رياض الواصلين : المنتدى العام : المحاسن البهية في معرفة الخلافة الربانية

17 ديسمبر 2017 05:07

الإثنين 4 مارس 2013
ــــ
بسم الله الرحمان الرحيم
والصلاة والسلام على سيّد الأنبياء والمرسلين وآله وصحابته أجمعين

السياسة في مفهومها الأسمى ومعناها الأرقى هي الخلافة الربانية في الوجود وهي مقام النبوّة الذي اشار إليه عليه الصلاة والسلام في قوله ( تكون فيكم النبوّة ما شاء الله أن تكون ثمّ يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ) التي اساسها العدل فهي هنا خلافة ظاهرة وباطنة فعلامة الخلافة هي صفة العدل كما قال تعالى في حقّ سيدنا داود عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام ( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) فقال تعالى هنا ( فاحكم بين الناس بالعدل ) أي جميع الناس لأنّ العدل لا عصبية فيه لذا قال له ( ولا تتبع الهوى ) أي لا تتبع العصبيات أو الإنتسابات أو الميل والتأويل لأنّ العدل لازم التقوى ومقياسها كما قال تعالى ( اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى )

قال عليه الصلاة والسلام ( لو أنّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ) رغم أنّه يقول ( فاطمة بضعة منّي يغضبني ما يغضبها )

ثمّ تكون السياسة في درجة ثانية في وصف الخلافة الراشدة بعد أن كانت في وصف النبوّة قال عليه الصلاة والسلام ( ثمّ تكون خلافة راشدة على منهاج النبوّة ما شاء الله أن تكون ثمّ يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ) وهي خلافة راشدة لكلّ من كان على منهاج النبوّة وليس هو بنبيّ كالخلفاء الأربعة وخلافة الحسن بن علي رضي الله عنهما ومن سار على نهجهم كعمر ابن عبد العزيز رضي الله عنه فهي خلافة على منهاج النبوّة وهي هنا في حالة سيدنا عمر بن عبد العزيز من الملك الصالح الملحوق بالخلافة الراشدة كما قال تعالى في حٌقّ طالوت (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ )

فقولهم ( ونحن أحقّ بالملك منه ولم يؤت سعة من المال ) هو وصف الراسماليين والإقطاعيين الذين حكموا بلاد المسلمين على غير نهج الخلافة الراشدة التي من شروطها كما أوضح لهم نبيّهم ( قال إنّ الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ) لأنّ الذي يرى أنّ الخلافة حكمها مادي مالي فقد قال بقول اليهود بل قد يكون الخليفة لا مال له ولا جاه كما قال عليه الصلاة والسلام في حقّ مهدي آخر الزمان ليس له منعة ولا عدّة ولا عدد وكان الخلفاء آية في الزهد والورع والفقر حتى قال الصحابة ومنهم أنس رضي الله عنه ( كان بين كتفي عمر أربع رقاع وخطب على المنبر وعليه إزار فيه اثني عشر رقعة، وأنفق في حجته ستة عشر دينارا ) فتجاوز الكفاية ليس من الزهد في الدنيا ولا الورع ولا التقوى ...

ثمّ تكون السياسة في مرتبة ثالثة في وصف الملك العاض ( ثمّ تكون ملكا عاضّا ما شاء الله أن تكون ثمّ يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ) فقُطعت هنا وصلتها بالنبوّة وإن بقيت وصلتها بالرسالة المتمثّلة في الأحكام الظاهرة التي يقيمونها على الفقراء والضعفاء ولا يقيمونها على الأغنياء والشرفاء فزال العدل واتُّبعت الأهواء فإنّ أكبر ناقض للعدل هو اتباع الهوى وكذلك في كلّ ضلال مرده وسببه اتباع الأهواء سواء في الدين أو الدنيا قال تعالى ( ومن نهى النفس عن الهوى فإنّ الجنّة هي المأوى ) متى علمت ميزان يوم القيامة وحسابه فليس فيه من الأهواء من شيء لقوله تعالى ( لا ظلم اليوم )

إنّما كان يوم القيامة يوم حساب على الذين سيحاسبون أمّا الذين لا حساب عليهم فلا يعتبر في حقّهم يوم حساب بل هو يوم مكرمة كما ورد في الحديث بأنّهم ( جلساء الرحمان يوم القيامة ) وكما ورد في الحديث ( سبعون ألف من أمّتي يدخلون الجنّة بغير حساب ) ( في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) هذا لكونهم كانوا خارج دائرة الأكوان في بواطنهم من حيث انشغال أفئدتهم وقلوبهم بالله تعالى فهم أهل المعرفة بالله تعالى الكاملة فلم يدخلوا إلى عالم الخلافة الإلهية من حيث طلبهم لأيّ ميزة أو خصوصية تخصّهم بل كان ولا يزال مبتغاهم وجه ربّهم ومولاهم لهذا رفض صلى الله عليه وسلّم الصلاة على أحد من أهل الصفّة توفّي لمّا وجدوا في جيبه دينارا كان مخفيه بعد أن ورد الخطاب الإلهي في حقّهم ( يريدون وجهه ) بعد أن طلب منه أن ( ولا تعدو عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا )

فيوم القيامة جعل لمن كان تحت حكم الخلافة الربانية في الأكوان أمّا من كان خارجا عنها فقد قيل في شأنه ( ونفخ في الصور فصعق من في السماوات والأرض إلاّ من شاء الله ) لأنّه خارج عن حكم السماوات والأرض إذ أنّ الخلافة لها تعلق بهذا متى فهمت قوله تعالى ( وعرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنّه كان ظلموما جهولا ) فما حكى عرض الأمانة على الإنسان فذكر موافقته أو إبايته وإنّما قال تعالى ( وحملها الإنسان ) إذ لا بدّ أن يحملها كما سبق به علم الله تعالى لهذا قال تعالى ( وإذ قال ربك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة )

ثمّ ما ذكر سبحانه عرض الأمانة على الملائكة أو الجنّ بل ذكر الإجسام الماديات إذ أن السماوات وصفه الروحي النوري والأرض وصفه الطيني والجبال وصفه العلمي فلا يمكن أن يخرج بالخلافة في وصف واحد فلمّا اجتمعت فيه هذه الجملة صحّ له التقدّم والخلافة لهذا ذكر سبحانه رابعا وصف الإنسان فقال تعالى ( وحملها الإنسان ) بعد أن أبت الروح وأبت البشرية وأبى العقل .. لذا استفسرت الملائكة عن خلافة آدم فأنكرت أوصافه البشرية من حيث الإفساد والبطش ثمّ زاحمت طبيعته النارية طبيعته الطينية لطيبعة العلاقة بينهما .. فكان هذا الإنسان مجموع الخلائق لذا نعتوه بالعالم الأصغر لأنّه صورة العالم الأكبر فأراد الله تعالى أن يعرف في هذه الصورة ولكن ليس تأليها لها أو عبادة أوسجود إليها ولكن في وصف معناه من حيث أنّها الدليل والشاهد على وجود ربّها وخالقها إذ أنّ نفخ الروح يعطي صورة النفخ العلمي لا صورة النافخ كما قال تعالى في حقّ جبريل لمّا قدم على مريم العذراء الصديقة عليها السلام ( فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا )

إذ لو لم يتمثّل لها لخرج عيسى على صورة جبريل لهذا تمثل لها بشرا سويا كي يخرج عيسى في صورة ما تمثل به وإنّما لم يخرج ذلك جبريل من وصفه الحقيقي في كونه جبريل على صورته الأصلية التي خلقه الله تعالى عليه لذا قال تعالى ( فأرسلنا إليها روحنا ) فكان هذا الروح الذي هو جبريل هو المتمثّل رغم كونه روحا فقوله روحنا بضمير جمع نحن يعطي أنّه القائم على سرّ الملكوت ولكن بوصلته بالله تعالى القائل ( فأرسلنا إليها روحنا ) فمن عبد الصور فهو مشرك كيفما كانت تلك الصورة ولو كانت صورة نبيّ أو رسول أو وليّ كما عبدت النصارى عيسى واليهود عزير وهناك الكثير من أتباع المتصوفة زاغوا عن طريق الله تعالى فخانهم العقل في فهم العلم لضعف القلوب وعدم تجريد القصد في أصل النيّة نحو الله تعالى ...

نرجع لنقول أنّ أمر الخلافة عالمه إنساني ( وحملها الإنسان ) أي الإنسان الكامل فما قال مثلا ( وحملها النبيّ أو الرسول أو المؤمن أو الوليّ أو المجاهد أو الشهيد ..إلخ ) وإنّما ذكر الإنسان لأنّ عالم الخلافة عالمه إنساني فهو العالم الأصغر الذي جاء كي يحكم بالعدل في عالمه الأصغر وعالمه الأكبر ونعني بالعالم الاصغر عالم الملك العاض والملك الجبري وبالعالم الأكبر عالم النبوّة وعالم الخلافة الراشدة على منهاج النبوّة

فنفهم أنّ المرتبة الثالثة وهي الملك العاض مرتبة مذمومة من حيث كون الحكم فيها ملكا عاضّا أي يعضّ عليها أن يسلبها وعلى الناس الذين يحكمهم فيها فليس الإنكار على الحكم من حيث كونه حكما وإنّما الإعتراض على كون الحكم فيها ليس كما أمر به الله تعالى إذ هناك فرق بين ينكر الحكم من حيث مرض في قلبه كما إعترض عليه إبليس لعنه الله تعالى وبين أن يكون المعترض أو نقول المستفسر على حالة الملائكة التي قالت ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) فهم أنكروا فعل آدم من حيث الإفساد فهم لم يعترضوا على الخلافة من حيث كونها خلافة عن طريق حسد أو غرور أو دعوى وإنما أنكروا على ما سيصدر من فعل الخليفة من إفساد وسفك للدماء فشتّان ما بين الفريقين أمّا الذي ينظّر ويساند في الحكم العاض أو الحكم الجبري فحسابه إلى الله تعالى فلا تنفع هناك التأويلات لهذا اعتزل الصوفية فما ناصروا قطّ ظالما كما كان شأن أهل الكهف لمّا اعتزلوا قومهم وكما فعل الخضر فكان يجاهد الحاكم الظالم باطنا ويفسد عليه مآربه ...

ثمّ المرتبة الرابعة وهي درجة قصوى في النكير على الحكم الجبري قال عليه الصلاة والسلام ( ثمّ يكون ملكا جبرية ما شاء الله أن يكون ثمّ يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ) فبيّن لك أنّ هذا الحكم لا يكون إلاّ بالجبر وهو الإستبداد وما يعبّر عنه بالدكتاتورية فخرج هذا الوصف مقابلا للنبوّة في الجهة الأخرى في كلّ صورة لذا كان زمنها زمن معكوسات أي يصبح فيه الصادق كاذبا والكاذب صادقا يخّوّن فيها الأمين ويؤمّن فيها الخائن وهكذا وهو إنقلاب الحقائق والمعاني فيفترق الظاهر مع الباطن فيصبح معاندا له ومزاحما له فيكون الكذب مزاحما للصدق وهو مزاحمة الباطل للحقّ فمتى وصل إلى درجته نطحه هناك الحق فزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا .. وهو ما سنشاهده من مزاحمة الباطل ( الدجال ) للحقّ وهو ( الله تعالى )

فيخرج الدجال في صورة إدعاء الألوهية لهذا نرى صور الرؤساء والملوك العرب في كلّ شارع وكذلك أصنامهم فانقلبت تلك الحقيقة وهي الصور الحقيقية التي تدلّ على دين الله تعالى وعلى التوحيد إلى عكسها لأنّنا في الشاهد متى راينا صورة النبيّ عليه الصلاة والسلام فهي لا تدلّنا إلاّ على الله تعالى كما قال عليه الصلاة والسلام ( المؤمن من تذكّركم رؤيته بالله ) وقال عليه الصلاة والسلام ( جدّدوا إيمانكم بملاقاة بعضكم بعضا كما قال تعالى ( سيماهم في وجوهمم من أثر السجود ) أي من اثر العبودية فلا تدلّك رؤية وجوههم إلاّ على عبودية الله تعالى فما قال مثلا ( سيماهم في وجوههم من أثر العلم أو الغنى ..إلخ ) وإنّما قال ( من أثر السجود ) أمّا اليوم فقد استعملت تلك الصور في غير ما وضعت له فنشروا صور الرؤساء والملوك وأصنامهم في الشوارع العامّة حتى أضحت واقع رعب في قلوب الناس بينما كانت مشاهد صور الأنبياء في القلوب والعقول عند رؤيتها مشهد قرب من الله تعالى ومحبّة له حتى أنّ الصحابة كانوا لا يشبعون من رؤية محيّاه صلى الله عليه وسلّم فوصفوا وجهه الشريف كونه كالبدر ليلة التمام ...

ثمّ قال عليه الصلاة والسلام ( ثم تكون خلافة راشدة على منهاج النبوّة ) أي ترجع الخلافة الراشدة على منهاج النبوّة بعد غربة طويلة تمثلت في الملك العاض والملك الجبري لهذا ستكون هناك تحوّلات عظيمة جدّا لأنّ الأمر سيتغيّر من النقيض إلى النقيض دفعة واحدة ... وهذا ليس بالأمر السهل ... لهذا نقول : كلّ من يريدعرقلة هذا المسار وهو عودة الخلافة الراشدة فلن يفلح ولو سلمت نيّته في ذلك بل ربّما نقص علمه وفهمه عن الله تعالى مع صدق نيته وسلامة قلبه ومحبته الخير للمسلمين والناس أجمعين ...
ثمّ سنذكر بعد هذه المقدّمة أنواع الخلافة ودرجاتها إن شاء الله تعالى وسنذكر طرفا من علوم المهدي خليفة آخر الزمان فهو ظاهر كشمس الضحى فليس مع العين أين والمشاهدة أقوى دليل ...

إلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّــــي *** مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّــــي
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي *** لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عنّـي
صورة العضو الشخصية
على الصوفي
عضو نشيط
مشاركات: 221
اشترك في: 21 إبريل 2017 03:15
آخر نشاط: 23 مارس 2019 11:12

العودة إلى “المنتدى العام”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائران