رياض الواصلين >> قضايا ساخنة >> الحملات الصليبية الأولى (3): النتائج والمقاومة

04 أكتوبر 2017 00:49

الحملات الصليبية الأولى (3): النتائج والمقاومة.

انتهت الحملتان الأولى والثانية بتأسيس أربع إمارات صليبية أساسية، والتي بدأت بالتوسع، خاصة على السواحل. وساعد على ذلك ضعف البحرية الإسلامية التي لم تكن قادرة على مجابهة الأسطول الصليبي. وانتشرت حالة من الاستنفار الشامل في أنحاء المشرق الإسلامي لمواجهة الغزاة.
وقد حاول صاحب إمارة دمشق عقد تحالف مع إمارة الموصل، وذلك تحت ضغط الفقهاء وعموم المسلمين الذين استفاقوا على كارثة كبيرة حين تبيّن لهم أن الصليبيين جاءوا للاستقرار والاستيطان وليسوا مجرد غزاة عابرين. وكانت محاولة التحالف هذه هي البذرة التي بنى عليها الحاكم الجديد للموصل (عماد الدين زنكي) مشروعه في مقاومة الصليبيين.. فقد كان التفرق والصراع بين الإمارات الإسلامية في الشام والعراق هو السبب الأول للهزيمة. فدشن مشروعه التوحيدي بضم إمارة حلب، ثم حماة، ثم حمص.. حتى أصبحت المملكة واحدة وواسعة..لكنه لم ينجح في الاتحاد مع إمارة دمشق التي استنجد صاحبها الخائن معين الدين بالصليبيين. فرأى زنكي ألاّ يبدد قوته في صراع إسلامي-إسلامي، لذلك تراجع وتوجّه نحو الرها، أول الإمارات الصليبية ومن أهمها من الناحية الاستراتيجية.. فأسقطها. وكان هذا الانتصار ضخما ومهما بعد نصف قرن من سيطرة الصليبيين على الإمارة.
لم تتقبل أوربا هذه الهزيمة المدوية، فدشن البابا إيجنيوس الثالث حملة ثانية، تشكلت أساسا من جيوش الفرنك والألمان، والتي حاولت احتلال دمشق، رغم أن أميرها كان لهم مُوادعا ويعطيهم جزية سنوية.. لكن نور الدين الذي خلف أباه عماد الدين زنكي أحبط هذا الهجوم، فانتهت الحملة سنة 534هـ بالفشل. كما تمّ لنور الدين السيطرة على دمشق.. وتحقق الإنجاز الكبير المنتظر بتوحيد العراق والشام تحت سلطة الدولة الأيوبية ذات الأصول الكردية.
هنا انتقل الصراع من جبهة الشام وغرب العراق إلى جبهة مصر. كان الخلفاء الفاطميون بمصر ضعافا، يتحكّم فيهم الوزراء، وبدر الدين الجمالي من أشهرهم. وكان واضحا أن الدولة ستسقط قريبا.. فجرى سباق رهيب بين نور الدين وعموري حاكم مملكة القدس الصليببية.. وذلك نظرا لأهمية مصر من ناحية الموقع وعدد السكان والثروات. فغزا عموري مصر مرارا طيلة ست سنوات.. وانحاز الوزير الفاطمي ضرغام إلى الصليبيين، بينما انحاز الوزير المنافس شاور إلى الأيوبيين.
في الأخير انتصر القائد الذي أرسله نور الدين: أسد الدين شيركوه، فتولى الوزارة للخليفة الفاطمي العاضد لدين الله.. وحين مات تولّى ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي الوزارة مكانه.. وبهذا نجح نور الدين عمليا في تأسيس دولة تضم خمس إمارات أو بلدان: الموصل، والرها، وحلب، ودمشق، والقاهرة.. وهو المشروع الذي انتظره المسلمون لعشرات السنين.
وقد توفي نور الدين رحمه الله سنة 569. فتولّى الحكمَ الشابُ صلاح الدين الذي أنهى الخلافة الفاطمية المهترئة، وأعلن الولاء للخليفة العباسي. وتفرغ لمدة ست سنين لتثبيت أركان الدولة وتقوية مؤسساتها وإصلاح المجتمع.. تمهيدا لاستعادة القدس وما حواليها وطرد الصليبيين.
كان هذا الحدث أحد أهم دروس الحروب الصليبية: توحيد الشام ومصر. لذلك انتهى المنظرون الصهاينة إلى هذه النتيجة من زمان بن غوريون وغيره: يجب منع أيّ تنسيق أو تعاون، وبالأحرى أي اتحاد، بين مصر والشام.. ويجب ما أمكن إبقاء الشرق أسير دويلات صغيرة وضعيفة ومتناحرة.
حاول جمال عبد الناصر تكرار تجربة الدولة الأيوبية، فأعلن الاتحاد بين مصر وسوريا، وظهرت "الجمهورية العربية المتحدة"، لكنها للأسف لم تعش أكثر من ثلاث سنين، وانتهت لأسباب متعددة، من أهمها استبداد الحكام، خاصة بمصر.. لكن المشروع كان كابوسا حقيقيا للدولة الصهيونية.
يتبع..
إلياس بلكا
عضو نشيط
مشاركات: 208
اشترك في: 22 إبريل 2017 14:35
آخر نشاط: 21 مايو 2019 04:48
العمر: 50

04 أكتوبر 2017 10:10

ألفت انتباهي تشبيهك لظروف المشرق الإسلامي زمن الحملات الصليبية بالظروف التي يمر بها الآن المشرق.. حقا كأن التاريخ يعيد نفسه، وقد أخبرت البصيرة المحمدية بهذا فنحن لاشك الآن في زمن القصعة وتداعي الأمم منذ فترة الإستعمار البغيض.
عابرسبيل
عضو نشيط
مشاركات: 48
اشترك في: 15 يوليو 2017 22:49
آخر نشاط: 21 مارس 2018 23:01
مكان: مدينة
العمر: 23

02 نوفمبر 2017 14:56

صحيح يوجد تشابه بين الظرفين. لذا كتبت هذه المقالات للاستفادة من دروس الماضي.
إلياس بلكا
عضو نشيط
مشاركات: 208
اشترك في: 22 إبريل 2017 14:35
آخر نشاط: 21 مايو 2019 04:48
العمر: 50


العودة إلى “قضايا ساخنة”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد