من النفس أضغاث أحلام أو من الشيطان وهو الحلم والتلبيس

أمّا أهل الله تعالى فليس للشيطان ولا للنفس عليهم من سبيل لأنّهم محفوظون منه ( إلا عبادك منهم المخلصين )

ثمّ إنّ الرؤيا لها تعلّق كبير بالواردات :فمن كان من المريدين كما قال الشيوخ ساداتنا من أهل المعرفة رضي الله عنهم مازال في دائرة الخواطر النفسية والشيطانية فليس لرؤياه قيمة كبيرة وقد تكون ذات قيمة كبيرة ولكن هذا قليل إلا ما كان من السنّة كصلاة الإستخارة من حيث الإنشراح أو رؤيا صالحة تشير إلى ما إستخار فيه تلميحا أو تصريحا , وإنما كلامنا في الرؤيا من حيث أنها رؤيا من غير تكلّف ولا قصد لها مسبّق

فالرؤيا التي يعتنى بها هي رؤيا العارف بالله تعالى كالأنبياء والرسل وأهل الولاية الكبرى والفتح الكبير ثمّ يليهم من الناس أهل الولاية الصغرى ثمّ في المرتبة الثالثة أهل الإيمان من حيث مستويات إيمانهم

وحقيقة الرؤيا الصالحة لا يراها إلا المؤمن ( أي المؤمن الكامل )فمن كمل إيمانه أشرق إحسانه قال أحد الصحابة ( لقد أصبحت اليوم مؤمنا حقّا يا رسول الله ...)

ثمّ إن الكشف الذي عند الأولياء فهو إمّا أن يكون كشفا مناميا وهذه المبشّرة المنامية وإمّا أن يكون كشفا حقيقيّا في عالم يقظتهم أو بين النوم واليقظة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم ( إني أراكم من خلفي كما أراكم من أمامي )أي في اليقظة عند الصلاة و بصر الروح هذا لأنّه مثل الذرّة لا تنقسم أفرادها وليست لها أجزاء متى وصلنا إلى نواتها الأصلية التي لا تنقسم فالروح تسمع بكلّ ذاتها وترى وتشاهد بكلّ ذاتها وهكذا لأنّها جوهر لا ينقسم ولها ما يقابلها في العالم المادي ( وهي الذرّة )لذا فالروح تأخذ حيزها من حيث الوسع والإنتشار بحسب حجم الروح وكبرها ومن هنا تعرف مقامات الأولياء في الإدراك والعلوم ومن هنا نعرف أسرار نوال المقامات والخصوصيات كالقطبانية والفردانية وغيرها لأن هذا من أمر الروح التي هي من أمر الله .فافهم .

وإنّما قلنا بأنّ للشيطان فواجع في عوالم الخيال , إنّما نقصد بعالم الخيال هو هذا العالم الباطل أي الذي لا يرى العبد وجود موجده قبله أو معه أو بعده بحيث أنّه في نظره لا يعدو كونه عالما مترامي الأطراف حسّا ومعنى فيحجب بالكون عن المكوّن فهذا الحجاب في مراتبه الثلاث وهي مرتبة حجاب العقل وحجاب القلب وحجاب الروح , فكلّ ما أدركه البشر متى كان بهذه الصفة من العوالم إنما هو من عالم الخيال الذي لا وجود له لأنّ البقاء إنّما يكون بالجمال الإلهي ولا يكون البقاء بالجلال الإلهي أبدا , وإبليس قام في الجلال فأراد أن يقوم بأحكامه من حيث القدرة وهكذا فافهم فعالمه حتما أنّه عالم خيالي وإعتقاده وهم في وهم لذا كان كيده ضعيفا لأنّ هذا العالم ليس بعالم الخصوصيات فلا يحسن إبليس ولا غيره أن يمدّ الناس بخصوصيات فيه لا عن طريق المنام ولا عن طريق غيره .فافهم
قال تعالى ( يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان الا غرورا )
وقوله إلا ( غرورا )متعلّق بحقيقة النفس متى إعتقدت وجودها مع وجود الله )

في هذا العالم الخيالي الذي لا يدلّ على الله تعالى بحال لقوله ( لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم )حجب الناس من كلّ ما يدلّ عليه ظاهرا وباطنا لأن غايته أن لا يتوجّه الناس إليه , وكذلك لعلمه بالحضرات يعرف بأنّ هناك حضرات باطل في صورة حقّ لا تدلّ عليه لأنّه ليست الطريق إليه : كالخوارج وغيرهم , فهو عليم بطريق القوم لذا قال
( لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم )فهو عارف بمحلّ وجود هذا الصراط لذا كان غاوي لعنه الله في جميع الشرائع والمناهج والطرق فما سلم منه دين ولا رسول ولا ولي ولا طريق ولا مذهب , لأنّها كلّها طرق تدلّ على الله تعالى وغايته سدّ اي طريق في وجه العباد يدلّ على الله تعالى لعلمه بأنّ كلّ من توجّه إليه أعطاه الله تعالى بصيرة النور فيكشفه بها كالنبي صلى الله عليه وسلّم لمّا خطّ خطوطا في الأرض يرسم فيه طريق الله وطرق الشيطان ولتعلم قدر وكمية حقد الشيطان علينا يجب أن تعرف بأن الشيطان ينظر إلى آدم وهو أبونا بأنه كان السبب في إستحقاقه غضب الله وأنه السبب في غواية الله له وأنّه السبب في خروجه من ذلك النعيم الأبدي الذي لا يطاق حسنه وفضله وكرمه فكان حقده علينا لا يوصف قدرا ونزل إلى الأرض عدوّا خالصا لنا وقد أوضح بأن عداوته لنا لن ينجى منها إلا ( المخلصين )إسم مفعول بفتح اللام أي أهل الفناء والبقاء الذين ماتت نفوسهم فكان الله بصرهم وسمعهم ويدهم ورجلهم لأنّ إبليس ليس له قدرة على غواية الإنسان وهو في الحضرة لذا إنتظر سكنى آدم في الجنّة ومن ثمّ إستعجل المعركة فغوى آدم بسبب أكله من الشجرة لأن إبليس كان يعلم بأن النزول إلى الأرض لن يتحقّق إلا بالأكل من الشجرة فإستعجل المعركة من كثرة حقده علينا
وهناك حقيقة لا بدّ من ذكرها :

وهي أنّ أدم كان قرينه إبليس ولكلّ إنسان قرين لذا كان معه في الجنّة قبل نزول آدم رغم أن إبليس لعنه الله وطرده ورغم هذا سكن الجنّة مع آدم لأنّه قرينه وهكذا لكلّ إنسان قرين : بمعنى أن كلّ مولود من بني آدم لا بدّ أن يولد لإبليس مولودا شيطانا ليكون قرينا لذلك الإنسان , فيستمدّ ذلك الشيطان مددا من حقيقة إبليس التي مسخه الله عليها , كما أن كلّ مولود من البشر يستمدّ من حقيقة أبيه آدم فحقائق آدم سارية فينا من حيث سماعنا لقوله تعالى ونحن في صلب آدم ( وعلّم آدم الأسماء كلّها )وكذلك حقائق إبليس سارية في ذريته وذلك عند سماعهم وهم في صلب إبليس ( إن عليك لعنتي إلى يوم الدين )فكانت المعركة بينهما شرسة وكبيرة فهذا يريد أن يغوي هذا وهذا يريد أو يصلح هذا لذا قال ( بعضكم لبعض عدوّ )فكانت عداوتنا له أننا نأمر بالخير وننهى عن الفحشاء والمنكر فهذا وجه عداوتنا له أما إبليس فوجه عدواته أنه يأمر بالفحشاء والمنكر ....

وبالخلاصة :أن للشيطان عداوة لبني آدم في منامهم ويقظتهم لذا أخبر عليه الصلاة والسلام بالرؤيا من الشيطان ليبيّن بأن الرؤيا ليست فقط وقفا على أنّها من الرحمان أو الملائكة كي نفرّق بين الباطل والحقّ في كلّ شيء لذا كان هناك علماء بتأويل الرؤيا وهكذا هناك علماء في كلّ علم رباني كي يميّزوا فيدلوا الناس على ما هو حقّ وما هو باطل فعلماء الشريعة لهم دورهم وعلماء الطريقة لهم دورهم وعلماء الحقيقة لهم دورهم وهكذا فعلماء تأويل الرؤيا لهم دورهم وهكذا في كلّ فنّ وعلم ديني وهكذا فإن العلوم لا تستقيم إلا متى كانت صحيحة لأنه نور من الله تعالى

وعالم الخيال :هو الوجود ما لم تشاهد فيه مولاك قبله أو معه أو بعده
فقوله ( لأغوينّهم أجمعين )أي مجموعين من حيث أنّهم من آدم وأنهم بشر

ومجموعين : أي لا يهمّني كثرتهم ولا عدّتهم ولا عتادهم

ومجموعين :أي في حقائق كلّ واحد منهم الظاهرة أو الباطنة

ومجموعين :لأنّهم أهل جمال فإنهم لايعرفون أحكام الجلال والمكر والفتنة لبياض قلوبهم وسلامة صدورهم فيسهل إغواءهم كما حدث لآدم لذا حاجج موسى آدم

ومجموعين :لأنهم أهل جمع فأفرّقهم لتذهب ريحهم

ومجموعين :وذلك لحصول كلّ واحد منهم على قدر من غوايتي

وهكذا من هذه الحقائق فإن القرآن كلّه أسرار وحقائق فإن كلّ شرّ في الكون هو من الشيطان فلا بدّ أن ننسبه إليه ( أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ )هكذا قال أيوب , أنظر فهم الأنبياء وعلومهم وأدبهم وترتيبهم للحقائق وليس بعد هذا الكلام من كلام

فارس النور
عضو نشيط
مشاركات: 70
اشترك في: 15 مايو 2017 12:57
آخر نشاط: 18 يونيو 2019 16:59
مكان: دمشق
العمر: 37
اتصال:

01 ديسمبر 2017 03:53



السؤال الحادي والعشرون:

سيدي الغالي ( قيل : لا بد للمريد من استشارة شيخه في ذكره لأسماء الله الحسنى حتى يعطيه من الأذكار قدر ما يتحمله ويطيقه قلبه من الأنوار لأنه ربما ازدادت الأنوار على قلبه فاحترق , فمعدة الطفل الصغير لا تسع غذاء الرجل الكبير )
والسؤال : نتمنى سيدي أن تكرمونا في شرح أكثر في ذلك ؟


الجواب على هذا السؤال والله أعلم :

إعلم سيدي فارس النور حباني الله تعالى وإيّاك والمسلمين بدوام الفرحة والسرور :

أن ذكر الله تعالى بأسمائه الحسنى ممّا رغّبنا الله تعالى فيه وأمرنا به وحثّنا عليه قال الله تعالى : ( وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا )
وقال عليه الصلاة والسلام : ( إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا من أحصاها دخل الجنّة )

والأسماء الحسنى منها ما هو إسم ذات وما هو إسم صفة وما هو إسم فعل : بمعنى في مقامات الدين الثلاثة الإحسان والإيمان والإسلام وبمعنى أدقّ فإنّ لكلّ إسم ثلاث مراتب مرتبة ذاتيّة ومرتبة صفاتية ومرتبة أسمائيّة

والإسم في حالاته الثلاثة لا يدلّ إلا على المسمّى به فمن توجّه بذلك الإسم لغير المسمّى به فقد أخطأ الطريق وهو يحسب أنّه يحسن صنعا

وسنذكر هذا : قوله تعالى : ( بسم الله الرحمان الرحيم )

فبدأ بذكر إسم الجلالة , وهو إسم الذات الذي هو الإسم الجامع , فما جعل بين الإسم والمسمّى به إسم آخر كإسم صفة أو إسم فعل بل ذكر إسم الذات مباشرة حتى لا يحجب العبد بكثرة الأسماء وتعدّدها فأراد أن يجمعه عليه إبتداء ومن ثمّ يفسّر له مقتضيات إسم الذات من حيث صفاتها وما يجب لها ويستحيل وما يجوز , فمن الإسم إرتقى بهم إلى التعلّق بالمسمّى فوقف هذا الإسم بالسالكين على الذات مباشرة لأنّها الحقيقة , فسرت هذه الحقيقة في كلّ سورة من سور القرآن أي أنّ القرآن في جميع كلياته وجزئياته لا يدلّ إلا على الله تعالى بشاهد قوله ( بسم الله الرحمان الرحيم ) فسرى نفس ( بفتح الفاء ) التوحيد في كلّ حرف أو كلمة أو آية من القرآن لذا قال : ( ذلك الكتاب لا يرب فيه ) وعدم الريب هو ( المشاهدة ) لذا قال عليه الصلاة والسلام : ( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر ) لأنّه خالي من نفس التوحيد فيكون على صاحبه نقمة وسخطا فلا تسري فيه بركة الإسم أو الصفة التي نواها بتلفّظه بالبسملة

ثمّ بعد إسمه الله ( إسم الذات في البسملة ) ثنّى بذكر إسمه الرحمان وهو إسم الذات الثاني ( الرحمان على العرش إستوى ) كما تعطيه الحقائق وهو إستواء هذا الوجود بالرحمة فلولاها لما كان خلقا أصلا ولولاها لما وقع النظر على شيء أصلا ولا علم أو جهل شيء أصلا وهكذا ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) لذا فمعنى إستواء الرسل كقوله تعالى ( فلمّا بلغ أشدّه وإستوى ) أي كان قابلا لتجلّي الرحمة الإلهية عليه من مقتضى إسمه الرحمان ليقوم فيه ( إنّما أنا رحمة مهداة ) كما في الحديث فهذا من معاني إستواء الرسل لذا يخرج المهدي المنتظر في سنّ الأربعين أو يزيد بقليل وسنّ الأربعين لها ما يقابله من الحكمة الإلهية التي هي قرينة العلم

ثمّ ذكر ثالثا : إسمه ( الرحيم ) مبالغة في الرحمة وهو في الآخرة خاصّة : أي في مقام الصفات فلا تجد إلا راحما ومرحوما ( الرحمان الذي إستوى على العرش ( راحما ) والمخلوق ( مرحوما ) ( إرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ) لأنّ السماء حضرة الرحمة ومنها يأتي الرزق والغيث ( وفي السماء رزقكم وما توعدون)

فهذا المقام التفصيلي من حيث الأسماء والصفات يقيّده إسم الذات بمعنى إسم الصفة تقيّده الذات بها فهو مطلق من حيث أنه لا نهاية للصفة أبدا لأنّها تتبع موصوفها الأبدي ومقيّدة من وجه أنّها لا يمكنها القيام بنفسها فلا بدّ للصفة من موصوف تقوم به

لذا دلّهم على إسم الذات الجامع لجميع الأسماء والصفات فهو الإسم الذي يؤذن فيه أهل السلوك فيذكروه حتى يدلّهم على الذات فلا يطلبون سواها لأنها الحقيقة ومن طلب غير الحقيقة فقد طلب الباطل , فمن وصل إليه أطلعه على مملكته وشاهد أحكام جميع صفاته وأسمائه فنال العلم وتأدّب مع الذات في أسمائها وصفاتها وعرف هناك ما يجب وما يستحيل وما يجوز فعامل الذات بما يجب لها وبما يستحيل في حقّها وبما يجوز فتأدّب أدبا مشوبا بحذر ( يراقب الله تعالى في الأنفاس ويزن الخواطر بالقسطاس ) لأنّ مقام الذات مقام مشاهدة ومقام الصفات مقام مراقبة , فهو بين شهود الذات ومراقبة الصفات والصفات تتلوّن في أحكامها بحسب باطن الذات المجهول وهي التجليات ( كلّ يوم هو في شأن ) فيبقى العبد عبدا حقيقة لا مجازا والإله إلها حقيقة لا مجازا ومن إعترف بأنه عبد فلا بدّ من أن يكون متّصفا بأوصافه لا يخرج عنها أبدا كالذلّ والعجز والجهل والفقر والضعف

نعم الشيخ يخاف على مريده متى ذكر المريد ذكر التوجّه بالأسماء الحسنى على مريده من أن يستهلكه ذلك الذكر فيحرقه : ومعنى يحرقه يدخله في مداخل ودعاوى كفرية أو يجلب بذلك الأغراض والأعواض لذا ففي مذهبنا لا يجوز التوجّه بالذكر بالأسماء الحسنى إلا بعد السلوك والمعرفة الكاملة بالله تعالى ويكفي إستشهادا ودلالة على ذلك ( بسم الله الرحمان الرحيم ) من الإسم إلى المسمّى

ثمّ إنّه لا يذكر الإسم الجامع ويواضب عليه إلا العبد الحقيقي الذي مبتغاه وجه الله لأنّ العبد لا يقصد إلا معبوده , أما الذي يطلب الذكر بالأسماء الأخرى فهو طالب إما غرضا أو عوضا وأعلى ما يكون طالبه أنّه يطلب الذات من وجه دون وجه والله تعالى يقول ( يريدون وجهه ) أي جميع الوجه ( فأينما تولّوا فثمّ وجه الله )

أمّا إذا أذن الشيخ مريده في الذكر بالأسماء الحسنى فلا خوف عليه لأنّ المشائخ لهم نظريات في التربية والتسليك ( عجب ربّك من قوم يقادون إلى الجنّة بالسلاسل ) فافهم

فما جعل الله تعالى بين إسمه ومسمّاه إسما آخر لأنّ المقصود هو الله تعالى فمن وصل إليه كفاه فكان سمعه وبصره ويده ورجله لأنه في حضرة الرحمة مغفورا له

ثمّ إن الشيخ يعرف ما لا يعرفه غيره من تفاصيل التربية وحضرات الأذكار وما يعطيه كلّ ذكر وحقيقة الواردات وما حضرة كلّ وارد وما يجب وما لا يجب فهم الورّاث المحمديون رضي الله عنهم أجمعين فطوبى لمن وجد شيخا فدلّه على الله تعالى
فارس النور
عضو نشيط
مشاركات: 70
اشترك في: 15 مايو 2017 12:57
آخر نشاط: 18 يونيو 2019 16:59
مكان: دمشق
العمر: 37
اتصال:

01 ديسمبر 2017 04:18


السؤال الثاني والعشرون :

قلتم سيدي فيما سبق ( الحجاب في مراتبه الثلاث وهي مرتبة حجاب العقل وحجاب القلب وحجاب الروح ) والسؤال : لو تكرمتم سيدي بشرح معنى الحجاب في مراتبه الثلاث التي ذكرتموها ؟

الجواب والله أعلم :

حجاب العقل عن الإعتبار في عوالم الآثار

حجاب القلب عن الإعتبار في عوالم الأنوار

حجاب الروح عن الإعتبار في عوالم الأسرار

فالحجاب الأوّل حجاب الكافرين الجاحدين والحجاب الثاني حجاب المؤمنين الغير سالكين
والحجاب الثالث حجاب السالكين الواقفين مع الأنوار أو تقول الذين هم في الحضرة المحمدية لم يخرجوا عن أحكامها بمعنى أن كلّ ما دون سدرة المنتهى إلى سماء الدنيا هي أنوار الحقيقة المحمدية

لذا ترك جبريل عند سدرة المنتهى فقال له تقدّم يا محمد فقال له أهنا يترك الخليل خليله يا جبريل فقال : لو تقدّمت خطوة لإحترقت أمّا أنت لو تقدّمت خطوة لإخترقت

لأنّ هذا المقام هو الفاصل بين المخلوقات والخالق بمعنى أن السائر في هذا المحلّ تغيب في نظره جميع المخلوقات لأن إنتهاء المخلوقات يوجب عدم شهودها فلا يشاهد غير أنوار الحضرة لكنّه غير فاني عن نفسه لذا فالمقام الأوّل الفناء عن المخلوقات جملة وتفصيلا وهذا الذي حدث عند سدرة المنتهى مع جبريل ويحصل لكلّ سالك في هذا المحلّ ثمّ الفناء عن النفس بعدها فيغيب العارف في نور موجده فيغيب عن رسمه ونفسه وعن شكله وهيئته ( لمن الملك اليوم ) فلا يجيبه أحد في هذه الحضرة لإنفراده بالوجود سبحانه ثمّ يتحقّق مقام الرجوع من عنده في حلية أخرى وبحياة أخرى لذا فإنه لمّا رجع ما ذكر جبريل بل ذكر موسى وما قاله له من حيث الصلاة التي هي معراج المؤمن فافهم

فالحجاب الثاني هو حجاب الأنوار فصاحبه مازال باقيا بنفسه لم يغب عنها بعد ولم يفنى لذا هناك الكثير من المشائخ من هم على مثل هذه الحالة وقف بهم السلوك في الحضرة المحمدية فإنّ الإسراء والمعراج وقع في حضرته عليه الصلاة والسلام فشاهد ليلة أسري به تمام حقيقته المحمدية لذا فموضوع التصوّف حقيقة هو هذا العروج الذي بقي موروثا في الأمّة إلا أنّه يقع للأولياء بالروح دون الجسد خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلّم فإنه وقع له روحا وجسدا على القول الراجح المشهور

أمّا من كان محجوبا بفكره ومقيّدا بعقله فهو مازال في ظلامه يسعى فلا كلام معه

فكلّ ما تراه من الأنوار فإنما هو من الحضرة المحمدية أمّا الحضرة الإلهية فمجالها الأسرار
وأهل الله يتكلّمون في الأنوار والقليل الذين يتكلّمون في الأسرار بل يتكلّمون فيها إشارة خفية ورمزا دقيقا ومن تكلّم في هذا بصريح العبارة خانته العبارة ففهم الناس قوله على ظاهره فوقعوا في الزندقة فافهم

فالحجاب الأوّل عن سرّ عالم المحسوسات ومن أدرك هذا أدرك علوم الذرّة

والثاني عن سرّ المعنويات ومن أدرك هذا أدرك علوم الروح

والثالث عن سرّ أسرار الذات ومن أدرك هذا سكت سكوتا أبديا فإن المشهد يوجب هذا فمن تجاوز هذا الحكم قتل بسيف العلم والحكمة

فارس النور
عضو نشيط
مشاركات: 70
اشترك في: 15 مايو 2017 12:57
آخر نشاط: 18 يونيو 2019 16:59
مكان: دمشق
العمر: 37
اتصال:

01 ديسمبر 2017 04:21




السؤال الثالث والعشرون :

قلتم سيدي فيما سبق : قال سيدي أبو الحسن الشاذلي : ( نحن نربّي أولادنا بالنظر كما تربّي الدجاجة أولادها بالنظر ) أي لا نربّيهم بالكلام بل بمجرّد النظر لأنّهم أهل نظرة
لو تكرمتم سيدي علينا والقيتم الضوء على ذلك لنفهمه أكثر؟


اشكر سيدي فارس النور على سؤاله الذي هو من الأهميّة بمكان في فهم السلوك إلى طريق الله تعالى .. أنّ سيدي فارس النور لولا وعدي إيّاه على الخاص بالجواب عمّا أراد أن يسأل عنه لما تقدّمت لذلك أصلا فإنّ العبد الفقير لا يرتقي إلى مراقي ساداتنا العلماء فضلا عن علوم ساداتنا الأولياء من المحققين من أهل التصوّف رضي الله عنهم أجمعين فإنّي والله لست بأهل أن أجيب وذلك لقلّة زادي وضعف معرفتي لكن محبّة القوم هي التي تدعونا أن نتشبّه بهم ( والتشبّه بالكرام فلاح ) كما قيل , فإنّ المحبّة تفعل الأعاجيب لأنّها مغناطيس تجذب البعيد فتجعله قريب ( والسابقون السابقون أولائك المقرّبون ) وهم أهل المحبّة لأنّه لا يمكن القرب بغير مغناطيسه الذي هو المحبّة ( والمرء مع من أحبّ يوم القيامة ) ولمّا دفن عليه الصلاة والسلام في غزوة أحد إثنين من الصحابة الشهداء في قبر واحد وأخبر أنّهما كان يحبّان بعضهما في الدنيا , فإنّ المحبّة التي هي الجذب في حقيقتها وهي المغناطيس الجاذب هي التي تدعوني وإخواني الفقراء من أهل النسبة إلى التشبّه بالقوم وقد قال سيدي محمّد المداني رضي الله عنه ( نسبتي للحبّ تكفي --- وإيمان القلب يشفي ) فمن لم يذق طعم المحبّة فلا عاش ولا طاش , فإن لم تكن من أهل المحبّة ففارق القوم ولا تعد تأتيهم ( فعين المحبّة عن كلّ عيب كليلة --- وعين السخط تبدي المساويا )
هذا مدخل سيدي الحبيب فارس النور جعلك الله سابقا في ميدانه , شاربا كارعا من خمر الجذب ومدامه , فإنّه ديدننا فلا نعرف غير الجذب وأحكامه , و التيه في أرقى مقام في مقامه

فهذه سيدي نظرة المحبّ لحبيبه , ونظرة الحبيب لمحبّه , فمتى تحقّقت هذه النظرة صار الأمر كلّه حنانا ومحبّة ووفاءا ومنّة , وهذا مشرب سيدي أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه وأرضاه في التربية لأنّ طريقته طريقة المحبّة والشكر , فالمحبّة تستوجب غضّ الطرف ( وغضّ الطرف إن عثرا ) كما في قصيدة سيدي أبي مدين الغوث رضي الله عنه

قلت : سيدي معرفة التربية وأحكامها من إختصاص أهلها والعبد الفقير لست من أهلها حتى أعرفها , ولكن ما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه , فإنّ المشائخ لهم نظريات في التربية فليسوا على منهج واحد في التربية فلهم إجتهادات فيها وهذا تراه في طرقهم كما ترى إجتهادات أهل الفقه في الفقه فهو نظير ذلك , فإختار سيدي أبو الحسن التربية بالنظر دون الكلام لأنّ طريقته طريقة الأقطاب وأهلها كلّهم محبوبون عند الله ورسوله وكذلك جميع الطرق إلاّ أنّ منحى الشاذلية منحى سريع صافي كامل ليس فيه عقبات بل كلّه صدق وصفاء باطني لا يقدّر بمقياس , فالفقير الشاذلي الحقيقي من أوّل قدم في الطريق متى كان صادقا تحصل له الجذبة ومعنى الجذبة هو جولان الفكر والقلب والروح في محبّة الله تعالى فقد يمرّ عليه الأزمان الطويلة ولا يخطر على باله غير محبّة ربّه ورضاه فلا تراه يتقدّم ولا يتصدّر ولا يطلب قطّ خصوصية ولا ميزة من الميزات فهو بالخلاصة لا يطلب الأعواض ولا الأعراض فهذه أوّل قدم يضعها المريد الشاذلي الحقيقي في الطريق وأقول الفقير الصادق أمّا من لا صدق له فهو لن ينفعه شيء لأنّ طريق الشاذلية يقول ( شيخك صدقك في طريق الشاذلية ) ولولا أنّك سألتني عن قول الشيخ أبي الحسن رضي الله عنه هذا المتعلّق به وبطريقة تربيته ومنهج طريقته ما كنت تعرّضت لمدح الطريقة الشاذلية وإنّما لمّا كان الكلام عن سيدي أبي الحسن وأقواله رضي الله عنه فالأمر منّي يتطلّب ذلك التوضيح حتى لا يفهم كلامه على غير مقصوده فإنّه يتكلّم عن طريقته في التربية ولا يتحدّث عن طرق غيره فافهم

قلت : التربية بالنظر سيدي هي نفوذ أنوار الشيخ البصيرية المنقدحة على البصر في قلب المريد فهو في الشاهد مثل العلاج الذي تراه الآن بأشعّة الليزر , فهذا الأصل أمّا فروع هذا فهي كثيرة فإنّ للعيون لغة معروفة فقد تكلّم من شئت بما شئت بمجرّد نظرة تصدر منك لأنّ الكلام فيه في أغلب الأحيان وحشة , وهذا الحال أعني التربية بالنظر شهدته مرارا من شيخنا رضي الله عنه فقد تمرّ أوقات وأوقات ولا يتكلّم معك حرفا واحدا ولكنّه ببصره وبصيرته يراعيك ويسأل عنك ويتفقّدك ويعالجك العلاج النافع فتستقيم من غير كلام وتفهم بمجرّد إشارة منه فإنّ التربية بالنظر لها تعلّق كبير بالفهم عن الله ورسوله وكثرة الصبر والصفاء التام وسرعة البديهة والفطانة والتدبير والسياسة , فإنّ النفوس في أوّل مجيئها إلى الشيخ الكامل يراها على صفاتها التي أتت عليها فهناك أنفس متلوّنة كثيرة متشكّلة بحسب أشكال الحيوانات فقد يأتي إلى الشيخ من تكون نفسه في صورة أفعى ومنهم من يكون في صورة قرد أو خنزير وهكذا فإنّ النفوس وأنواعها بحسب أنواع الحيوانات لأنّها النفس الحيوانيّة فهي متشكّلة روحا بحسب ما تشكّل من أجناس الحيوانات ...وهذا أمر مخفي عن غالب القوم إلا من رحم الله

وهذا النوع من التربية له أصوله من الكتاب والسنّة وهو حال رسول الله صلى الله عليه وسلّم مع صحابته فليس فيه غير الجمال وهو الأصل , ثمّ إنّ التربية بالنظر تحتاج إلى الصبر فما رأيت في هذا الزمان أكثر صبرا من شيخنا رضي الله عنه على فقرائه , وإنّما يربّون بالنظر لأنّ هذا حال الشيخ مع ربّه فأهل النظرة في الحضرة لا يربّون إلا بالنظر فما تكلّم الشيخ أبو الحسن إلا بحسب حاله ولا يعني التربية بالنظر أنّ الشيخ لا يكلّم مريديه أو يوبّخهم , فافهم , ووراء هذا حقائق مصونة عليا .
فارس النور
عضو نشيط
مشاركات: 70
اشترك في: 15 مايو 2017 12:57
آخر نشاط: 18 يونيو 2019 16:59
مكان: دمشق
العمر: 37
اتصال:

01 ديسمبر 2017 04:25




السؤال الرابع والعشرون :

سيدي الفاضل الحبيب ورد في الفتوحات عن الشيخ الأكبر قدس الله سره ما يلي
( ان الانسان اذا تقدم فتحه قبل رياضته فلن يجيء منه رجل أبدا الا في حكم النادر , وهو مقام خطير)
والسؤال هو : لو تكرمتم سيدي بايضاح مقصد الشيخ رحمه الله في كون هذا المقام خطير ؟


حيا الله أوقاتكم وزينها بعطف المولى وحبه وكرمه ورعايته آمين

الجواب والله أعلم :

قلت : قد يكون هذا في البدء حال الشيخ الأكبر نفسه فقد ورد عليه الفتح سريعا وقد تقدّم فتحه رياضته لذا فإنّه صاحب الأشياخ بعد فتحه فقد فتح الله عليه ولمّا يتجاوز العشرين سنة فأخبر رضي الله عنه عن ذلك بذوق وحال ظاهري وباطني لذا حكم على ذلك المقام بأنّه خطير , هذا ويجب أن يعلم أنّ الكلام في هذه الأمور لا بدّ أن يكون بذوق لا بمجرّد تصوّر أو ظنّ أو حتّى مجرّد علم لأنّ المتكلّم الحقيقي وجب عليه أن يتكلّم بالصدق ولا يمكنه تحقيق ذلك الصدق إلا في مرتبة الإتّصاف بما يتكلّم فيه حالا ومقاما رياضة وجذبا وإلا فهو في عرف العارفين كاذب يقول ما لا يفعل لأنّ منشأ الحال عندنا هو الأساس فيبقى القول والفعل تابعين للحال وهذا الحال المنعوت الذي عبّر عنه العارفين في تعريفاتهم وبيّنوا وجوه نوعه وأسباب حصوله هو المقصود من السلوك لأنّه مقام ذاتي أمّا القول فهو مقام صفاتي وأمّا الفعل فهو مقام أسمائي لذا وجب التأدّب مع الأسماء والصفات فهذا حوصلة معنى الرياضة الذي يعبّر عنه ساداتنا بالسير في المقامات فالمقامات للتأدّب فتوفّى حقّها أمّا الأحوال فهي ليست مكتسبة وإنّما لها تعلّق آخر من حيث قوله ( كلّ يوم هو في شأن ) فكان الحال أو تقول بمعناه الشامل الذي هو أصله وهو الفتح متى تقدّم فإنّه يغرقك في شهود بحر الذات من غير تقدّم رياضة سابقة كما قلنا في التدرّج في المقامات فهذا لربّما يعطي صولة من الصولات تدخل الفقير في القول بعظائم الأمور التي تخالف الشريعة أي تخالف الأدب وترتيب المراتب أي معرفة الأدب في السير في عالم الأنوار أي في عالم المقامات فتعطي كلّ ذي حقّ حقّه فلا يدخلك شطح ولا زندقة لذا كان المفتوح عليه من غير تقدّم رياضة منه قد يوقعه ذلك في الخيلاء بالحقائق فيضرب بأحكام الأدب الذي هو التحقيق الكامل عرض الحائط فيسيء أدبه مع الأنبياء والأولياء لأنّه سيتجرأ على المقامات وشروطها وما يجب لها من الأدب فيسلب كما سلب إبليس من قبل لأنّه في هذه الخالة سيدّعي أشياء لغلبة الحال عليه إذ لا رياضة سابقة له لا تجوز ولا تجب إلا لله تعالى لذا من نال فتحه من غير تقدّم رياضة فيجب عليه العودة مباشرة إلى الرياضة ومصاحبة الشيوخ والأخذ عنهم وعدم الإستغناء عنهم كما فعل الشيخ الأكبر مع مشائخه الذين ذكر صحبته لهم في كتابة روح القدس وفي غيره

فمن هذا الوجه أضحى الخطر قائما على المفتوح عليه من غير تقدّم رياضة لأنّه في الأغلب سيتعرّض لإساءة الأدب سواء مع الله تعالى أو مع رسوله أو مع غيره من الأولياء أو خلق الله أجمعين لأنّ المعرفة هي مثل الماء تتلقّاها السمكة فتصبح في جوفها درّة ثمينة وتتلقّاها الأفعى فتضحى في بطنها سمّا قاتلا فوجب السلوك والرياضة على المشائخ لأنّ النفس مهما كانت يجب عليها أن تقتدي بغيرها ولا تنفرد بنفسها أبدا لأنّه متى تفرّدت أوكلك الله إليها ( أمرهم شورى بينهم ) ( وشاورهم في الأمر)

وإنّما كان الناجي في حكم النادر يشير لنفسه رضي الله عنه فافهم فيكون وحيد عصره وسيّد أهل فنّه بلا نزاع

فهذا الأصل أخبرتك عنه بإيجاز وإلاّ فالتفصيل يطول

رزقنا الله تعالى الأدب مع الله ورسوله ومنعنا كلّ ما يخلّ بذلك بجاه الحبيب وآله

فارس النور
عضو نشيط
مشاركات: 70
اشترك في: 15 مايو 2017 12:57
آخر نشاط: 18 يونيو 2019 16:59
مكان: دمشق
العمر: 37
اتصال:

07 ديسمبر 2017 11:49



السؤال الخامس و العشرون


في الفترة الاخيرة سيدي لاحظت وجود منتديات تدعو الى تعلم العلم الروحاني واهلها منتسبين لاحد الطرق الصوفية كما لاحظت تقديمهم خدمات روحانيه لمن أراد من الناس سواء كان الطالب عالم أو جاهل ولهم بالامر باع والخدمات المقدمة كثيرة ومتنوعة سواء بالاخدام والاحجار والقلادات الروحانية أو بالاقسام والدعوات لقضاء الحوائج مهما كانت وأحزاب تسخير الروحانية والاستنزال وغيرها والسؤال هو:
عرفت أحدهم ممن دخل أحد المنتديات وأخذ الاذن بقراءة أحد أحزاب التسخير العظيمة من شيخ محترف في علم الروحانية وهذا الشيخ ينتمي الى طريقة من طرق الصوفية , فهل يجوز للسالك النظر بهذه الدعوات أو الاحزاب واستخدامها والعمل بها لقضاء الحوائج ؟ وهل يجوز أخذ الاذن بهذا الشكل ؟ وما الخطر على المريد لو التفت الى مثل ذلك ؟ ولما قيل بان المربي الاخذ بذلك نجده لا يتعدى الحقيقة المحمدية أو حتى استيفاءها ؟ أرجو التوضيح والقاء الضوء على الأمر ؟



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه

أشكرك سيدي فارس النور على هذا السؤال الهامّ فإنّ السؤال المفيد تنشط له الهمم فتتصدّر للجواب لذا قال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلّم في كلّ مرّة يسألونه ( ويسألونك قل ..) أي قل بالوحي الذي سأوحيه لك بخصوص الأحكام التي سألوك عنها لأنّهم طالبون بها معرفة دينهم فما سألوك إلا وهم يريدون أن يتوجّهوا إليّ في ذلك فأجبهم بجواب من عندي لأنّه من طلبني أو طلب الطريق في التوجّه لي إلاّ وأجيبه بجواب من عندي لا يدلّه إلا عليّ أمّا في الأسئلة التي لا يسألها الناس عن شؤون دينهم بل فقط يسألونها لهوى نفس أو لمزايدة وما إلى ذلك من العلل والأسقام فقال لهم فيها ( أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ) فالسؤال محمود متى قصد به صاحبه وجه الله تعالى فالمجيب مهما كانت صفته في الطريق لا يملّ من كثرة الأسئلة لأنّه يعلم بأنّ سائلها يريد وجه الله بطرحها فهذا الفيصل الحقيقي بين الأسئلة المتكلّفة وبين الأسئلة الحالية وفي سؤال جبريل في حديث الإسلام والإيمان والإحسان خير مثال فما سأله إلا عن طريق الحضرة في مراتبها الثلاث , ثمّ أنّ السؤال لا بدّ من أن تتوفّر فيه شروط : منها أنّ السائل عليه أن يتحقّق من علم المسؤول وحاله مع الله تعالى , فلا تسأل إلا العالم العارف أمّا الغير عالم ولا عارف فلا وجه له في الجواب غير الظنّ أو أغلبه فلا يجيبك تحقيقا لذا قال له جبريل بمجرّد الجواب الأوّل ( صدقت ) لأنّ الجواب قابل حال السائل في توجهه إلى ربّه , ثمّ أنّ الجواب يكون في الحقيقة ذا علاقة بين السائل والمسؤول بقدر توجّهك إلى الله تعالى يأتيك الجواب من أهل العلم والمعرفة فيلقي الله في قلوبهم ما يصلح الله به شأنك في الدنيا والدين أمّا إذا لم يكن السائل في سؤاله مريدا وجه الله تعالى فأنّى له أن يرزق الجواب الحقيقي فضلا عن الفهم السليم لذا فالمرء يعلم أنّ قوله تعالى ( ومن أصدق من الله قيلا ) و ( حديثا ) أي ما دلّنا الله تعالى إلاّ عليه سبحانه دلالة كاملة فإنّ معنى الصدق في الحديث أنّه لا يدلّك إلا عليه سبحانه وتعالى فكان كلام الله تعالى الصدق المطلق لأنّه لا يدلّك إلا عليه سبحانه من كلّ وجه وفي كلّ وجه ومن ثمّ هكذا كلام رسله وأنبيائه لذا نقول في النبي صلى الله عليه وسلّم ( الصادق المصدوق ) لماذا ؟ والجواب ( لأنّه لا يدلّ إلا على الله تعالى ) ومن كان بمثل هذه المثابة وهو الرسول والرسل من قبله قيل فيه ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى ) فانظر قوله وتمعّن في ( ما ينطق عن الهوى ) ليس هناك هوى ولا ذرّة منه أي ليس هناك دلالة إلا على الله تعالى فإنّه لا يدلّ على نفسه قدر ذرّة فمن كان بمثل هذه المثابة بحكم الوراثة من أهل الله تعالى كانت أجوبتهم إلهاما من الله تعالى تساندها النصوص من الآيات والأحاديث أي تكون دليله ومن ليس له دليل من الكتاب والسنّة ضلّ الطريق لذا قال فيهما عليه الصلاة والسلام ( إثنان إن تمسّكتم بهما فلن تضلّوا بعدي أبدا كتاب الله وسنّتي ) فمن دلّك على غير الله تعالى فقد غشّك وهذه الدلالة تستوجب شروطا منها : معرفة وجه الدلالة أي معرفة من تدلّ عليه وما تستوجبه حقائقه وإلا فإنّك ما دللت عليه حقيقة

فهذا تمهيد سريع سيدي على سؤالك الذي نشطت في الإجابة عليه والآن سأشرع في كتابة الجواب إن شاء الله تعالى
فارس النور
عضو نشيط
مشاركات: 70
اشترك في: 15 مايو 2017 12:57
آخر نشاط: 18 يونيو 2019 16:59
مكان: دمشق
العمر: 37
اتصال:

07 ديسمبر 2017 11:51


الحمد لله

سيدي ليعلم أنّ قاضي الحاجات جميعا في الدنيا والآخرة هو الله تعالى فمن توكّل عليه وأناخ مطاياه بين يديه يوشك أن يفتح عليه فيصلّي على الكون بأسره صلاة الجنازة فيتلوه شاهد منه في حاله ومقاله وأفعاله فهذا منهاج الصالحين من الأنبياء والمرسلين والعلماء العارفين والأولياء أهل اليقين فلا يتسرّب لهم شكّ ولو مقدار لمحة في قدرة الله تعالى وفضله وفي قربه ورحمته وأنّ الله يدافع عن الذين آمنوا وهو مع المحسنين.

فأهل الله تعالى لا يلتفتون لغيره فلا يطلبون العون إلاّ منه ولا قضاء حوائجهم إلاّ منه وهذه المرتبة هي المرتبة الأصلية فهي منشور الولاية وعلامة الصلاح والهداية فهذا عنوان التوحيد الذي أمر الله به تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلّم.

أقول لقد وقعت مخاليط ومغاليط في بعض القضايا ومنها هذه القضيّة التي هي قضيّة قضاء الحاجات الدنيوية والدينية فغلط قوم في ناحية وغلط قوم آخر في ناحية أخرى نقيضها ومنشأ كلّ هذا نقص الفهم عن الله ورسوله وذلك بنقص التوحيد وفهمه , فالتوحيد ليس قولا مجرّدا عن حقائقه , وليس خلط في الأمور والشؤون وسأفسّر ذلك بالمتاح عندي من العلم.

نقطة أولى : الذين راموا قضاء حوائجهم وذلك بإستعمال علوم الروحانية وتسخيرها في تصريف شؤونهم الحياتية فإنّهم على خطر كبير لأنّهم يدلّون الخلق على غير الله تعالى بل إنّهم يدلّونهم على الطريق لإنقاص توحيد الخلق وخاصّة العوام منهم الذين لا ذنب لهم لتفشّي الجهل فيهم غاية التفشّي.

أو تقول : إنّ أصحاب هذا الأمر يقطعون الطريق بين الخالق والمخلوق فيفصلون من حيث لا يشعرون بين الأسباب والمسبّب حتى تكبر الأسباب في نظرهم ويعظم ذلك المشهد فيقلّ إيمانهم بالغيب وبفعل الله تعالى وبقدرته الأزلية وبرحمته وبقربه وبإستجابته للدعاء وبأنّ أمره بين الكاف والنّون , أو تقول : بأنّهم يريدون أن يفصلوا الصفات عن الذات وهذا في حدّ ذاته من أعظم سوء الأدب مع الله تعالى.

لأنّه أوّل من أراد فصل الصفات عن الذات هو إبليس لعنه الله وذلك في قوله ( أنا خير منه ) فهذا القول منه فساد يريد به فصل الحقائق عن بعضها البعض وفصل المراتب عن بعضها البعض فيضحى التوحيد عنوانا من غير حقيقة إذ لا يمكننا أن نتذوّق علوم التوحيد فنعرفها إلا بربط الحضرات بعضها ببعض فنقول : أنّ الله تعالى واحد في أفعاله , واحد في صفاته , واحد في ذاته , فهذا معنى الخلافة التي في الأرض والتي أختصّ بها الإنسان.

فهذا العلم أي علم الروحانيات والتسخير هو أقرب للشيطنة من غيره من العلوم لأنّه مختصّ بعالم الروحانيات وأنت تعلم أنّ عالم الروحانيات هو عالم جنّي وأنت تعرف أنّ إبليس كان من الجنّ ففسق عن أمر ربّه فهو عالم قريب من الجنّ أكثر منه من الإنس لأنّ العالم الإنسي عالم ربّاني وعالم الجنّ عالم روحاني وعالم الروحانية فيه إبليس لأنّه من جنسه .فافهم . بخلاف العالم الإنساني المقول فيه ( خلق الإنسان علّمه البيان ) أمّا في العالم الروحاني فقد قال ( إنّ إبليس كان من الجنّ ففسق عن أمر ربّه ).

فالآن يمكننا أن نعرف الفرق بين الإنسان الخليفة وبين الشيطان العدوّ , فأنت تعرف أنّ الحرب في حقيقتها سائرة ودائرة بين آدم وذرّيته وبين إبليس وذرّيته , ونحن نعلم أنّ إبليس من الجنّ وأنّ ذرّيته أيضا من الجنّ , فعليه وجب أن نأخذ حذرنا من هذا العالم وفي هذا العالم لما علمنا أنّ هذا العالم يحتوي الخبيث والطيّب فهو محلّ الشبهات ( فاتّقوا ما تشابه منه ) ( وأمّا الذين كفروا فيتّبعون ما تشابه منه إبتغاء الفتنة ) فافهم ( والفتنة أشدّ من القتل ) فافهم.

لذا فوقوفنا على معرفة هذا العالم يجب أن يبدأ من الحذر منه وفيه لما علمنا أنّه عالم مختلط فيه من التلبيسات ومن الأوهام والخزعبلات ما لا يخفى على كلّ موحّد فهو عالم خطير وذلك نجده في قوله تعالى (إنّه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ) فانظر قوله ( هو وقبيله ) أي يراكم قبيله بعينه هو أي بعين الشيطان لأنّ محلّ نظر الشيطان وغوايته واقع على هذا المخلوق فلا يرانا إلا في صورة آدم وكذلك قبيله فيروننا في صورة أبناء آدم , وأنت تعلم أنّ إبليس معنا موجود في الأرض ولا يموت إلا يوم القيامة.

وقد كان في الجنّة مع أبينا آدم وكان مأمورا بالسجود فكان في صفّ الملائكة ومن ثمّ أنزل إلى الأرض ومن ثمّ عاين وشاهد أغلب أحداث الأنبياء والمرسلين وأغلب قصص الأمم وحضر كلّ الحروب فيما بين أهل الكفر وأهل الإيمان وهو الذي كلّم الله تعالى فزمجر وتوعّد وأساء الأدب غاية الإساءة فحلّت عليه اللعنة فهو ملعون لعنة أبدية فبقدر سريان هذه اللعنة فيه يسري فيه الإغواء والضلالة فهو متحزّم في كلّ مكان وزمان فيدخل على كلّ قوم بما يناسبهم لأنّه خبير بالمقامات والأحوال وبالسلوك وخبير بالنفس وأمراضها.

لذا فلا نجاة لنا منه أصلا إلا بالله تعالى فكلّ من إتّخذ طريقا غير طريق الله تعالى فلا نجاة له من الشيطان أصلا وهذا قد أوضحه رسول الله صلى الله عليه وسلّم لمّا خطّ خطوطا على الأرض وخطّ خطّا واحدا فقال ( هذا صراط الله المستقيم ) أمّا ما عداه فهي سبل الشيطان وعليه فهمنا أنّه لا سبيل لنا إلا سبيلا واحدا وهو سبيل الله تعالى.

فكانت سطوة الشيطان كبيرة متى نقص توحيدنا أي توجّهنا إلى الله تعالى فعلى قدر هذا الضعف في التوجّه يكون إغواء الشيطان لنا ثمّ يجب أن يعلم بأنّ أخطر عالم يمكن للشيطان أن يحاربك فيه فلا تنتصر عليه هو عالمه هو وهو عالم الروحانيات لأنّها أرضه وداره , فإنّ الشيطان عندما يأتيك في أرضك فسريعا ما تقضي عليه وتنتصر عليه فلا يلبث بل يولّي هاربا وله ظراط أمّا متى ذهبت أنت إليه إلى داره فأنّى تنتصر عليه وأنت حالّ في رحابه بل جئته باحثا عنه مناديا له في مختلف أطواره ثمّ تريد النجاة والسلاك منه فهيهات أن يتحقّق هذا وقد قال الله تعالى لنا ( ولا تتّبعوا خطوات الشيطان ..الآية ) فما بالك متى ذهبنا نحن بإنفسنا إليه فإنّ الآية تنهانا فقط عن الإقتداء به فما بالك بطاعته والدخول إليه.

أقول : إنّ الذين دخلوا في هذا العالم ممّن يحسبون ويعدّون من أهل الصوفية وممّن ينسب نفسه لأهل نسبة الله تعالى فهو كاذب على الله ورسوله فما كان هذا قطّ طريق الله ورسوله ولا أمرنا الله به ورسوله.

هذا وسنفصّل هذه الأمر حتى ندلّ الخلق على الله تعالى :

- سنفصّل معنى التفريق بين الذات والصفات في هذا وما هو الخطأ التوحيدي في هذا الذي هو أسّ الخطأ وحضرته ومنه كان ما كان (و يريدون ان يفرقوا بين الله ورسله ) وستناول في هذا المبحث التوحيدي في علوم المعرفة وسنذكر زلل الوهابية في هذا وخطأهم الواضح في التوحيد لشبهات وقعت في عقولهم.

وكذلك خطأ الروحانيين في ذلك فإنّ الوهابية إنّما عنوا في إنكارهم هذا الوصف أي عنوا الروحانيين في قضاء الحاجات فإلتبس عليهم الأمر من حيث الصفات فنسبوا ذلك إلى أهل الله تعالى فظنّوا بشرك من يستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلّم فهذه مباحث توحيدية سنبحثها ونبيّن مغاليط القوم ونقصهم في فهم التوحيد وسنذكر حضرات كلّ متربة وما تعطيه تحقيقا

- سنفصّل الفرق بين قضاء الحاجات عن طريق الشريعة والحقيقة وأنّ قضاءها يكون بالله بداية وهذا يشتمل أمرين : الأوّل قضاء الحاجات بلا واسطة , والثاني : قضاء الحاجات بوسائط يحبّها الله ورسوله كالتوسّل ..وما جرى في معناه.

- سنذكر أخطاء الروحانيين وأن المذهب الروحاني بعيد عن الإتصاف بالتصوّف والسلوك.

- سنذكر بعض أضرار الأحزاب الروحانية في التصريف الروحاني وما ضرر ذلك على الموحّدين وما هي مداخله من حيث تسلّط الشياطين.

- سنذكر كيفية تأليف هذه الأحزاب وعلومها من حيث الوهم والتسخير وأنّها مذمومة بكلّ وجه وكاتبها يستتاب وسنذكر مناحي العلماء في ذلك وبنسبة بعض الكتب إليهم كذبا وعمدا.

- وسنختم بحول الله تعالى فصلا في دلالة الخلق على مولاهم وحبيبهم وأنّ الكون مسخّر للإنسان من غير تسخير منهم ولا تصريف وكيفية فعل الله تعالى في ذلك من حيث التقوى وسنعطي مشارب ذوقية وخمرات توحيدية إن شاء الله تعالى ....إلخ

يتبع ....
فارس النور
عضو نشيط
مشاركات: 70
اشترك في: 15 مايو 2017 12:57
آخر نشاط: 18 يونيو 2019 16:59
مكان: دمشق
العمر: 37
اتصال:

07 ديسمبر 2017 14:17


الحمد لله الهادي عباده إلى سبيله القويم

وبعد:

هناك أصل أوّل يجب معرفته فعليه أساس الأمر كله:

وهو أصل الإيمان بالله تعالى فإنّه أساس كلّ شيء وهذا الإيمان ينقسم إلى نوعين : النوع الأوّل : محمود والنوع الثاني : مذموم
والمقصود بأنّ النوع الأوّل هو إيمانك بالله تعالى وبكلّ ما أخبر به ( إذ أنّه التحقيق ) بحسب ما طلبه الله منك في هذا الإيمان , أي أنّك تؤمن بالله تعالى بحسب مرادات الله تعالى في هذا الإيمان بمعنى أنّك تؤمن به بحسب ما أراده هو منك في هذا الإيمان وليس بحسب ما تريده أنت في هذا الإيمان لذا لمّا طلب سيّدنا موسى عليه السلام من فرعون الإيمان بالله تعالى قال له فرعون (قال فرعون وما ربّ العالمين) قال له موسى (ربّ السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين) فدلّه على مقام الإيقان فما قال له (إن كنتم مومنين) بل قال له (موقنين) لأنّ فرعون طلب الحقيقة (وما ربّ العالمين) من غير إيمان فأوضح له موسى أنّ الحقيقة التي طلبت فهمها لا يمكنك فهمها إلا متى وصلت إلى مقام الإيقان وهذا لا يمكن حصوله لك إلا بالإيمان وهو الذلّ لله تعالى وعبادته ومجاهدة نفسك حتى تضحى عبدا ربّانيا خالصا ليس لك من أحوال هوى نفسك من شيء وإن كان فإنّك تعالجه في الحين فالإيمان أوّل الدرجات كما أنّه أعلى الدرجات لأنّ الإيقان وليد الإيمان وكذلك الإحسان وليد الإيقان فهذه الأركان كلّها ترجع إلى دائرة الإيمان فإنّ الإيمان بالله تعالى ليس له نهاية فهو مركز ومحور الوجود فمن لا إيمان له فلا معرفة له ولا حقيقة له لأنّ الإيمان هو الحقيقة فبقدر ترقّيك في هذا الإيمان بقدر ترقّيك في مدارج الحقائق والفهم والتوحيد لأنّ العلم إنّما وضع (الرحمان علّم القرآن خلق الإنسان علّمه البيان) لمعرفة الخالق جلّ وعلا فإنّ العلم لا يدلّ إلاّ عليه فمن لم يدلّه علمه عليه فعلمه مسلوب النور الإلهي فأضحى شيطانا مريدا أي ذلك العلم فعلم الروحانيات لا يوجد فيه نور التوحيد بل يوجد فيه مظنّة الشرك بالله تعالى وهنا وهنا قبل أن نأتي على ذكر الروحانيات نطرح هذا السؤال ليتفكّر فيه القوم : (هل تعلّم هذا العلم أي علم الروحانيات من حيث التسخير وقضاء الحاجات يدلّ على الله تعالى أم لا ؟؟؟ )

أمّا النوع الثاني فهو النوع المذموم وهو أنّك تؤمن بالله تعالى بحسب مرادات نفسك وهواها أي أنّك توظّف هذا الإيمان بحسب موافقة نفسك أو عدمه عليه وفي هذا الإيمان يدخل جميع أهل الكفر والضلال من الأوّلين والآخرين وجميع أهل البدع في العقائد بصفة أدنى , فالمؤمن في هذه الحالة وإن آمن بالله تعالى فإيمانه في حقيقته جهل بالله تعالى بل هو إيمان بحسب طريقة إبليس في هذا الإيمان فإنّ إبليس ما كفر لأنّه جحد وجود الله تعالى بل كفر لأنّه نازع هذا الربّ شؤونه وأوامره , فالسؤال الثاني (هل طلب منّا الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلّم تعلّم علم تسخير الروحانيين وتصريفهم في قضاء الحاجات النفسية ؟؟؟ أم أنّه سبحانه قاضي الحاجات فسألنا أن ندعوه هو) (ولا ننادي على ملوك الجنّ لنستخدمهم في قضاء حوائجنا؟؟؟ ) فهل نادى إبراهيم عليه السلام ( جمهروش ) لينقذه من النار؟؟؟ بل هذا جبريل وهو رئيس الملائكة وما وافق سيّدنا إبراهيم عليه السلام أن يقضي له حاجة رغم أنّ الله تعالى هو الذي أرسله إليه ؟؟؟ فهلاّ سألنا أنفسنا في يوم من الأيّام لماذا رفض إبراهيم عليه السلام أن يقضي حاجته جبريل ؟؟؟ وهل وصلت إلى الإجابة وأقنعتك ؟؟؟ فهل نادى محمد رسول الله على ملوك الجنّ ليقضوا حاجته الدنيوية في همّ الرزق لمّا شدّ الحجر على بطنه من الجوع أم أنّه إستغاث بملوك الجنّ وإستخدمهم بالأسماء العظام في غزوة بدر ليغيثوه أم أننّا لا نقرأ في قوله تعالى (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ) وسنتكلّم في علوم الإمداد عند الإلتجاء إلى الله تعالى (فهذا تمهيد أمهّد به)

كنت العبد الضعيف في صغري أصابني مرض غريب فكان شيء يسري فيّ وفي قلبي فكنت وأنا صغير أقفز أجري من شدّة سريان ذلك الأمر في عروقي فأدور في الحيّ وأنادي بأعلى صوتي : لا إله إلا الله – لا إله إلا الله – لا إله إلا الله , أنادي بأعلى صوتي فما مرّ في فكري ولا جرى على بالي وقتها بأنّه هناك أحد من الناس يحسن أن ينجيني في تلك اللحظة غير الله تعالى , فوالله ما جنيت من وراء هذا غير أمور حسان كمعرفتي بالطريق وهدايتي إلى الله تعالى فبعد ذلك الصراخ والنداء إجتباني الله تعالى وهداني إلى طريق السادة الكرام فإنّ العبد الفقير لا يدلّ إلا على الله تعالى وهكذا أوصانا سبحانه وتعالى لأنّه من دلّ على غيره فقد خاب وتعس وكنت فيما مضى أشتكي إلى شيخي حوائجي فيقول لي ألا تجد شيئا في الكتاب والسنّة إقرأ سورة يس فإنّها لما قرئت له وهكذا كان يعلّمني كيف ألتمس أبواب قضاء حوائجي عن طريق المنهاج المحمّدي فما دلّني قطّ على جنّ ولا تسخير ولا تصريف أبدا وسنأتي على كلّ هذا بالتفصيل

فالعقيدة الصحيحة تقول بأنّه : لا فاعل إلا الله ولا خالق ولا رازق إلا الله ولا نافع ولا ضارّ إلا الله تعالى ولا كاشف كروب ولا قاضي حاجات إلا الله تعالى لأنّه الفاعل سبحانه فلا فاعل معه سواه ولا مانعا أو معطيا معه سواه , فمتى تحقّق هذا الأصل وإنعقد في القلب إعتقادا جازما فسّرت جميع الأمور الحادثة بحسب مقتضيات هذا الإيمان فلا ترى في الكون حقيقة فاعلا ولا رازقا ولا نافعا ولا ضارّا إلا الله تعالى ففي هذه الحالة الأولى وهي الأصلية تصبح الأسباب في نظرك لا حول لها ولا قوّة إلا بالله فهي في هذا مثلها مثلك عاجزة ضعيفة فقيرة من كلّ وجه فهذا الباب من الإيمان وهو أوّل باب يجب الإعتقاد به والجزم به على الوجه الكامل فمتى كان هذا كانت جميع الأمور التي تعتزمها أدبا ومادّة يسري فيه هذا الإيمان فتحفظ بذلك سرّ التوحيد في قلبك فلا يعترضك شبهة ولا ميل ولا ملل ولا كلل في هذا الإيمان إذ أنّه يضحى روح حياتك وأنفاسك الذي تعيش به فتعترف بالحقيقة التي تقول (أإله مع الله) والتي تقول (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهْوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) قتثبت على هذا الأصل ثباتا تامّا (يا مقلّب القلوب ثبّت قلوبنا على دينك) أي في أركانه الثلاثة بمعنى أن تثبت على هذه العقيدة في مقام الإسلام متى كنت من أهل الحجاب , ثمّ تثبت عليها في مقام الإيمان (يا أيّها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله) ثمّ تثبت عليها في مقام الإحسان (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون)
فالمؤمن من حيث هو مؤمن لا يلتفت أصلا إلا إلى حقائق هذا الإيمان فيضحى أغلى عنده من أبنائه ووالديه وماله بل وأغلى عنده من الإنس والجنّ لأنّه من أراد أن يبيع هذا الإيمان في أي سوق كان بثمن زهيد فإنّه قيل فيه (يصبح مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل)

يتبع ..
فارس النور
عضو نشيط
مشاركات: 70
اشترك في: 15 مايو 2017 12:57
آخر نشاط: 18 يونيو 2019 16:59
مكان: دمشق
العمر: 37
اتصال:

07 ديسمبر 2017 16:31



الحمد لله العليم الحكيم
والصلاة والسلام على المرسول رحمة للعالمين وآله كواكب أمن البريّة وصحابته سفينة السلامة والنجاة

وبعد:


نكمل إن شاء الجواب بما يتيسّر على السؤال السابق:

إعلم سيدي فارس النور حباك الله بفضله وأتمّ عليك دوام الفرحة والسرور , أنّ سؤال قضاء الحاجة من الحاجات في الدنيا أو الدين يكون بين أمر من أمرين إمّا أن تقضيها بالله تعالى فتكون في حقّ العبد تيسيرا وفرجا وقربة من الله تعالى وإمّا أن تقضيها بمعزل عن التوجّه إلى الله تعالى في قضائها فتكون تعسيرا وبعدا عن الله تعالى فليست الحاجة في حقيقتها بمعزل عن هذه النتيجة لأنّ الأشياء مهما كانت في حقّك إمّا أن تكون قربة إلى الله تعالى وإمّا أن تكون بعدا وإدبارا عن الله تعالى , فليس المقصود ولا المهمّ الفوز بقضاء الحاجة والفرح بذلك بقدر ما يكون الفرح بقضائها بطريقة يحبّها الله ورسوله صلى الله عليه وسلّم , إذ أنّ المدد الرباني من التوحيد والمحبّة والقربة والطاعة يسري في كلّ شيء فعلته باسم الله تعالى فلا يسأل أحدنا قضاء حاجته إلا عن طريق الله تعالى حتى يكسبه ذلك مددا في دينه ومعرفة بربّه وما هي عليه حقائق الأمور , من هنا إفترق الناس في سبل قضاء حوائجهم , فمن الناس لا يكون همّه إلا قضاء حوائجه النفسية بغضّ الطرف عن الكيفية والأسلوب وبغضّ الطرف عن إستشعار الإيمان والكفر أو الحلال والحرام لأنّ النفس خسيسة لا يهمّها غير الفوز بمرغوبها والشيطان لا يهمّه في كلّ هذا غير إبعاد العبد عن نسائم الحضرة من التوحيد والمعرفة والقرب من الله تعالى لذا إستعمل الشيطان لعنه الله تعالى في محاربة بني الإنسان طرقا ثلاثة:
الطريق الأوّل : محاربتهم في التوجّه إلى الله تعالى عن طريق الأسماء في عالم المادة والظهور
الطريق الثاني : محاربتهم في التوجّه إلى الله تعالى عن طريق الصفات وهذا باب الإعتقاد من حيث الضرّ والنفع وهو مجال دخول الشرك والكفر والعياذ بالله تعالى
الطريق الثالث : محاربتهم في التوجّه إلى الله تعالى عن طريق القعود في طريق السالكين حتى لا يصلوا إلى تلك المرتبة فينجون منه ومن تلبيساته

فإنّه متى لم يتمكّن منك في الطريقة الأولى فحاربته بالشرع وذلك بالإستقامة على الشرع والطاعة إنتقل معك إلى الطريقة الثانية فمتى لم يتمكّن منك في هذا الطريق الثاني وذلك بالسلوك والتخلية والتحلية إنتقل معك إلى الطريقة الثالثة فمتى لم يتمكّن منك في هذا الطريق الثالث وذلك بالعبودية التامة الكاملة إعتزل بعيدا يبكي وحثا التراب على رأسه فليس يغيظ الشيطان أحد من العباد أكثر من غيظه من أهل الله تعالى

قلت : بالنسبة للوهابية عندما ينكرون على أهل السنّة مسألة التوسّل بالأنبياء والأولياء والإستغاثة وما جرى مجرى هذا فذلك لخلطهم الكبير بين عالمين وهما : العالم الربّاني والعالم الروحاني ففي هذه المسألة إختلطت عندهم الأمور فخلطوا بين العالمين فحملوا الربّانية على الروحانية فإنّ كلّ ما هو من جنس الشرك المذكور في القرآن كعبادة المشركين للأصنام وإعتقادهم فيها وأنّها إله مع الله تعالى إنّما سببه عالم الجنّ والشياطين وعالم الروحانيات بأسره فليس هناك من العالم الربّاني شيء في ذلك فصار هنا الخلط عندهم فلم يميّزا هذا عن ذاك , فحملوا التصريف بالجنّ والروحانيين بصفة عامّة على التصريف بأسماء الله تعالى التي هي من شؤون أهل الله تعالى أو تقول من شؤون التوحيد وهناك فرق شاسع واسع بينهما كما لا يخفى على المحقّق من الناس
نعم هذه أمور دقيقة متى يتناولها المرء بالتفصيل لكنّها تبقى أمور واضحة بالنسبة لأهل الإيمان من حيث الإعتقادات وأنّه لا إله إلا الله ولا فاعل إلا الله ولا نافع ولا ضارّ إلاّ الله تعالى

بالنسبة للعالم الروحاني هو عالم لطيف إذ أنّ الجنّ والشياطين مخلوقات لطيفة أي أنّها أرواح لطيفة أثيريّة تسري في الكون بحسب حقائق خلقتها فلها علمها الخاصّ من حيث هذا السريان , فالفقير الصوفي أو تقول المؤمن من حيث أنّه مؤمن كلّما توجّه إلى ربّه وذكر الله تعالى وحافظ على فرائضه ونوافله تلطّفت روحه بحسب هذا التوجّه فكلّما تلطّفت روحه أضحى قربه من العالم الروحاني كبير لأنّ العالم الروحاني هو العالم الآخر أي العالم الثاني الذي لا نراه قال تعالى ( إنّهم يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ) فهذه الآية صريحة في أنّ الشيطان يرانا من حيث لا نراه , لذا فالروح كلّما تلطّفت أصبح إتّصالها بهذا العالم أقرب وأصبحت حقائق هذا العالم متبرّجة لها , لذا فإنّك ترى الكثير من الذين لا يخشون ربّهم يصلّون ويصومون ويقرؤون القرآن فيعتزلون في الخلاء ويدخلون الخلوة تحت الأرض وذلك من أجل أن يتّصلوا بهذا العالم الروحاني حتّى يصاحبوا الجنّ والشياطين فيضعون معهم اليد في اليد فيخدمونهم ويستخدمونهم وهذا ما يسمّونه بتسخير الأرواح أي أنّه يستطيع أن يصبح صاحب جاه ومركز في هذا العالم وليس هذا التوجّه عندهم في الذكر مقصود به وجه الله تعالى بل مقصودهم الإتّصال بهذا العالم أي عالم الجنّ أو ما يسمّونه بعالم الروحانيات من هنا صار الفراق بين أهل الله تعالى الذين وإن كاشفهم الله تعالى بهذا العالم وعلموا حقائقه فألّفوا فيه كتبا ليحذّروا الناس من ذلك لذا أجاز بعض العلماء أن يكون تعلّم هذا العلم فرض كفاية أي يتعلّم أحد المسلمين هذا العلم ليحذّر الناس منه وليكشف السحرة فيتصدّى لهم حتى لا يفسد على العوام دينهم أمّا غيرهم فلا وإنّما يؤلّفون تلك الكتب ليهلكوا الناس بذلك فهم إخوان الشياطين وقد سمعت شيخنا يقول في عبد الفتاح الطوخي الذي يدّعي زروا وبهتانا أنّه من الطريقة النقشبندية بأنّه شيطان من هنا سيّدي نعلم كيف تؤلّف تلك الأحزاب وكيف تنمّق بحسب ما يعطيه النظر هناك أي بحسب حقائق ذلك العالم والمثال في الشاهد في كوننا هذا أنّك متى أردت إستخراج صنعة أو مركّب أو تستعمل شيئا من الأشياء وجب عليه أن تكون داريا بعلم ذلك الشيء حتى يكون ويخرج بحسب ما تريده أنت وهكذا فإستعمال أي شيء عليك أن تقرأ دليله كي تعرف كيف تتحكّم به , وهكذا هنا الأمر في هذا العالم وبحسبه تكون إستخراج تلك الأحزاب وقراءتها لتستحضر الجنّ والشياطين فيخدمونك ويقضون حاجتك كيفما تريدها لأنّه علم روحاني أكثر ما يختصّ بالنفوس والأرواح وهذا كلّه في الشريعة يسمّى ( علم السحر ) وليس كلّ من دخل في هذا العالم أو طلبه يكون خرّيج مدرسته بل قد يكون ليس له من معرفة هذا شيئا لذا ترى كثرة التدجيل في هذا الزمان فكلّ الناس تدّعي معرفتها بعلم الروحانيات والتآليف في ذلك يعبّرون عنها ( بالكتب الصفراء ) ولتعلم بأنّ أغلب الناس اليوم غارقون في هذا فيسحرون بعضهم البعض ليهلكون بعضهم بعضا ( ويتعلّمون ما يضرّهم ولا ينفعهم ) وقد قال تعالى ناهيا عن هذا كلّه (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) فتعلّم هذا العلم الروحاني حرام على العوام وعلى المسلمين أمّا إستعماله فكفر وقد قال صلى الله عليه وسلّم ( من سحر فقد كفر ) لأنّ الله تعالى يقول (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ) وقد قال تعالى على لسان موسى (ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين)

قلت :

لا فرق في هذا بين مسلم وكافر لأنّ تعلّم السحر وإستعماله ليس مختصّا فقط بالكافرين بحسب أذكارهم بل يشاركهم في ذلك أيضا الكثير من المسلمين في هذا الزمان أو الذين يدّعون بأنهم مسلمون وكذلك من الملل الأخرى وأصحاب الديانات الأخرى كلّ بحسب طلسماته وتلاواته الكفرية فلا تظنّ أنّ تعلّم هذا العلم خاصّ بالكافرين بل يشاركهم غيرهم لذا فلا يغرّنك ما تراه من المسلمين من تلاوتهم للقرآن وصلاتهم وزكاتهم فإنّ هذا لا ينفي عنهم متى فعلوا هذا علم السحر أو الإنقياد للشياطين إلاّ أنّ هؤلاء قد يغفر الله لهم متى تابوا لأنّهم مسلمون وإن كان إسلامهم قد لا يقول به البعض من العلماء لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم يقول ( من سحر فقد كفر ) فهو كافر بنصّ الآية والأحاديث , هذا وقد ورد في الحديث ( من أتى عرّافا أو كاهنا فصدّقه فقد كفر بما أنزل على محمّد ) وقال ( لا تقبل منه صلاة ولاصيام ) هذا لتعلم بأنّ ما أنزل على محمّد صلى الله عليه وسلّم ليس فيه من السحر ومن الروحانيات الظلمانية من شيء بل هو النبيّ الربّاني العبد الصمداني صلى الله عليه وسلّم

قلت :
فالأحزاب التي تتناول في طيّها ذكر أسماء سريانية لبعض ملوك الجنّ هي من علم السحر ولا يشفع لقائلها أو مؤلّفها أنّه من أهل الطريقة بل لا يلقى بالا لهذه الأحزاب مهما كان مصدرها بل ولو جاءتنا من قطب الوجود فإنّ كلّ هذا إّتباع سبيل غير الله تعالى وهذه أمور تخالف الكتاب والسنّة وصريح النصوص فلا تأويل فيها بوجه وهذا الأمر متى تحدّث عنه الوهابية فقد صدقوا فيه وهم مشكورون على ذلك إلا أنّ خلطهم بين هذا العالم والعالم الربّاني هو المصيبة التي دفعتهم للهلوسة من كلّ شيء فأضحى الإيمان وصريحه شركا عندهم فدخل عليهم الشيطان من حيث أنّهم أرادوا أن يهربوا منه فغاب عنهم تفصيل المراتب و معرفة حقائق المعرفة وما تعطيه حضرات العلوم

وسنفصّل إن شاء الله تعالى المزيد في هذا من حيث قضاء الحاجات حتّى نميّز الخبيث من الطيب والسنّة من البدعة والإيمان من الشرك

يتبع ...
فارس النور
عضو نشيط
مشاركات: 70
اشترك في: 15 مايو 2017 12:57
آخر نشاط: 18 يونيو 2019 16:59
مكان: دمشق
العمر: 37
اتصال:

03 فبراير 2018 02:04

ننتظر التكملة سيدي فارس النور
ماهر بركات
عضو جديد
مشاركات: 28
اشترك في: 29 إبريل 2017 12:28
آخر نشاط: 24 إبريل 2019 22:07
مكان: السعودية
اتصال:

03 فبراير 2018 10:04




بارك الله بكم سيدي ماهر بركات أشكركم على متابعتكم لموضوع الأسئلة ولاجابات سيدي علي الصوفي أكرمه الله
الحقيقة سيدي ماهر أن الأسئلة كانت الغاية منها إفادة طالب السلوك الى حضرة ملك الملوك واعانته بالمعلومات المهمة لذلك
الأسئلة سيدي اختصرناها الى المهم و الأهم وتركنا التي فيها مبالغة في طرح السؤال مني ولم ننقلها
أما سيدي ان كنت تقصد متابعة اجابة السؤال الأخير فهذا ما وصلنا من سيدي علي الصوفي المبارك من اجابات وتوقف عند الحد الذي اكملت نقله
أكرمكم الله سيدي ماهر أنت وكل السادة المتابعون لهذا الموضوع
فارس النور
عضو نشيط
مشاركات: 70
اشترك في: 15 مايو 2017 12:57
آخر نشاط: 18 يونيو 2019 16:59
مكان: دمشق
العمر: 37
اتصال:


العودة إلى “الاسئلة و الاجوبة”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 0 زائر