رياض الواصلين >> الاسئلة و الاجوبة >> سؤال وردني من سيدي فارس النور

21 يونيو 2019 17:53


تعقيبا على موضوعي ( نفحات من الرسالة المدنية إلى الحضرة الإسماعيلية ) سألني سيدي فارس النور على الخاص هذا السؤال أنشره تعميما للفائدة
فارس النور كتب :
سيدي الكريم لي سؤال لاح في فكري عندما كنت أقرأ ما كتبتموه من نفحات عن الرسالة المدنية جزاكم الله كل خير , أرجو أن يكون سؤالي صحيحا وأرجو أن تكون عندكم اجابة إن سمحتم وسمح الوقت لديكم

ما معني قول سيدي حضرة الشيخ المدني رحمه الله في رسالته إلى حضرة سيدي الشيخ إسماعيل الهادفي رحمه الله حين تحدث عن الزاجر الذي يكون من النفس والذي يأمر في العبادات الظاهرة عبادة الجوارح أو الحضور مع الله عز وجل فما هو هذا الزاجر هل هو نفسه الضمير وكيف يتكون وفي أي مرحلة من السلوك والسير يتكون لديه إن صح مني السؤال وكان في الاجابة عليه فائدة يمكن التكلم عنها .. ودمتم في خير وعافية بإذن الله والسلام


بارك الله فيكم سيدي الحبيب
قبل الجواب على سؤالكم يجب التنبيه بداية على أمر غاية في الأهمية وهو :
على المريد السائر أن لا يقرأ في كتب أهل الله تعالى التي تشرح وتبين معاني السير والسلوك كعلل الأعمال والأحوال والمقامات ..الخ ومن ثمّ يقيس على نفسه كلّ ما يقرأه بل هذا من علامات دسائس النفس ..
كونها تبحث عن مقامها بين المقامات وعن حالها بين الأحوال فهي لا تخرج من النظر إلى عطفيها وإنما على العبد المؤمن أن يقرأ ليعلم ويعرف ويستفيد لا ليقيس وبين هذا وذاك هناك فرق ظاهر لأن الذي يقرأ ومن ثم يقيس على نفسه فهذا صاحب علة وحظ بينما الذي يقرأ ليستفيد ليدرك ويعلم ويتزكى ويجتنب فهو المصيب بخلاف الذي يقرأ ومن ثم يقف ليقيس بين ما يقرأه في الكتب وبين ما عليه حال نفسه ( لا أدري هل أوضحت هذا التنبيه جيدا أو لا ) هذا من ناحية

أما الجواب على السؤال والله أعلم بمرادات أوليائه التامة الكاملة :

نص المتن ( والوصية لا يحتاج إليها ولا يتوقف عليها من كان له زاجر من نفسه يأمره وينهاه في العبادات الظاهرة عبادة الجوارح أو في الحضور مع الله عز وجل وهما جهتان لابدّ للسّائر منهما )

يشير له هنا إلى أن الذي جعل الله تعالى له زاجرا من نفسه يأمره وينهاه لا يحتاج في الحقيقة إلى وصية ولا يتوقف صلاحه عليها إلا من باب سنة التواصي التي دأب عليها أهل الله تعالى جميعهم

ومعنى الزاجر هنا أي نور في القلب يضيء ظلمات النفس بعد تزكيتها فتسير النفس المطمئنة في ضوء ذلك النور سمعا وطاعة مراقبة ومشاهدة وهو أمر معنوي لا حسي يجده العبد في قلبه وشعوره

لذلك كما نعلم جميعا أن للنفس مراتب ودرجات منها مرتبة النفس اللوامة أي التي تلوم صاحبها بعد أن توقعه في المعصية كمن يشعر بالندم بعد اقتراف الذنب فهذا نوع من اللوم يصدر من النفس في الحقيقة وبحسب درجات تطهير النفس وتزكيتها وتنويرها يجعل الله تعالى زاجرا منها فيها وهذا دليل بداية نجاح تزكيتها وظهور تنويرها بخلاف النفس المظلمة الغارقة في غفلة شهواتها وفريسة أهوائها فهي كبهيمة في فلاة من حيث الضلال وكأفعى سامة من حيث المضرة لا تأمر صاحبها إلا بسوء وهذه مرتبة النفس الأمارة بالسوء لأن النفس وهي في وصف هذه الحالة من الظلمة لا ينتظر منها العبد أن تأمره بخير بل لا تأمره إلا بسوء فهذا الغالب عليها ..

كشخص مثلا سبه أحدهم أو شتمه أو اعترض عليه في شيء وقال شيئا تكرهه نفسه أو لا تميل إليه فلا تأمره نفسه حينها بالصفح والتجاوز والعفو بل ربما تأمره بالبغض والغضب والحقد والترصد فمن استمع لحديثها فهو مستجيب لها استجابة العبد لسيده لأن بيدها الحكم عليه والرئاسة تأمره بالسوء وتنهاه عن المعروف يبقى أسيرا في سجن هواها وأمراضها وشهواتها وأفكارها ومشاعرها وأحاسيسها وآرائها فيكون تابعا لها غير متبوع وهذا أمر يخالف شرع الله لأن الإستجابة تكون لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام ولا تكون الإستجابة لحديث النفس ووساوسها وتسويلاتها كما استجاب لها السامري وكذلك إبليس من قبله لعنهما الله تعالى ..

لذلك بيّن له أن الوصية مني إليك يا اسماعيل لن تنفعك حقيقة النفع وتعمل بها حقيقة العمل وتضعها نصب عينيك إلا إذا جعل الله لك زاجرا من نفسك المطمئة بذكر الله يأمرك بالخير وينهاك عن الشر ..

أما قوله ( زاجر من نفسه يأمره وينهاه في العبادات الظاهرة عبادة الجوارح أو في الحضور مع الله عز وجل )

المراد بالزاجر في العبادات الظاهرة أي زاجرا يأمره بالوقوف عند شرع الله وأحكامه فلا يتعدى أحكام الشريعة بحجة وصوله إلى مقامات معارف الحقيقة كمن يترك العبادات الظاهرة كالصلاة والزكاة والصيام بحجة أن تلك الأحكام لا تشمله بل تشمل العوام من المسلمين بحجة أنه في مراتب عليا من اليقين فهذا فسق وتعدي على أحكام الله لا يأمر بذلك إلا نفس مغرورة مظلمة تسول لصاحبها فعل السوء بحسب طبيعة كل عالم من العوالم وقد حكى الإمام القشيري في صدر رسالته رضي الله عنه حال أمثال هؤلاء من الذين تركوا الصلاة بحجة أنهم وصلوا إلى أعلى الدرجات بزعمهم ..

فالزاجر هنا يكون زاجرا لتوفية العبادات الظاهرة حقها أما اللون الآخر من الزاجر فهو زاجر وجوب الحضور مع الله والغيبة عما سواه لأن الزاجر من حيث الأصل فهو واحد لكن تتعدد أنواعه وألوانه فتكون بحسب كل مقام فللشريعة مقامها وحكمها وللطريقة مقامها وحكمها وللحقيقة مقامها وحكمها فلا يكمل زاجر النفس في مقام الشريعة والحقيقة إلا بحصول الجمع بين الشريعة التي هي فقه العبادات والمعاملات العينية الظاهرة وبين فقه العبادات الباطنة التي روحها الحضور مع الله لنفي ظلمة الغفلة والدخول إلى نور الحضور مع الرب المذكور لأن كل ذكر بلا حضور يكون قليل النفع وإن كان وجود الذكر مع وجود غفلة أفضل من عدم وجود الذكر كما ورد في الحكمة العطائية

هذا ما خطر لي كتبته لكم في الجواب والسلام
إلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّــــي *** مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّــــي
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي *** لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عنّـي
صورة العضو الشخصية
على الصوفي
عضو نشيط
مشاركات: 281
اشترك في: 21 إبريل 2017 03:15
آخر نشاط: 14 نوفمبر 2019 23:19
اتصال:

24 يونيو 2019 11:18

بارك الله في المجيب و في السائل ، جزاكما الله تعالى خير الجزاء
نور الصفاء
عضو نشيط
مشاركات: 122
اشترك في: 22 إبريل 2017 02:38
آخر نشاط: 19 نوفمبر 2019 15:05
العمر: 46
اتصال:


العودة إلى “الاسئلة و الاجوبة”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد