رياض الواصلين >> الاسئلة و الاجوبة >> المسك والعطور في أسئلة فارس النور

23 إبريل 2019 19:40


لو فرضنا سيدي أن شخصا دخل الطريق وأذن له بالذكر ولكن كان سيره منذ بدايته معلول من حيث كونه سيرا نفسيا يريد ويقصد به مطامع وحظوظ وغايات فهل يوصله ذكره أن يقطع من الطريق شيئا أو أن يصل مراحل معينة فيه بغض النظر أننا نعلم أنه سيمكر به , حيث أن السؤال الذي يتبادر للأذهان هل يقطع من الطريق شيئا ويصل إلى نقطة ما ولا أقصد هنا تحصيله الحظوظ التي يتمناها إنما تقدمه إلى الامام إلى نقطة معينة من الطريق نفسه , أم أن هذا السير النفسي المعلول منذ البداية لا يحركه أبدا ولا يمشي به ولا خطوة ؟ وامر آخر هل من الممكن أن يرى الشيخ المربي مريدا من مريديه فيه هذا السير المعلول فيتركه على ما هو عليه أم يساعده بطريقة أو بآخرى ليتخلص من هذا العلة أم أن المكر الالهي إذا حل بأحدهم فلا يسمح للشيخ بالتدخل فيه أو انقاذه لربما لسبب ما قد يكون مثلا قلة آدب المريد ؟

جزاكم الله خيرا سيدي فارس النور وبارك فيكم
يجب علينا بداية معرفة أن ذكر الله تعالى صقالة للقلوب ومطهرة للنفوس وتزكية لها من العلل والأمراض القلبية كالكبر والحقد والحسد والشح والبخل والجبن والنفاق ..الخ

إنما شرع الذكر لتطهير الإناء الذي هو القلب لقوله تعالى { الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } أي تطهر وتتزكى إلى أن تتنور وتطمئن

قال عليه الصلاة والسلام :
( إنَّ لكل شيء صقالة وإن صقالة القلوب ذكر الله وما من شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله قالوا ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله إِلَّا أَنْ يَضْرِبَ بِسَيْفِهِ حَتَّى يَنْقَطِعَ )

الغاية من ذكر الله هي تطهير القلب وتزكيته من العلل والأمراض والحظوظ حتى يتنوّر ويطمئن فلهذا الأمر شرّع الذكر كبداية
لأن البداية تكون بحسب ما بينته الحكمة العطائية التي تقول ( لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك فى وجود ذكره ) وهذا حال العوام من المسلمين فمنهم الغافل عن وجود ذكر الله أي لا يذكره ولا يجري ذكره تعالى على لسانه إلا ما قل وندر فهذا غافل عن ذات الذكر ومنهم الغافل مع وجود ذكره لله تعالى ويدخل في هذا كثير من عامة الملتزمين المتدينين

ومن الخاصة كثير من الفقهاء وعلماء الظاهر رغم جلالة علمهم ونفعهم للخلق وكذلك عامة المريدين السالكين وهؤلاء جميعا ورد فيهم قوله تعالى { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ } فما طالبهم هنا بوجود الذكر بل بوجود الخشوع فيه لذلك فلا يعين على الخشوع شيء أكثر من ذكره تعالى لأن الذكر الصادق يقطع دابر الخواطر فالذكر نور والصدق سيف

ثمّ بعد ذلك يترقى السالك في مراتب الذكر ومنازله ضرورة لأن الطريق طريق سير لا طريق وقوف أو قعود كما قال القاعد الذي يعمل على تثبيط غيره إبليس لعنه الله تعالى { لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ }
معنى القعود هنا القعود عن السير والسلوك حتى لا تتعلق همة المؤمن بصدق التوجه إلى إرادة وجه ربه يساعده في ذلك لما يجده ويتحسسه في النفوس البشرية من علل وحظوظ وأمراض فتلك أبواب مداخله وعن طريقها يدعو النفوس فتستجيب له
{ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ }
الشاهد كونه وسوس لنا بحظّ الخلود ونحن جميعا في صلب آدم { وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ }
فيكون الترقي في مراتب ومنازل الخشوع في الذكر كما قال بعد ذلك في الحكمة :
( فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة )
ثمّ وهو الأرقى ( و من ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور )
ثم الحالة الأعلى والأكمل ( و من ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع غيبة عما سوى المذكور ) لكون هذه المرتبة الأخيرة راقية وقليل أهلها ختم في آخر الحكمة بالآية { وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ }

لما في هذه الآية من شواهد القدرة الإلهية على توصيل العبد إلى تلك المنزلة العالية وإن كانت القدرة تشمل الجميع لأن العبد في أي مرتبة ومنزلة لا حول له ولا قوة إلا بربه وإنما تعرف قيمة الأشياء بمعرفة أعلها وأرقاها

ولما يوجد من إشارة في الآية التي قبلها على الإفناء والإبدال { إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } أي يفنيكم يا أهل السير ثمّ يحييكم ويبعثكم من جديد فلا تكونوا كأمثال ما كنتم عليه من الأوصاف وهو معنى الخلق الجديد لذا قالوا المريد كل يوم مولود جديد لا يلتفت إلى ماض ولا يستشرف إلى مستقبل

بل يدور مع تجليات الحق في الآن والمكان أينما دار فأنت أيها السالك ابن زمانك لا ابن زمان من مضى ولا زمان من سيأتي لذلك كان القرآن ابن وقته وزمانه لا تنقضي عجائبه لذلك قال تعالى مبينا أحوال أهل كل زمان من الناس الغافلين { مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ } يبقى السبب { لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ } عن أحوال نفوسهم في زمانهم

وعليه عندما تذكر القصص في القرآن إنما تذكر بقصد العبرة كما قال تعالى { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ } إذ ليس المراد العيش في زمانهم والدخول في نقاشات حولهم كما يفعل طوائف المسلمين اليوم دخلوا في جدال ونقاش عقيم حول الملل والنحل فالتاريخ إنما دونوه لأخذ العبر منه لا الوقوف معه والعيش على أطلاله فهذا قمة الجهل بالواقع وفقهه ..

أعود للسؤال :
لا يستقيم أن يكون المبتدي في ذكر الله تعالى معافى من جميع الأمراض والعلل والحظوظ بل لا يمكن أن يكون عبد من العباد على صورة ملكية نورية هكذا بلا ذكر ولا سير بل شرّع الذكر للتزكية وتطهير الإناء لذا تجد مشايخ التربية يقبلون جميع أصناف الخلق كل بحسب علله وأمراضه فما زواياهم إلا مصانع تصنع العارفين ومشافي تستقبل المرضى لتعالجهم الذين يطلبون العلاج والتداوي ويتوقون إليه
ليس الخلل فيمن يواضب على ذكر الله تعالى للتخلص من خواطره النفسية والشيطانية وعلله وأمراضه إذ كل مسلم يتمنى ذلك ويرنو إليه وإنما الخلل في استعمال ذكر الله تعالى لتقوية تلك الأمراض عوض ازالتها كمن يريد أن يقوم بتصفية المرآة بالفحم لذلك أصّل النبي عليه الصلاة والسلام قاعدة الأعمال وأساسها وذلك في قوله :
( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ومَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ )
أي سيكون لكل عبد ما نواه بعمله لأن الجزاء يكون من جنس العمل والعمل يكون بحسب النية لذلك عرّف الإمام العارف سيدي أحمد زروق رضي الله عنه التصوف بأنه ( صدق التوجه إلى الله ) وقال ( وقد حدّ التصوف ورسم وفسر بوجوه تبلغ نحو الألفين ومرجع حكمها صدق التوجه إلى الله تعالى )

إن شاء الله نكمل الجواب على تكملة السؤال


فارس النور
عضو نشيط
مشاركات: 70
اشترك في: 15 مايو 2017 12:57
آخر نشاط: 18 يونيو 2019 16:59
مكان: دمشق
العمر: 37
اتصال:

23 إبريل 2019 19:44



تتمة الجواب والله أعلم بالصواب :

شيوخ التربية من المسلكين من أهل الطريقة وظيفتهم تربية المريدين وترقيتهم وذلك بتزكية نفوس السالكين من حيث دلالتهم على الله تعالى قال تعالى { قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ }

إذ من الشروط التي يجب توفرها في الداعي أن يكون على بصيرة أي على معرفة بمنازل الطريق ومراحله وبأمراض النفوس وسبل علاجها سواء أكان هذا الداعي نبيا أم وليا لقوله { أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي } لأن العلماء ورثة الأنبياء فكل عالم لا بصيرة له لا يدخل في هذا النوع الهام من الدعوة إلى الله تعالى
متى علمت أن الدعوة إلى الله تعالى وإن كانت واحدة من حيث العموم إلا أنها عند التفصيل صنفان :

الأولى الدعوة العامة وهي الدعوة إلى دين الله تعالى دعوة الإسلام والإيمان قال تعالى { وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }

والأخرى الدعوة الخاصة إلى السير إلى معرفة الله تعالى وهو ما يعبر عنه في الاصطلاح بطريق الإرادة والسلوك وهذا مجال تزكية النفوس وذبحها بسيف المجاهدة والمخالفة قال الإمام البوصيري في البردة رحمه الله تعالى

وراعها وهي في الأعمال سائمة*** وإن هي استحلت المرعى فلا تسم

كم حسّنت لذّة للمرء قاتلة *** من حيث لم يدر أنّ السّمّ في الدّسم

واخش الدّسائس من جوع ومن شبع ... فربّ مخمصة شرّ من التّخم

لأن النفس في بدايتها تكون نفسا أمارة بالسوء أي قد تأمر العبد في أي وقت بارتكاب السوءلأن للنفس أحوال من الظلمة ومراتب منها المهلكة لذلك كانت في بدايتها أمّارة بالسوء أي تأمر وهذا يشير إلى كونها الحاكمة الفعلية في أفعال العبد متى علمت أن الأمر والنهي حكم والأحكام تكون في مرتبة مقام الشريعة معاندة في ذلك أحكام الأمر والنهي الشرعيين فدأبها هنا في هذه المرتبة الميل للشهوات وارتكاب المحرمات بلا زاجر منها فيها لشدة غفلتها عن ربها لانطماس بصيرتها قال تعالى { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا }

لكن في طريق الإرادة عندما ترتقي في مراتب الطريق تتبدل أوصافها من حسن إلى أحسن وهو معنى تزكيتها سيما أن التزكية أمر مشترك بين المريد وبين شيخه يتعاونان على ذلك كما قال عليه الصلاة والسلام لذلك الصحابي الذي سأله مرافقته في الجنة ( أعني على نفسك بكثرة السجود )

فالمريد الذي لا يعين شيخه على تزكية نفسه فهو كمريض يمنع الطبيب ولا يوافقه ويصده عن علاجه لأن أمر التزكية طريق ضروري للخلاص من عللها وأمراضها كشهواتها وأهوائها وذلك بتزكيتها عن طريق فعل المأمورات واجتناب المنهيات بداية قدر المستطاع { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } إذ ليس من الممكن أن تصل تقوانا لدرجة تقوى الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام أو مراتب كبارالأقطاب من ساداتنا العارفين لأن القاعدة تقول { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } لكن ما لا يدرك كله لا يترك جله لقوله تعالى { وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ... الآية } وقال تعالى { ن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا } لذا لا تستغرب العطاء الإلهي لأهل كل زمان بما فيه هذا الزمان رغم قصور أهله عن بلوغ مراتب تقوى وأعمال السابقين بل قد لا يوجد وجه من وجوه المقارنة فيما بينهم لقوله عليه الصلاة والسلام ( خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ... الحديث )

قال شيخنا سيدي اسماعيل رحمه الله ورضي عنه " لو كنت في زمان الجنيد ما قبلوني أن أكون القائم على دوابهم "

لذلك لا بد من معرفة الزمان وفقه الواقع لأن أكثر من يقرؤون في كتب العارفين القدامى يقيسون ما يقرؤونه على صوفية اليوم فيجدون الفروق شاسعة فلا تجدهم بعد ذلك يحسنون الظن كثيرا بأهل الله تعالى في هذا الزمان فلا يعظمونهم ويحترمونهم إلا قليلا وغاب عنهم أنه يوجد في هذا الزمان من يبلغ درجات القدامى رغم عدم تساوي الأعمال وتباعد الأفعال لأن هناك حقيقة يجد استشعارها في كل زمان وهي حقيقة حضرة الفضل الإلهي الساري مفعولها في كل زمان ومكان من غير تجاسر على مقامات الأولياء أو تسور محاريب الأقطاب العارفين والعلماء العاملين رضي الله عنهم أجمعين { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا مِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } فالسابق في زماننا يقاس بسبقه لأهل زمانه من المؤمنين لا بسبقه لأهل زمان من سبقوه من المسلمين { وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) أي في كل زمان فما ألحق اللاحق بالسابق في درجة السبق إلا لسبق أهل كل زمان صالحي زمانهم من المؤمنين

وظيفة الشيخ المربي كما أسلفنا اعطاء الأوراد وتلقين الأذكار للمريدين وترغيبهم في الذكر وحثهم على الإجتماع عليه وارشاد هم بالمذاكرات الربانية التي تفتح بصائر القلوب لأن الذكر من غير مذاكرة كطعام من غير ملح لأن المذاكرة توجه الذاكر وترشده فتنفي عنه الهموم والأوهام وتقوّم منه انحراف الظاهر والباطن ...الخ

فتلك وظيفة الشيخ المربي وليس له بعد ذلك سلطة على المريد قال تعالى { فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ } وقال تعالى { لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ } وقال تعالى { أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ } لذلك لا يتحمل الشيوخ نتيجة فشل المريدين فتجد من صاحب شيخه سنة فنال ووصل ومنهم من صاحبه عقود من الزمان وما شم للطريق رائحة ومنهم من كان مستقيما خلال حياة شيخه ومنهم من بدل وغيّر بعد انتقاله وزل بعد أن نال وجهل بعد أن عرف وربما سلب بعد أن أعطي

لذلك لا يمكن الحكم على النوايا منذ البداية لأن نية المريد في بدايته قد تكون معلولة { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ } لكن من وظيفة الشيخ بعد ذلك الرفع من همة المريدين من الطمع في الأغيار إلى ارادة وجه الواحد القهار

سمعت أحد مشايخ التربية يقول : قد يأتي المريد إلى الزاوية وفي خاطر نيته غرض أكل طعام أو تناول كأسا من الشاي فنتلطف به ونرفع له من همته شيئا فشيئا حتى يصير فقيرا صادقا

قلت مصداق هذا ما ورد عن الشيخ أبي العباس المرسي رضي الله عنه قوله ( يأتيني الإعرابي صباحا وهو يبول على ساقيه فلا يبرح إلا وهو عارفا بالله تعالى )

المريد خلال ذكره لله تعالى غالبا ما ينال ثمره ذكره وذلك بالترقي في المقامات كلما ارتقى كلما تنور قلبه وصفيت نيته لأن الذكر مطهرة للقلوب أو قل ينال بذكره بحسب نيته فمن ذكر الله تعالى وهو يضمر اتصاله بعالم الجن وصل إلى ذلك وكان فتنة عليه لسوء أدبه مع ربه إلا أن يصحح نيته بعد ذلك لأن باب التوبة مفتوح لا يغلق ولا يصد { فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } وفي هذا قال سحرة فرعون { وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ } رغم اتصالهم بعالم الجن والشياطين

قلت : أغلبية الذين ينتسبون للطريق ويدخلونه وهم يضمرون في قلوبهم الوصول للمقامات ونوال الفتوح والفيوضات إنما السبب الذي أداهم إلى ذلك هو مطالعتهم في كتب القوم ككتاب الفتوحات المكية وأمثاله من الكتب التي فصلت وشرحت مراتب أهل الولاية فتشوفت نفوسهم ابتداء لتلك المقامات وحرصت على نوال مراتب الخصوصية ومنازل الدرجات فكان في الحقيقة دخولهم للطريق معلولا منذ بدايتهم فما عليهم إلا بتصحيح نواياهم لأن دخول الطريق من غير فهم لمبادئه العامة التي بيّنها أهل الله تعالى غاية البيان يعد انحراف بالطريق والدين وهذا يدخل في مجال تحريف الدين والكلم عن مواضعه لأن الطريق لم يوضع في أصله إلا لعبادة الله وحده لا شريك له من غير التفات ولا قصد نحو غير حضرة الله تعالى إذ لو قصد قاصد هذا الغير لكان عبدا له

لذلك وصفوا تلك النوايا كونها من الشهوة الخفية لأن الدافع الذي دفع المريد إلى سلوك الطريق هو اغتراره بتلك المنازل والمقامات وتشوف نفسه اليها ليحصلها فمهما كان ذاكرا لربه فيما يظهر إلا أنه في قرارة نفسه يضمر الوصول إلى تلك الدرجات فيبقى السؤال مطروحا لو افترضنا أنه لا توجد تلك الخصوصيات من المقامات العالية الرفيعة هل كان سينتسب للطريق ويذكر ربه كثيرا ويسبحه بكرة وأصيلا ؟

لذلك نبه السادة على مثل تلك العلل وحذروا منها وقد شرح الشراح الحكمة العطائية التي تقول ( ارادتك التجريد مع اقامة الله اياك في الأسباب من الشهوة الخفيّة , وارادتك الأسباب مع اقامة الله اياك في التجريد انحطاط عن الهمّة العليّة )

فسروا قوله ( ارادتك التجريد مع اقامة الله اياك في الأسباب من الشهوة الخفيّة ) أي بسبب التشوف للمقامات وارادة الخصوصيات أراد التجريد دون أن يقيمه الله تعالى فيه ابتداء من غير تكلف أو تشوف ..

قلت :
الأمور كلها تسير بحسب ما يعلمه الله تعالى من كل قلب في نيته فليس أهل أهل الله كغيرهم فقد تجد من أهل الله من تكون في بدايته نيته معلولة لكن الله تعالى لعلمه أن في قلبه خيرا كثيرا يتداركه بلطفه ويصفي له نيته كما قال حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله تعالى ( طلبنا العلم لغير الله فأبى الله إلا أن يكون له )

فليس المقياس هنا عاما بل لكل عبد حاله وحقيقته قال تعالى { إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ }

فلا يوجد ضابط في هذه المسألة بل هذا إبليس لعنه الله تعالى نال ما ناله من العرفان والوصول والكشف ثم سلب وطرد ولعن وكذلك السامري الذي وصل إلى درجات من البصيرة الكشفية لكنه سقط وزل كل ذلك بسبب ترك العنان للنفس وعدم مراقبتها ومحاسبتها على خواطرها الغبية التي مع مرور الوقت قد تفتك بالعبد

قال تعالى :

{ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }

فارس النور
عضو نشيط
مشاركات: 70
اشترك في: 15 مايو 2017 12:57
آخر نشاط: 18 يونيو 2019 16:59
مكان: دمشق
العمر: 37
اتصال:


العودة إلى “الاسئلة و الاجوبة”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 0 زائر