قضايا ساخنة >> الحروب الصليبية (4): صلاح الدين والحملتان الثالثة والرابعة

24 أكتوبر 2017 17:47

الحروب الصليبية (4):
صلاح الدين والحملتان الثالثة والرابعة:



رأينا كيف ثبّت آل زنكي ثم صلاح الدين أمور الدولة الجديدة التي وحّدت بين مصر والشام. وكان من ذكاء صلاح الدين أنه لم يستعجل الحرب ضد الصليبيين، فأخذ يستعد للحرب القادمة ولابد. فحصّن بعض المدن، خاصة القاهرة. وأرسل جيشا لتأمين اليمن، لأن هذا البلد بالنسبة لمصر هو خط الدفاع الأول من جهة البحر الأحمر والجنوب. لقد كان اليمن مهمّا دوما لمصر، لهذا استغرب المحللون اليوم موقف مصر المهادن للحوثيين والذي قبـل بسيطرتهم على باب المندب، بل على كامل البلد، خاصة قبل عاصفة الحزم.
ثم حين حاول أمير الكرك رينالد دي شاتيون مهاجمة مكة المكرمة تصدى له الأسطول المصري، وأعلن صلاح الدين الحرب على الصليبيين، فجرت معارك كثيرة انهزم في بعضها صلاح الدين.. حتى كان يوم حطين سنة 582هـ حيث نجح المسلمون في إبادة معظم الجيش الصليبي والقضاء تماما على مملكة القدس، ثم دخل صلاح الدين مدينة القدس نفسها واستلمها.. وقد توقف المؤرخون طويلا في المقارنة بين سيطرة الصليبيين على المدينة المقدسة وبين سيطرة صلاح الدين الذي لم ينتقم من أهلها ولا أفسد منها شيئا خلاف الأوّلين الذين ذبحوا الآلاف حتى جرت الدماء غزيرة في أزقة القدس وحاراتها.. بل سمح للمسيحيين بالحج إلى القدس ومجاورتها. وهذا من دروس تاريخنا: يجب أن نحافظ على أخلاقنا حتى لو كان خصومنا لا يفعلون.. لقد كان التفوق الأخلاقي من أهم عناصر نجاح المسلمين في كسب القلوب والعقول قبل اكتساح الأراضي والممالك..
كانت حطين هي ثاني الهزائم الكبيرة للصليبيين بعد خسارتهم للرّها. لكن بقي لهم مدن قليلة العدد والمساحة كأنطاكية وطرابلس.. وهنا أحد دروس هذا التاريخ: إن وجود مناطق في قلب العالم الإسلامي تدين بالولاء للأجنبي، ولو كانت صغيرة المساحة، فإنها تشكل خطرا مستمرا، لأنها بمثابة قواعد انطلاق لاعتداءات محتملة.. تماما كما شكلت مليلية قاعدة الهجوم المضاد الذي قاده الإسبان ضد الأمير عبد الكريم الخطابي بعد أن هزمهم بأنوال، حتى عدّ المؤرخون تردد الأمير في اكتساح المدينة بُعيد أنوال خطأ استراتيجيا مكلفا.. وكان جيش الخطابي رحمه الله وصل إلى أسوار مليلية.
إذن سافر أسقف مدينة صور ليحرّض أوربا على تنظيم حملة أخرى من جديد. فدشّن كليمنضوس الثالث الحملة الثالثة، وظهر بأوربا ما سُمي بـ "ضريبة صلاح الدين" لتمويل الحرب. وكان أهم المشاركين ريتشارد من الجزيرة البريطانية، وفيليب ملك الفرنك، وفردريك ملك الجرمان.. لكنهم وإن أسقطوا عكّـا بالحصار إلاّ أنهم لم يستطيعوا أن يحققوا غير ذلك من الإنجازات الكبيرة، لذلك رضخوا لصلح الرملة مع صلاح الدين. وهنا من "الأسئلة الصعبة" بحسب عنوان سلسلتنا هذه: لماذا لم يستطع صلاح الدين تصفية الوجود الصليبي المعادي من الشرق كله؟ ولماذا تأخرت هذه التصفية حوالي القرن بعده؟
الحقيقة أنه رغم الإنجازات الضخمة لأسرة زنكي وصلاح الدين فقد بقيت نقطة الضعف الكبيرة في تاريخنا بدون حلّ، ألا وهي مشكلة الحكم وتنظيم انتقال السلطة وآليات الرقابة على الحاكم.. فقد تجزّأت الدولة الأيوبية بموت صلاح الدين رحمه الله.. مما أتاح للوجود الصليبي فرصة البقاء أكثر بالمنطقة.
في هذه الفترة تعلّم الصليبيون درسا مهما: الأهمية الاستراتيجية والبشرية والعسكرية لمصر. لذلك اتجهت الحملة الصليبية الرابعة إلى مهاجمة مصر، خاصة حين ظهر السلطان العادل الأيوبي، والذي نجح في توحيد البيت الأيوبي ممّا شكّل خطرا على بقايا الأملاك الصليبية بالشام.. لكن الحملة لحسن الحظ انحرفت عن غايتها حين وصلت إلى القسطنطينية، إذ نتيجة ظروف متنوعة لا مجال لشرحها هنا، دخل الملوك الأوربيون إلى عاصمة الدولة البيزنطية وعاثت جيوشهم فيها فسادا وتدميرا(597هـ 1201م).. بما في ذلك تدنيس الكنيسة المقدسة للعاصمة.. لدرجة أنهم أجلسوا عاهرة على كرسي البابا بالكنيسة في احتفال ماجن. لذا كان الأثر بعيدا وكبيرا لأن هذا الحدث هو الذي جعل من الانقسام لكاثوليكي/الأرثذوكسي انقساما نهائيا وعميقا وأحيانا دمويا.. وهو أيضا حدثٌ أسّس، مع عوامل أخرى، لهذا الانقسام الجيوسياسي في جغرافية القارة بين أوربا الشرقية وأوربا الغربية.. وهو الانقسام الذي استمر إلى زمن قريب حيث انقسمت أوربا على خلفية الصراع الغربي/السوفياتي.
وبسبب فشل الحملة الرابعة اضطر صليبيو عكا إلى عقد هدنة مع السلطان العادل.. فهدأت المنطقة إلى حين. وهذا الهدوء، وأمثاله، أفاد الصليبيين أكثر مما أفاد المسلمين.. فقد بدأ الغزاة يتعلمون ويستفيدون من حضارتنا: يقرؤون ويترجمون ويلاحظون.. لا عجب أن تتمّ النهضة الأوربية الأولى، أو بوادرها، في القرن الثالث عشر الميلادي.. وهي التي مهّدت للنهضة الكبرى في القرنين الخامس عشر والسادس عشر.. كأن ذلك من باب مصائب قوم عند قوم فوائد.
يتبع..
إلياس بلكا
إلياس بلكا
عضو نشيط
مشاركات: 163
اشترك في: 22 إبريل 2017 14:35
آخر نشاط:
العمر: 49

العودة إلى “قضايا ساخنة”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 0 زائر