رياض الواصلين : المنتدى العام : المعرفة ( بين حكم العقل وحكم النقل ) مذاقات صوفية

17 ديسمبر 2017 05:13

السبت 2 فبراير 2013
ــــ

بسم الله الرحمان الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وآله وصحبه أجمعين

سنذكر في هذا الموضوع إن شاء الله تعالى أنواع المعرفة بلسان صوفي سنّي لا نتّبع فيه تقليدا المنهج التقليدي للعقلانيين أصحاب النظر والمنطق المجرّد الجامد ولا المنهج التقليدي لأصحاب النقل المجرّد الجامد

أقول : يخطئ كثير من الناس في فهمهم لعلم الكلام فظنّه البعض أنّه غاية الغايات وأنّه الوسيلة السهلة أو الوحيدة ( طبعا فيما بين من له القدرة على النظر ) للوصول إلى علوم الغاية التي هي الحقيقة سواء أكانت حقيقة نسبية أم كليّة على شرط أن لا يخالف النقل الصحيح الثابت وحيا بلا شبهة ( أقصد هنا المتكلمين من أهل السنّة ) ولا أقصد غيرهم وإن وافقوا في الكثير من المسائل وخالفوا في مهمّات أخرى أصولية كالمعتزلة ...

في الجانب المقابل يخطئ أيضا كثير من الناس في فهمهم لتفسير علم النقل الصحيح الثابت بالوحي الصريح فخرج مثل هؤلاء بإثبات شيئا هم منكروه أصلا وذلك كونهم أنكروا المعقولات لمزاحتمها في نظرهم النقليات ومعارضتها فغاب عنهم أنّهم أثبتوا هذا بعقولهم فوقعوا فيما منه هربوا فتناقضوا ففعلت بهم الألفاظ الأفاعيل

ثمّ في الجانب الثالث : أراد قوم آخرون أن يجمعوا بين الأمرين النقل والعقل فجعلوا المنقولات عناوين المعقولات والمعقولات تفسيرا للمنقولات ونعني هنا في جميع الأحوال ( البحث من قبل هؤلاء الأصناف وغيرهم عن الحقيقة في مظاهر هذا الوجود بكلّ حاسّة إدراك مشعور بها )

فحصر الأمر في هذه الأحوال بين أمرين : الأوّل : العدد , والأمر الثاني : الحرف ونعني بالحرف اللفظ ومدلولاته بيد أنّ البحث عن الحقيقة هو البحث عن حقيقة معاني تلك المدلولات النقلية أو المعقولات في أسمى غاياتها وأعلاها وهو توحيد الله تعالى ووجوده

قلت : تنحصر المعرفة التي سنتكلّم عنها بين أمرين : إمّا معقولات وهذا مذهب المتكلّمين خاصّة وإمّا منقولات خاصّة وهذا مذهب بعضهم كالظاهرية خاصّة أو من ينسبون أنفسهم إلى مذهب المحدّثين أو ما يعبّرون عنه اليوم بالسلفية وفي هذا نظر كما لا يخفى أمّا الجامع بينهما فهو الذي جمع بين المعقول والمنقول وهم أهل السنّة من العلماء ولا نعني هنا العارفين بالله تعالى إذ سيأتي الكلام على مذهبهم في المعرفة ومقارنته بغيرهم كي ندرك ما عليه كلّ قوم في مناحيهم فهذا بإيجاز وخلاصة

قبل الدخول في الموضوع لا بدّ من تقديم بعض المقدّمات والمداخل كي يفهم مايأتي بعده


تفسير العقل والنقل بذكر بدايتهما إلى نهايتهما :

ذكر الكثير من أهل الله تعالى هذا المصطلح ( العقل ) في تفسيراتهم وتأويلاتهم وكذلك فعل غيرهم فاجتمع الجماعة على هذا اللفظ من حيث كونه حقيقة دلّت عليها جميع الشواهد التي أثبتها شواهد من الكتاب والسنّة قال تعالى ( أفلا يعقلون ) وقد أثبتوا في كتبهم بعض الآثار بغضّ الطرف عن كونها صحيحة أو ضعيفة كما ورد في الأثر حتى ذهبوا إلى كون القلم هو العقل أو العكس صحيح لا يهمّ

كآية إحياء الموتى التي وقعت لبني إسرائيل في سورة البقرة وهي قوله تعالى ( كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّه الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاته لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) فلا يرفض العقل أحد لهذا كان العقل أعظم دليل وأخطره يجاهد المؤمن به أهل الإلحاد والعلمنة ومن جرى في فلكهم كالفلاسفة بمختلف توجهاتهم المادية والمنطقية

العقل هو سرّ الخلافة الربانية في الوجود فلو لا العقل لما كانت هناك خلافة ربانية في الأرض فهو رئيس الخلافة وسيّدها وقد نبّهنا الله تعالى إلى هذا وذلك في قوله تعالى ( وعلّم آدم الأسماء كلّها ) لهذا نزل القرآن في صفة التعليم والتعليم لا يكون إلاّ للعقل قال تعالى ( إقرأ ) فإنّ علوم الأسماء من عالم العقل متى علمت أنّه لا تصحّ قراءة إلاّ بعقل فهو خزينة المعلومات ولكنّه لا يحسن فعل ذلك إلاّ بوجود ( الحرف ) ونعني هنا الكلمة واللفظ

بالنسبة للفظ والكلمة التي هي النقل فهي بين أمرين : الكتابة ثمّ القراءة فلا تسبق القراءة الكتابة إلاّ في شيء واحد وهو القرآن قال تعالى ( إقرأ ) فما قال له ( أكتب ) فجاء القرآن من جنس ( إقرأ ) بينما جاء الكتاب من جنس ( أكتب ) فكانت المكتوبات من جنس قراءتك كما قال تعالى ( إقرأ كتابك ) الذي خطّته يمينك وهي أفعالك وأقوالك فالكتاب جامع لكلّ شيء كما قال تعالى عن نفسه في كتابه مشيرا لك ( ما فرّطنا في الكتاب من شيء ) فما قال لك إن كنت تفهم ( ما فرطنا في القرآن من شيء ) لأنّ كتابك هو وجودك عقلا ونقلا لذا قال عيسى عليه السلام ( آتاني الكتاب ) وقال ( ذلك الكتاب لا ريب فيه ) وقال تعالى ( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا ) ..

فصحّ أنّ اللفظ لا يمكن أن يكون من غير عدد فجعلت الكثير من أسرار القرآن الكريم في أعداده ومن هنا ظهر علم التصريف في الأعداد كقوله عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث ( من قرأ كذا أو كذا مرّة فله كذا وكذا ) فتعلّق عالم العدد بعالم الحرف لتعلّق عالم العقل بعالم النقل فمن انحاز إلى العقل من غير إثبات لنقل فقد قال بالعلم من غير معلوم ومن قال بالنقل من غير عقل فقد قال بالمعلوم من غير علم والثاني أسلم في حالة التقليد مع تسليم القلب للمرادات العقلية والنقلية في عالم المعاني ..

لمّا جاءالملك سيدنا جبريل بالوحي لسيّد الوجود عليه الصلاة والسلام قال له ( إقرأ ) قال ( ما أنا بقارئ ) فما قال عليه الصلاة والسلام ( ماذا سأقرأ ) بل أجاب ( ما أنا بقارئ ) أي ليس لي في علم العدد والحرف بل أنا من وراء ذلك كلّه خارج عن كورة الأكوان , أمّا لو جاء الخطاب لمن هو في كورة الأكوان وحاصل في حبائلها بقوله ( إقرأ ) لأجاب بداهة وبداية ولو كان أميّا ( ماذا سأقرأ ) وأنت الآن متى التقيت بشخص أمّي وكنتما في جبل أو في خلاء فقلت له ( إقرأ ) لقال لك سريعا ( ماذا سأقرأ ) غالبا لوجود سطوة العقل عنده وهي الغالبة والحاكمة على سطوة القلب أمّا سيّد الوجود عليه الصلاة والسلام ففهم الخطاب لشدّة ثبات عقله فعلم محتوى قوله ( إقرأ ) ومراد الملك منها وإن كان قبل هذا غافلا عن ذلك كما قال تعالى ( وإن كنت من قبله لمن الغافلين ) فهي غفلة عن عالم الأكوان وهو فيها لفنائه في أنوار الواحد الديان حتى قالت قريش ( إن محمد يعشق ربّه ) فهي غفلة محمودة وليست مذمومة

فإنّهم لم يزاحموه في هذا العشق بل مدحوه به وهم مشركون ولكن لمّا أراد أن يدخل عليه الصلاة والسلام ( بإسم ربّه ) عليهم ونعني هنا دخولا عقليا ولفظيا هناك وقعت محاربته ومصادمته لأنّه سيفتكّ منهم ما هم فيه فلا يردّه عليهم إلاّ في حالة ما كان هو عليها عليه الصلاة والسلام من حيث الغفلة عمّا كانوا فيه فاصطدمت هناك العقول وتحاربت النقول وجاء الشيطان بجيشه وخيله ورجله فوقع الإقتتال ... وهكذا نرى اليوم أنّ أهل الدنيا لا يحاربون أهل الله تعالى الذين هم في خلواتهم بل يقولون فيهم نفس قول قريش في النبي عليه الصلاة والسلام ( هؤلاء يعشقون ربهم ) ولكن متى دخلوا عليهم فيما هم فيه هناك حاربوهم وقتلوهم

فسنذكر إن شاء الله تعالى الكثير من هذه المباحث هنا وخصوصا ما دخل به إبليس لعنه الله تعالى من أقيسة عقلية عن طريق الفلاسفة والمناطقة حتى كثرت مذاهبهم وما دخل به من تحريف لمعاني النقل خاصّة عند طوائف الأديان والفرق لأنّ معنى النقل يتبع منحى العقل وسرّ كلّ هذا هو القلب وسنأتي على ذكره وتفصيله إن شاء الله تعالى بالمتاح من العلم والله تعالى أعلم وأحكم

إلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّــــي *** مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّــــي
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي *** لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عنّـي
صورة العضو الشخصية
على الصوفي
عضو نشيط
مشاركات: 221
اشترك في: 21 إبريل 2017 03:15
آخر نشاط: 23 مارس 2019 11:12

العودة إلى “المنتدى العام”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد