المنتدى العام >> مفاهيم حول التصوف

17 ديسمبر 2017 04:57

كتب بتاريخ : 16 فبراير 2013
ـــــ

بسم الله الرحمان الرحيم
وصلى الله تعالى وسلّم على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

الكثير من الناس اليوم يخطئ خطأ جسيما في فهم التصوّف كما نراه في الآونة الأخيرة في مجمل بلاد المسلمين خصوصا من ذلك الفهم الخاطئ المركّب الذي يتداوله الفكر السلفي في كتبهم ومجالسهم ومحاضراتهم عن التصوّف وأهله حتى صار الشطط من طرف غلاتهم فأخرجوا أهل التصوّف عن دائرة أهل السنّة والجماعة حتى وصل الأمر أنّ عدّ أحد كتّابهم ومنظّريهم وما أكثرهم في هذا الزمان التصوّف من جملة العقائد والأفكار الخارجة عن دين الإسلام ظانّا بذلك أنه يصلح القلوب والعقول ويبيّن الحقائق رغم أنّه في الحقيقة يفسدها فدخل في تشويه مدارس سلوكية إسلامية أصيلة ومناهج تربوية على المنهاج النبوي ناصعة فلا نعلم لمصلحة من يكتبون ذلك وينشرونه بكلّ تفانٍ فهم يهدمون من حيث يظنّون أنّهم يصلحون وما أصدق قول الله تعالى ( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنّما نحن مصلحون ألا إنّهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ) فهذه الآية وإن كانت نزلت في الكافرين والمشركين إلاّ أنّ مضمونها أيضا يتناول كلّ من يفسد وهو يظنّ أنّه يصلح ...

الفاجعة والداهية أنّ من يتلقّى تلك الأفكار الغريبة عن الإسلام إذ أنّها تؤسّس لإطفاء نور الولاية الربانية في الأرض غالبيتهم فتيان صغار وشباب عاطفي متحمّس ومتعطّش لدين الله تعالى بعد أن فعل العلمانيون فعلتهم في تجفيف منابع التلقي الديني الصحيح الوسطي المعتدل والقلبي الروحي المنوّر بنور الصدق والفهم والإخلاص والرحمة والعلم إذ لا فقه ديني متكامل لأولائك الشباب ولا معرفة لهم بأصول الديانة وأركانها ومقاماتها بل أخذوا العلم الشرعي على غير أصوله العريقة الصحيحة وعلى غير مشائخه المحققين فاعترضتهم هناك أمواج من الأوهام والتخيلات أوردتهم موارد الغلوّ والجهل الكبير والجدال بالباطل فصدّوا عن سبيل الله تعالى من حيث لا يشعرون وصادموا الحقائق الواضحات وهم لا يدركون فذهبت بهم مذهب أهل العناد فلا يرجعون عمّا اعتقدوه حتى خلنا أنّ تلك الأحاديث التي وردت في أقوام من الخوارج تشمل زمرة هائلة منهم وهذا لا يخفى على كلّ باحث منصف أوعالم محقق مدرك أو مؤمن تنوّر قلبه وسلمت مداركه ...

التصوّف كما قال الشيخ العلوي المالكي في كتابه ( مفاهيم يجب أن تصحّح ) هو ذلك المظلوم البريء الذي ظُلم من معاديه كما ظُلم من منتسبيه فعزمت في هذه الرسالة إن شاء الله تعالى توضيح معنى التصوّف والإستدلال عليه من الكتاب العزيز والسنّة الشريفة ومن أقوال السلف الصالح وذلك ببيان أحواله ومقاماته وعلومه ...

فأقول وعلى الله تعالى التيسير والقبول :

بداية لا يجوز إنكار التصوّف من حيث حقيقته وموضوعه وحدّه وإستمداده ومباحثه لأنّ إنكاره يعد إنكار ما عُلم من الدين بالضرورة إذ أنّ التصوّف كما عرّفه أهل السلف والخلف هو الوسيلة إلى الوصول إلى الركن الثالث من الدين كما نسب إلى الإمام مالك رحمه الله تعالى أنّه قال ( من تشرّع ولم يتحقّق فقد تفسّق ) فالتحقّق هو التصوّف إذ لا يمكن لعبد أن يتحقّق إلاّ في مدرسة التزكية والتربية التي سماها أهلها بمدرسة أهل التصوّف وسمّاها أهل الله تعالى بـــ : ( الطريقة ) فإسم الطريقة هو إسم شرعي كما قال تعالى ( وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً ) فلا نزعم أنّ المراد من ذكر الطريقة في هذه الآية هو ما تعارف عليه أهل الله تعالى في ذكرهم لسيرهم وسلوكهم بإسم الطريقة ولكن أنت هنا متى تدبّرت في الآية الكريمة بقلب فقيه سليم تلاحظ الترابط الوثيق بين الإستقامة على الطريقة وبين الشرب الذي يذكره القوم في مواجيدهم وأناشيدهم ... هذا مثال يعطيك تقريبا للمعنى الذي تعارف عليه أهل الله تعالى وأنّ نظرهم ثاقب في فهم مدلولات القرآن ومعانيه والمقامات المذكورة فيه والأحوال .. والأمثلة كثيرة ... وهذا لا يعني أنّ كلّ من سلك طريقة إستقام سيره بل قد يكون في الطريقة ولا يكون مستقيما ( وأن لو إستقاموا على الطريقة ... الآية )

قد يقول قائل : لماذا ذكر الله تعالى هنا الطريق بإسم مؤنّثها ؟ فما قال ( الطريق ) بل قال ( الطريقة ) فالجواب والله أعلم : أنّ الطرق كثيرة فهي للجمع أمّا الطريق فهو واحد لذا نقول في أهل الله تعالى أنّ طريقهم واحد وطرائقهم متعدّدة فالطريق الواحد هو صراط الله تعالى المستقيم أمّا الطريقة فلكلّ واحد من الوارثين طريقة متنوّعة عن غيرها يثبت بها الطريق المسقيم لأتباعه فعندما نقول مثلا : الطريقة الشاذلية ليس هو نفس قولنا الطريقة الرفاعية .. بمعنى أنّ مناهج السلوك يختلف بينهما وكذلك غيرهما من الطرق ولكن يبقى طريقهم كلّهم واحد وهو صراط الله تعالى المستقيم .. كما قال الإمام البوصيري رضي الله عنه ( وكلّهم من رسول الله ملتمس --- غرفا من البحر أو رشفا من الديّم ) فدلّك على أنّ الإلتماس كلّه من رسول الله صلى الله عليه وسلّم فالعين واحدة ولكن المسالك متعدّدة .. فهذا أمر لا ينكره عالم أو باحث منصف ..

لا يهمّنا كثيرا في تعريف معنى التصوّف لغة ومن أين إشتقاقه وإنّما الذي يعنينا تحديدا هو تعريف معنى التصوّف إصطلاحا وهو ما تعارف عليه القوم من أهل الله تعالى إذ أنّ كلّ فريق تعارفوا على ما هم فيه من الفنّ بإسم معيّن فلا مشاحة في الإصطلاحات ولا الأسماء فلا يمكن للمسترشد أن تحجبه الأسماء أو المصطلحات مهما كانت حادثة فلا يجب أن تكون حجابا عمّا في طيّاتها من معانيَ سليمة وعلوم مستقيمة فالفيصل في ذلك الإستدلال والإجماع ...

نحن لو نظرنا في معنى مدلول الفِرَقِ الإسلامية لوصلنا إلى عدّة مفاهيم وحقائق ربّما تكون غائبة عنّا فبالنسبة للتصوّف ما كان في يوم من الأيّام فرقة إسلامية بالمعنى السياسي الذي نعرفه اليوم عن الفرق الإسلامية فلو عدنا إلى صدر التاريخ الإسلامي وبحثنا في أسباب نشوء الفرق الإسلامية لوجدنا أنّ أوّل بزوغ لتلك الفرق الإسلامية كان منشؤها سياسيا بحتا فلمّا كان القوم مجمعين على إمام الإمام علي ابن أبي طالب كرّم الله تعالى وجهه هناك بارزه ونازعه الخلافة من ليس هو من أهلها بحجج مختلفة واهمة أو مرضية فمنهم من تمسّك بتأويلات دينية لا اساس لها من الصحّة كالخوارج ومنهم من تمسّك بتأويلات عصبية ليس لها علاقة بمفهوم الدين ومنهم من تمسّك بتأويلات التشيّع ولكن تبقى الخلاصة أنّ أغلب الفرق التي حدثت في صدر الإسلام إنّما أحدثتها التجاذبات السياسية خاصّة أمّا الفرق التي نشأت عن تجاذبات دينية فقد أحدثتها العصبيات الدينية فكما أراد الفريق الأوّل الإستئثار بالسياسة أراد الفريق الثاني الإستئثار بالدين ...

فالتشيّع مثلا هو مذهب سياسي بالاساس هو محبّة آل البيت وكذلك الخوارج فمذهبهم سياسي لهذا أقام الصفويون حكمهم فيما تمكّنوا منه من البلاد كبلد العراق وإيران في العصر الحديث كذلك أقام الخوارج حكمهم فيما وقع تحت سيطرتهم من البلاد كبلاد ( عُمان ) كما أقام الوهابيون دولتهم اليوم في أرض نجد والحجاز وقد أقام أيضا المعتزلة دولتهم في عهد المأمون .. فهذه فرق أنتجها الصراع السياسي تحت غطاء الدين ومظلّته فالشيعة مثلا لا يقبلون في دولتهم إلاّ ما كان يناسب مذهبهم السياسي الديني وكذلك الوهابيون في دولتهم لا يسمحون إلاّ لمنهجهم كما فعل في القديم المعتزلة فقد نفوا كلّ رأي يخالف رايهم حتى حبسوا الإمام أحمد ابن حنبل في فتنته الشهيرة رضي الله تعالى عنه فإنّ هذا الفرق جميعها إستعملت السيف والعنف واستعبدت رقاب الناس بقوّة السطوة والقهر ... فكان الخلاف صعبا والصراع أشدّ في هذه الأمّة التي كان بأسها فيما بينها شديد ...

نعود لنقول :

التصوّف ما كان في يوم ما مذهب سياسي ولا قام بالسيف ولا كانت له دوله قطّ لأنّه الدين لا أكثر ولا أقلّ .. فهل سمعتم في يوم من الأيام أو قرأتم أنّ هناك دولة ( الصوفية ) كما نرى ونشاهد في الحديث وكذلك كما قرأنا في القديم عن وجود دول : دولة الوهابية دولة الشيعة دولة الخوارج ...واليوم أيضا .. دولة الإخوان المسلمين بصدد التأسيس ..

الدين متى تأسس على مناهج السياسة والسياسيين ضاع واندثر ...

سيّدنا محمّد رسول الله عليه الصلاة والسلام ما كان سياسيا في يوم من الايام بالصورة المتعارف عليها اليوم لأنّه قال ( تكون فيكم النبوّة ما شاء الله لها أن تكون ثمّ يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ) فقد كانت فينا نبوّة وما كانت فينا سياسة ثمّ كانت فينا خلافة راشدة وما كانت فينا سياسة .. ولكن السياسة حدثت بعد الفتنة الكبرى بين علي ومعاوية ..لهذا قال عليه الصلاة والسلام ( ثمّ يكون ملك عاضّا ..ثمّ ملك جبريا ... ) فلاحظ كيف أخرج الدين حينما ذكر الملك العاض والملك الجبري ... فما كانت دولة محمّد صلى الله عليه وسلّم دولة دينية بالمعنى الذي نفهمه اليوم بل كانت دولة نبوّة كما كانت من بعده دولة خلافة على منهاج النبوّة ..فإذا علمت أنّ ما نشاهده اليوم ليس هو بدولة نبوّة ولا هو دولة خلافة فما بقي ؟ الجواب : بقي الملك سواء أكان الملك العضود أم الملك الجبري .. فلا يمكن نعت الملك بالخلافة إلاّ متى كان الخليفة عادلا عدلا تاما لهذا عدّوا عمر بن عبد العزيز بالخليفة الخامس ... رغم تقدّم ملوك قبله من بني أميّة كمعاوية بن أبي سفيان وإبنه يزيد فلم يطلق عليهما هذا الوصف ..

فالتصوّف ليس هو بمذهب سياسي بل هو مدرسة دينية فيها يتعلّم الدين الصحيح الحقيقي ومنها يتخرّج الخلفاء فمن يستقرئ السيرة الذاتية لسيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه مثلا لا يشكّ لحظة في كونه رجل صوفي ليس بالمعنى الإسمي المشتقّ ولكن بمعنى مضامين ذلك الإسم ومعانيه وهو التربية والسلوك الرباني ..

هنا يصحّ قول من قال ومنهم الإمام الغزالي رضي الله عنه ( التصوّف فرض عين على كلّ مسلم ومسلمة ) وكذلك قال فيما معناه الشيخ زرّوق رضي الله عنه لذا قال العارفون : لا يهمّ من القادم علينا ولكن المهمّ أن يكون قاصدا نحو الله تعالى طالبا قربه سائلا محبّته ..

لقد ورث الصوفية علومهم وسلوكهم ومقاماتهم وأحوالهم عن الخلفاء وعن آل البيت فهم باب الله تعالى أسانيدهم موصولة غير مقطوعة ونعني هنا بالاسانيد الوصلة القلبية والروحية التي عليها مدار واساس الأمر كلّه ..

فالذي أحببت أن أقوله في هذه المقدّمة المتناثرة التي لا أتقيّد فيها بتأصيل أكاديمي فهذا لا أحسنه ولا أستطيعه أنّ موضوع التصوّف هو ( معرفة الله تعالى ) وقد نصّ الإمام العارف سيدي ابن عجيبة الحسني تعاريف التصوّف في مقدّمة كتابه شرح الحكم ...

فما كان قطّ التصوّف فرقة إسلامية بالمعنى المتعارف عليه حتّى عدّوه من الفرق الإثنتين والسبعين فهذا غلط بل التصوّف هو الدين وهو الإسلام لا أكثر ... لهذا أوصانا عليه الصلاة والسلام بأن نعتزل جميع تلك الفرق في آخر الزمان

مشكلة الأمّة الإسلامية والعربية تتمثّل في ضعف العقول وضيق القلوب اللذان هما من أعظم اسباب وجود السطحية والسذاجة الغير متناهية بسبب سطوة العاطفة والإنفعالات الغير منضبطة وقد عبّر اللسان النبوي الشريف عن هذا في قوله صلى الله عليه وسّلم في علامات آخر الزمان وهو زماننا هذا ( ستاتى على أمتى سنوات خداعات يكذب فيها الصادق و يصدق فيها الكاذب ويؤتمن الخائن و يخون فيها الامين وينطق فيها الرويبضه) قيل (وما الرويبضه؟) قال: ( الرجل التافه السفيه يتكلم فى أمر العامة ) وقال عليه الصلاة والسلام ( سيخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة ) فوصف هنا ضعف العقول حتى تكلّم الرويبضة في أمر العامّة كما وصف ضعف القلوب حتى أمست ترى الحقّ باطلا والباطل حقّا لأنّ الشيء من مأتاه لا يستغرب ...

إنّ نشوء تلك الفرق الإسلامية ما كان لوجه الله تعالى أو لخدمة دينه بل نشأت لخدمة توجّهات وآراء وعصبيات سواء أكانت عصبيات سياسية أم دينية ..

لأنّ العصبيات السياسة سبب نشأتها هي طلب الدنيا والإقبال عليها أمّا العصبيات الدينية وهو ما يعبّر عنها بالطائفية اليوم فمنشؤها الغلوّ الديني الذي يغلق مدارك العقول ويحجب آفاق القلوب فكيف إذن متى امتزج هذا مع هذا ؟ فكلّ صاحب سياسة يستميل من أهل الدين من يرتكز عليهم لتثبيت سلطانه والعكس صحيح فكلّ صاحب فرقة وطائفة وعصبية دينية يعوّل على صاحب ملك وسياسة فيستميلهم لتثبيت آرائه ومناهجه فيستخدمون بعضهم البعض كما قال إبن عبد الوهاب شيخ الطائفة الوهابية لإبن سعود ( الدم بالدم والهدم بالهدم ) لهذا فإن المهدي المنتظر حين ظهوره يبدأ بقتال علماء السوء كما أنّه يقاتل أمراء السوء ونعني بذلك أنّه يهدم دولة الباطل ظاهرا من حيث السياسة وباطنا من حيث الدين من سياسات علمانية وعصبيات دينية فلا رجوع لدولة الخلافة بغير هذين الشرطين وكما قيل فإنّ الشعوب على دين ملوكها فهكذا سارت الشعوب

فنقول اليوم مثلا : هؤلاء شيعة وأؤلائك وهابية والآخرون إخوان والذين من بعدهم صوفية أمّا هناك فهم تبليغ ثم ّ هنالك المعتزلة وقبلهم الخوارج كلّ فرقة تبدّع الأخرى في أحسن الأحوال وفي الاسوأ وهو الأكثر فهو التكفير والتشريك فهل هذا وغيره من الإسلام في شيء ؟ فكيف لسلفي يدّعي أنّه من أهل السنّة وهو يكفّر الصوفية ثمّ كفّر الأحباش الوهابيين وكفّر الوهابيون الشيعة أمّا أهل الهجرة والتكفير فقد حسموا أمرهم في كون البشرية جامعة على ملّة الكفر فهل هذا هو الإسلام الذي جاء به محمّد صلى الله عليه وسلّم وهل هذه هي سنّته إذن فقد فعلت بهم أنفسهم والشياطين الأفاعيل وهم لا يشعرون فنجد أقواما مثل الشيعة مثلا يستهزؤون بأهل السنّة غاية الإستهزاء ولسان حالهم يقول ( نحن أبناء الله وأحبّاؤه ) وقد سمعت بأذني طفلا لا يتجاوز عمرة الخمسة عشر عاما يسبّ أمير المؤمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ويستهزأ به وهكذا حال السلفية المعاصرة يستهزؤون بمن خالفهم نهاية الإستهزاء حتى أمسوا يضحكون من كلّ عالم صوفي أو وليّ رباني صالح ويحتقرونه ولسان حالهم يقول ( نحن أبناء الله وأحباؤه ) ونحن الفرقة الناجية ... هذا ما فعله التلقين بهم فهم ملقّنون فكلّ ما فيه تلك الفرق ما هو غير تلقين بثّه الشيطان في رؤوس علمائهم لهذا سيأتي المهدي ومعه السيف ولكنه ليس كبقية السيوف

يا عجبي كيف لا يتلاقى علماء الإسلام على كلمة جامعة وكيف لا يتلاقى رؤساء الدول الإسلامية على كلمة جامعة وكيف لا يدخلون إلى خلواتهم مع بعضهم البعض يتباحثون ويتناظرون بعيدا عن أعين العامّة والكافّة من الناس ... إنّ الله تعالى سبحانه سيسأل كلّ واحد منهم عمّا إقترفته يداه أو بحاله أو بقيله أو بما رسمته بنانه .. ولكنّهم لا يشعرون لغلظة حجاب قلوبهم فإنّه متى نفخ في الصور صعق من في السماوات والأرض .... هناك يتمنّى كلّ واحد منهم أن لو لم يكتب حرفا واحدا ولا ذاكر مذاكرة أو عمل محاضرة واحدة ولا تقلّد مسؤولية مهما كان مستواها ولكن الناس في غفلة عن هذا فذرهم في غفلتهم حتى يأتيه النبأ اليقين ( إقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون )

ما سلّط الله تعالى أحدا على أحد إلاّ بسبب ذنب لأنّه يقول سبحانه ( عبادي ليس لك عليهم سلطان ) فكلّ من خرج عن دائرة العبودية لربّه سلّط الله تعالى عليه من يسومه سوء العذاب ...

إنّ ما يحدث في الأمّة اليوم من تطاول للجاهلين حتّى أهلكوا الحرث والنسل والدين ما هو بالأمر الهيّن لهذا وجب تغيير الكون بأسره فما نشهده اليوم ما هو غير بداية فانتظر إنّا منتظرون ...

مشكلة الأمّة الإسلامية والعربية تتمثّل في ضعف العقول وضيق القلوب اللذان هما من أعظم اسباب وجود السطحية والسذاجة الغير متناهية بسبب سطوة العاطفة والإنفعالات الغير منضبطة وقد عبّر اللسان النبوي الشريف عن هذا في قوله صلى الله عليه وسّلم في علامات آخر الزمان وهو زماننا هذا ( ستاتى على أمتى سنوات خداعات يكذب فيها الصادق و يصدق فيها الكاذب ويؤتمن الخائن و يخون فيها الامين وينطق فيها الرويبضه) قيل (وما الرويبضه؟) قال: ( الرجل التافه السفيه يتكلم فى أمر العامة ) وقال عليه الصلاة والسلام ( سيخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة ) فوصف هنا ضعف العقول حتى تكلّم الرويبضة في أمر العامّة كما وصف ضعف القلوب حتى أمست ترى الحقّ باطلا والباطل حقّا لأنّ الشيء من مأتاه لا يستغرب ...

إنّ نشوء تلك الفرق الإسلامية ما كان لوجه الله تعالى أو لخدمة دينه بل نشأت لخدمة توجّهات وآراء وعصبيات سواء أكانت عصبيات سياسية أم دينية ..

لأنّ العصبيات السياسة سبب نشأتها هي طلب الدنيا والإقبال عليها أمّا العصبيات الدينية وهو ما يعبّر عنها بالطائفية اليوم فمنشؤها الغلوّ الديني الذي يغلق مدارك العقول ويحجب آفاق القلوب فكيف إذن متى امتزج هذا مع هذا ؟ فكلّ صاحب سياسة يستميل من أهل الدين من يرتكز عليهم لتثبيت سلطانه والعكس صحيح فكلّ صاحب فرقة وطائفة وعصبية دينية يعوّل على صاحب ملك وسياسة فيستميلهم لتثبيت آرائه ومناهجه فيستخدمون بعضهم البعض كما قال إبن عبد الوهاب شيخ الطائفة الوهابية لإبن سعود ( الدم بالدم والهدم بالهدم ) لهذا فإن المهدي المنتظر حين ظهوره يبدأ بقتال علماء السوء كما أنّه يقاتل أمراء السوء ونعني بذلك أنّه يهدم دولة الباطل ظاهرا من حيث السياسة وباطنا من حيث الدين من سياسات علمانية وعصبيات دينية فلا رجوع لدولة الخلافة بغير هذين الشرطين وكما قيل فإنّ الشعوب على دين ملوكها فهكذا سارت الشعوب

فنقول اليوم مثلا : هؤلاء شيعة وأؤلائك وهابية والآخرون إخوان والذين من بعدهم صوفية أمّا هناك فهم تبليغ ثم ّ هنالك المعتزلة وقبلهم الخوارج كلّ فرقة تبدّع الأخرى في أحسن الأحوال وفي الاسوأ وهو الأكثر فهو التكفير والتشريك فهل هذا وغيره من الإسلام في شيء ؟ فكيف لسلفي يدّعي أنّه من أهل السنّة وهو يكفّر الصوفية ثمّ كفّر الأحباش الوهابيين وكفّر الوهابيون الشيعة أمّا أهل الهجرة والتكفير فقد حسموا أمرهم في كون البشرية جامعة على ملّة الكفر فهل هذا هو الإسلام الذي جاء به محمّد صلى الله عليه وسلّم وهل هذه هي سنّته إذن فقد فعلت بهم أنفسهم والشياطين الأفاعيل وهم لا يشعرون فنجد أقواما مثل الشيعة مثلا يستهزؤون بأهل السنّة غاية الإستهزاء ولسان حالهم يقول ( نحن أبناء الله وأحبّاؤه ) وقد سمعت بأذني طفلا لا يتجاوز عمرة الخمسة عشر عاما يسبّ أمير المؤمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ويستهزأ به وهكذا حال السلفية المعاصرة يستهزؤون بمن خالفهم نهاية الإستهزاء حتى أمسوا يضحكون من كلّ عالم صوفي أو وليّ رباني صالح ويحتقرونه ولسان حالهم يقول ( نحن أبناء الله وأحباؤه ) ونحن الفرقة الناجية ... هذا ما فعله التلقين بهم فهم ملقّنون فكلّ ما فيه تلك الفرق ما هو غير تلقين بثّه الشيطان في رؤوس علمائهم لهذا سيأتي المهدي ومعه السيف ولكنه ليس كبقية السيوف

يا عجبي كيف لا يتلاقى علماء الإسلام على كلمة جامعة وكيف لا يتلاقى رؤساء الدول الإسلامية على كلمة جامعة وكيف لا يدخلون إلى خلواتهم مع بعضهم البعض يتباحثون ويتناظرون بعيدا عن أعين العامّة والكافّة من الناس ... إنّ الله تعالى سبحانه سيسأل كلّ واحد منهم عمّا إقترفته يداه أو بحاله أو بقيله أو بما رسمته بنانه .. ولكنّهم لا يشعرون لغلظة حجاب قلوبهم فإنّه متى نفخ في الصور صعق من في السماوات والأرض .... هناك يتمنّى كلّ واحد منهم أن لو لم يكتب حرفا واحدا ولا ذاكر مذاكرة أو عمل محاضرة واحدة ولا تقلّد مسؤولية مهما كان مستواها ولكن الناس في غفلة عن هذا فذرهم في غفلتهم حتى يأتيه النبأ اليقين ( إقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون )
ما سلّط الله تعالى أحدا على أحد إلاّ بسبب ذنب لأنّه يقول سبحانه ( عبادي ليس لك عليهم سلطان ) فكلّ من خرج عن دائرة العبودية لربّه سلّط الله تعالى عليه من يسومه سوء العذاب ...
إنّ ما يحدث في الأمّة اليوم من تطاول للجاهلين حتّى أهلكوا الحرث والنسل والدين ما هو بالأمر الهيّن لهذا وجب تغيير الكون بأسره فما نشهده اليوم ما هو غير بداية فانتظر إنّا منتظرون

إنّ أخطر مهمّة وأشدّها أوكلت لأحد من الناس هي مهمّة صيانة الدين من التحريف ظاهرا وباطنا لفظا ومعنى لأنّ اللفظ متى حرّف حرّف بعده المعنى ضرورة متى علمت أنّ الأسماء لا تدلّ إلاّ على مسمياتها والحفاظ على حقائقه لأنّ الأديان الصحيحة متى حُرّفت حقائقها وجرّدت من معانيها كدين النصارى واليهود بات السلوك فيه سلوكا شيطانيا خالصا متى علمت أنّ الدين أوّل ما يحرّف فيه إبليس لعنه الله تعالى إنّما يحرّف فيه التوحيد وهذا ما فعله السامري لعنه الله تعالى في عهد سيّدنا موسى عليه السلام في بني إسرائيل فنسبوا الألوهية للعجل الذي أحرقه سيدنا موسى عليه السلام ثمّ حرّف النصارى أيضا دينهم في مجال التوحيد فنسبوا الألوهية لعيسى عليه السلام وقد حرّف الذين من قبلهم التوحيد فمنهم من عبد الشجر ومنهم من عبد الشمس ومنهم من عبد البقر ومنهم من عبد بوذا ومنهم من عبد الجنّ ومنهم من عبد الأصنام ومنهم ومنهم ...

فالخلاصة أنّهم جميعهم ما عبدوا في الحقيقة إلاّ إبليس لعنه الله تعالى كما قال تعالى ( ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم )

ثمّ إنّ التحريف قد يقع خارج الدين وهذا تحريف الألفاظ كما قال تعالى ( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا ) وقد يقع في ذات الدين أيضا وهو تحريف المعاني كما قال تعالى ( ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير ) فانظر قوله تعالى ( .. كتب عليه أنّه من تولاّه فأنّه يضلّه ويهديه إلى عذاب السعير ) فالمؤمن لا يتولّى إلاّ الله تعالى ثمّ رسوله عليه الصلاة والسلام ثمّ المؤمنين ألا ترى أنّ في هذه الآية ذكرت كلمة ( الجدال ) كي تعلم حقيقة المتّصف بصفة الجدال في الله تعالى بغير علم لأنّ الجهل المركّب يورث الجدال بالباطل وهذا أمر حضرته شيطانية وسنفصّل الأمر إن شاء الله تعالى في ذلك فإنّ أوّل من أسّس علم الجدل هو إبليس لعنه الله تعالى ونعني هنا الجدل المذموم وذلك في مجادلته في قوله ( أنا خير منه )

لذا قال سيدي محمد المداني رضي الله عنه أو غيره ذاكرا حقيقة الدين والطريق في قصيدة من قصائده ( طريقنا لا جدال ولا نزاع لله السلام ) لأنّ الجدال بالباطل يورث الدعاوى الكبيرة فكلّما جادل الإنسان بالباطل كلّما إنتفخ كما ينتفخ الشيطان أمّا الجدال بالحسنى كما قال تعالى ( وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ) فهو مطلوب كلّما دعت الضرورة إليه كما جادل بالحسنى أهل العلم والمعرفة من العلماء المحققيين دفاعا عن الدين فإنّ أغلب ما تراه مرسوما في كتب العلماء المحققين من ردود على شبهات كثيرة وأوهام خطيرة إنّما فعلوه حماية للدين مخافة أن تحرّف معانيه لا لكونهم يحبّون الجدل أو يتذوّقونه بعد أن ورد النهي عن المراء في السنّة الشريفة المطهرة فإنّ الجدال صنيعة بني إسرائيل أعني أنّهم أكثر قوم جادلوا رسلهم وإنّ من الجدال كثرة السؤال أيضا كما قال تعالى ( أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ) أمّا أهل الله تعالى فلا يجادلون وإنّما يدعون إلى الحقّ حينما يتعلّق الأمر بالدين والتوحيد خشية أن تحرّف معانيه كما فعل نوح مع قومه في دعوته لعبادة الله تعالى وحده لا شريك له حتى قالوا له ( قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا )

فكلّ من تراه يصبح ويمسي وهو في جدال في دين الله تعالى وجب التحذير من فعله ذلك لأنّه ليس من الدين وفي هذا الخصوص قد ورد عن الإمام سيدي عبد الوهاب الشعراني رضي الله عنه في بعض من كتبه أنّه رأى أشخاص ينتمون إلى إحدى المذاهب الفقهية يفطرون في شهر الصيام كي يتقوّون على جدال غيرهم فيه بنيّة الجهاد بالكلمة في سبيل الله تعالى فانظر خطر تسويل الشياطين لبني البشر فيأتيهم وتلك خصيصته دائما في ثوب الرجل التقي الناصح يزيّن لهم سوء أعمالهم حتى تضحى في أعينهم إحسان ما بعده إحسان .. فإنّ أخطر سلاح من اسلحة إبليس لعنه الله تعالى يحارب به بني البشر بعد سلاح الخفاء هو سلاح النصح فقد تخفّى في الجنّة لآدم ومن ثمّ نصحه وكذلك النفس فهي مغرورة وأنانية لا ترى غير وجودها ولا تبحث إلاّ عن شأنها وجاهها لهذا قال سيدي محمد البوصيري في قصيدته البردة ( وخالف النفس والشيطان واعصهما --- وإن هما محّضاك النصح فاتهم ) فأ،ظر رعاك الله تعالى إلى فقه الإمام البوصيري وتحقيقه فهو هنا ما دعاك إلى الحذر من عداوة النفس والشيطان فهذا شيء معلوم وإنّما دعاك إلى الحذر من نصحهما لأنّهما يلبسان ثياب التخفي ونعني بالتخفي سواء أكان هذا التخفي ظاهرا أم باطنا كما قال السامري ( وكذلك سوّلت لي نفسي ) أي أوهمتني ...

فالشيطان لعنه الله تعالى أراد أن يهلك بني البشر ويفسد عليهم خلافتهم التي إرتضاها الله تعالى لهم وذلك بصدّهم عن عبادة ربّهم فما صدّك إبليس لعنه الله تعالى عن العبودية ( لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم ) إلاّ ليسلب منك ما أكرمك الله تعالى به من حبايا الخصوصية فصدّك عن طريق الفناء في محبّة الله تعالى كي لا تخرج من عنده في حلية عالم البقاء وهو معنى الخلافة لأنّه يعلم أن لا خلافة إلاّ في عالم البقاء كي تصحّ العبودية وأنت في عالم الخلافة فلا ترى مع الله سواه سبحانه وتعالى لأنّ إبليس لعنه الله تعالى أراد أن يخرج في تلك الصفة ولكن أراد الخروج فيها بنفسه أي بأمراض نفسه وتسويلاتها وهذا لا يمكن أن يستقيم وإلاّ فسدت الحقائق العليا المصونة كما نراه ونشاهده اليوم فكم من واحد إدعى النبوّة والرسالة وكم من واحد إدّعى المهدوية وكذلك الدجال فإنّه سيدعي الألوهية وكلّ هذا بالنفس وأمراضها وعليه فلا يمكن الخروج في وصف الدين الحقيقي والخلافة الحقيقية إلاّ في عالم البقاء من هنا نشأ التصوّف كمدرسة سلوكية للوصول إلى تلك الغاية من العبودية ..

إذن فعقبة إبليس لعنه الله تعالى هي عقبة التصوّف وأهله ونعني بذلك أولياء الله تعالى الذين هم الحصن الأخير للأمّة وهم المرابطون حقّا قولا وفعلا صدقا وعدلا فأراد عليه لعائن الله تعالى هدم الولاية من الوجود لأنّه طريق الخلافة الربانية في الوجود وها إنّك اليوم ترى وتشاهد هدم مقامات الأولياء ومحاربة التصوّف على أوسع نطاق وها هو اليوم سيقوم رسول الله عليه الصلاة والسلام بنفسه في إينه المهدي المنتظر بخصوص الخلافة الربانية التي أوشك إبليس لعنه الله تعالى الخروج في وصفها في شخص المسيخ الدجال لهذا قال شيخنا رضي الله تعالى عنه ( اليوم سيفتح باب رسول الله صلى الله عليه وسلّم على مصراعيه ) ...

قال شخنا رضي الله عنه قبل نشوء الحرب على دولة العراق ( لقد رايت رسول الله صلى الله عليه وسلّم في المنام وأنا بصحبته كنا لابسين لامة الحرب والقتال في بغداد ...إلخ )

الحرب في الباطن تدور على أشدّها والناس غافلون فعن قريب ستخرج من الباطن المخفي إلى الظاهر .. فتظهر حقيقة كلّ شيء ويتأكّد الناس أنّهم خدعوا ...

هذه مقدمات كي نبدأ الحديث عن التصوّف ودوره في حماية التوحيد والدين الصحيح فالتصوّف هو باب السماء الذي لم يغلق ولن يغلق إن شاء الله تعالى

ما كان التصوّف كما قدّمنا مذهبا فقهيا ولا فرقة إسلامية سياسية تنازع على الحكم والسلطة كي تحكّم شرع الله تعالى ودينه في البلاد بحسب منهج تلك الفرقة أو الأخرى بل التصوّف كان ولايزال يسعى إلى تربية الشخصية الإنسانية الإسلامية المثالية من حيث الظاهر والباطن سواء في العبادة أو المعاملة متى علمت أنّ المعاملة من العبادة إذ لا يصلح الظاهر إلاّ بالباطن كما قال تعالى ( وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ) أي لا يصلح هذا الظاهر إلاّ بالباطن لأنّك متى تركت فقط ظاهر الإثم ولم تتجنّب باطنه تكون مدلّسا في طريق الله تعالى ومحرّفا لدينه لأنّ الظاهر خدّاع فربّما خدعت غيرك فأحسن بك الظنّ لما يراه عليك من مظاهر الدين والتقوى والعلم والمظهر العام كلحية وقميص أو جبّة وهالة من التزيّن والتقدّم والخطابة ..إلخ ..

فأخذ عنك الدين فسقيته من كأس بعدك عن الله تعالى حنظلا مرّا لأنّ الكلام الديني يسري في القلوب فكيفما كانت حالة قلبك سقيت من اتّخذك إماما وقدوة من نفس شرابك لهذا ورد في الحديث النبوي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنّ الناس تتخذ عند فقد العلم رؤوسا جهّالا فأفتوهم بغير علم فضلّوا وأضلّوا أي ضلّوا هم في أنفسهم وأضلّوا غيرهم ممّن سألهم واستفتاهم فشرب من غسالتهم ...

الدين الإسلامي ليس آراء أو تفرّق أو حزبيات أوشيعيات بل هو ( الهدى ) قال تعالى ( فإمّا يأتينّكم منّي هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) فالهدى هو طريق الله تعالى كما قال تعالى ( إهدنا الصراط المستقيم ) أي الذي يوصل إلى الله تعالى فلا اعوجاج فيه
فكان أهل التصوّف الحقيقيين في كلّ زمان ومكان هم أهل الهداية الربانية يتلوه شاهد منهم فهم حقيقة أهل الخلافة كما قال شيخنا سيدي إسماعيل رضي الله عنه في مرآة الذاكرين بخصوص شيخه سيدي محمد المداني رضي الله عنه ( ... من مننت عليه بالجلوس على كرسي الخلافة المحمدية ) فالذي بقي من أمر الخلافة التي هي على منهاج النبوّة هو ما تراه عند العارفين بالله تعالى من أهل التصوّف الحقّ فسرت تلك الخلافة النبوية منذ عهد النبي عليه الصلاة والسلام إلى هذا اليوم ولكنها سرت باطنا لا يعلمها كثير من الناس أمّا الذين تمسّكوا بظاهر الخلافة فما ورثوا رسول الله صلى الله عليه وسلّم في شيء إلاّ شيئا ظاهرا لذا من كان هذا حاله تجد له عناية كبيرة بالظاهر لأنّه محجوب عن الباطن فهو محجوب عن نفسه ولا يدري عنها شيئا فظنّه الصراط المستقيم والطريق القويم فإنّ كلّ من جعل الدين ظاهرا فنفى عنه حقائقه الباطنة فهو فاسق في عرف أهل الله تعالى لا يجيء منه شيئ ومثل هؤلاء هم الذين ورد فيهم الحديث القائل ( إنّ الله يؤيّد هذا الدين بالرجل الفاجر ) يؤيّد بهم الدين من حيث إقامة ظاهر الدين أمّا التأييد الباطني للدين فليس لهم عنه خبرا ...

موضوع التصوّف هو الدين في جملته لذا قالوا في تعريفاتهم رضي الله عنهم : التصوّف علم ثمّ عمل ثمّ ثمرة وقالوا التصوّف هو : شريعة وطريقة وحقيقة وقد استنبطوا هذا التعريف من الحديث النبوي واضح الدلالة ( الإسلام والإيمان والإحسان ) كما قال تعالى ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) يتلوا عليهم آياته ( شريعة ) ويزكيهم ( طريقة ) ويعلمهم الكتاب والحكمة ( حقيقة ) قال تعالى ( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ) لذا قال بعد هذا ( وما يذكّر إلاّ أولو الألباب ) أي أهل العقول الذين هم أهل الإحسان .. ( إنّ الله يحبّ المحسنين )

فذهاب التصوّف من الأرض هو ذهاب الدين باسره قال عليه الصلاة والسلام ( لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحقّ ) غير محجوبين عنه
منهج السلف الصالح هو هذا الذي عليه الصوفية من أهل المعرفة بالله تعالى اليوم وإنّ مذاهب السلف لمّا اندثرت حلّ مكانها الطرق الصوفية فأهل التصوّف هم السلفيين حقيقة الذين هم على أقدام رسول الله عليه الصلاة والسلام فإنّ الخليفة القادم الذي سيأتي كما بشّرنا به ما هو إلاّ رجل على أقدام أهل التصوّف ...
قد يسأل سائل : لماذا إذن حرّف التصوّف عن مضامينه ومواضيعه ؟ فالجواب : نعم إنّما حرّف التصوّف بتحريف الدين فكما أنّ الديانات قد حرّفت من قبل فكذلك الأمر فروح كلّ ديانة لا بدّ أن يحرّف تبعا لذلك لهذا حفظ الله تعالى دين الإسلام من التحريف كي لا يحرّف معناه وروحه لأنّ اللفظ لا يدلّ إلاّ على مسمّاه فمتى حرّف اللفظ عن مسمّاه وهو معناه كما حمله , فإنّ ألفاظ القرآن في الشاهد كمثل سفينة نوح لا يركب فيها إلاّ مؤمن فمتى ركبت في سفينة ألفاظ القرآن فقل بسم الله مجراها ومرساها لأنّها لا ترسو بك إلاّ على جبل قاف بعد أن يأخذك تلاطم الأمواج إليه ..

قال تعالى ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدّعا من خشية الله ) لما فيه من التعريف بشأني في ورود أخبار شهود عظمتي فتصدّع الجبل كما دكّ الجبل وخرّ موسى صعقا ...
فتحريف الدين يقع في الظاهر كما أنّه يقع في الباطن وهو المعنى ومن هنا ضلّت تلك الفرق الإسلامية كلّها في عدم فهمها لحقائق المعاني بسبب عدم التزكية والطهارة القلبية بعد أن أعلمك سبحانك أنّه ( لا يمسّه إلاّ المطهّرون ) ...

إذن علينا اليوم أن نتجاوز الأسماء والمسميات الحادثة كي لا نحجب بها عن حقائقها كما نراه اليوم ونشهده ونسمعه من حرب ضروس ضدّ التصوّف وأهله رغم أنّه روح الدين ولكننا نقول ربّ ضارة نافعة وربّ رجل فاجر يؤيّد الله تعالى به هذا الدين ثمّ تنتهي مهمّته ولا يخرجه ذلك عن فجوره ولا يشفع له ...

لمّا كان التصوّف مدرسة تربوية نبوية ومنهج رباني صار عليه إجماع من أئمّة الإسلام في مختلف العصور سلفا وخلفا على أحقّيته وأنّه روح الدين المختصّ بمعرفة سلوك طريق معرفة رب العالمين فلا يوجد كما قال أحد العلماء سند متّصل رواية للقرآن أو السنّة ليس فيها رجلا صوفيا أو أكثر فإنّ جميع روايات القرآن والحديث قاطبة لا بدّ وأن يوجد فيها رجل صوفي من أهل الله تعالى كي تعلم أنّ التصوّف ما خلا منه وقت ولا مكان بل سارت بذكره الركبان في مختلف البلاد والأزمان وإنّي لأعجب كيف يتصدّر اليوم فتيان حدثاء الاسنان سفهاء الأحلام منابر الخطابة ودور التدريس يقدحون بملئ اشداقهم في التصوّف والصوفية

كان أهل الرعيل الأوّل من المنكرين على بعض رجالات الطائفة ما أنكروا حقيقة طريق التصوّف بل أنكروا على من شذّ منهم عن أحكام العلم والشريعة لهذا كان صوفية السلف الصالح أكثر الناس حفاظا على الشريعة وآدابها فكانوا علماء بالشريعة قبل الحقيقة بل الشريعة هي بابهم للحقيقة فذلك هو الميزان وهو صراط الله تعالى المستقيم إلى أن كثرت بعد ذلك البدع والخرافات والأوهام فتصدّى القوم غيرة على طريقتهم كما قال الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى أن يدعيها من ليس منهم فكتب رسالته الخالدة إلى جميع الصوفية في كافّة بلاد الإسلام بعد أن أنكر ما يجب نكرانه ممّا يخرج عن الدين ... وعلى هذا سار القوم من عهد الجنيد رحمه الله تعالى إمام الصوفية الذي هذّب علوم القوم وأوضح نسقا على من سبقه من أهل الله تعالى مفاهيم أحوالهم ومقاماتهم فقال قولته المشهورة ( علمنا هذا مقيّد ومشيّد بالكتاب والسنّة ) لئلاّ يتوهّم متوهّم أنّ الصوفية لا يتقيّدون بذلك بعد أن قال عليه الصلاة والسلام ( إثنان إن تمسكتم بهما فلن تضلّوا بعدي أبدا كتاب الله وسنّتي - أو - وعترتي الطاهرة - ) ..

إلى أن برز في القرن السابع كما كتبه العلماء في كتبهم من له فضل حفظ وعلم ويعنون به الشيخ إبن تيمية رحمه الله تعالى فأفسد من حيث أراد إصلاحا بخصوص التصوّف فشرّق فيه وغرّب وفسّر طريق القوم على نفس طريقة تفسيره للفقه وللكلام والمنطق ..إلخ فخاض في جدال لا خير يرجى منه ولا مصلحة تكون فيه ودخل فيما لا يعنيه ولا يفهمه رغم أنّنا نحسن الظنّ به فنرى أنّ ما حمله على ذلك ما رآه في زمانه من بدع وخرافات التي نشهدها إلى يومنا هذا إلاّ أنّه تجاوز نكران ما علم من الدين ضرورة بطلانه إلى الخوض في صميم علوم الصوفية وأحوالهم ففسّرها بحسب ما عليه باطنه فضلّ وأضلّ الله تعالى به في هذا المجال إلاّ أنّه رغم كلّ ذلك ما أنكر التصوّف معلم حال ومقام بل أثبته غاية في الكثير من كتبه خصوصا كتابه ( الصوفية والفقراء ) وكذلك في كتابه ( الفتاوى ) وغيرهما وعلى هذا النهج سار من تلامذته من كان على نفس طريقه خصوصا الإمام ابن القيّم الجوزية رحمه الله تعالى الذي ألّف كتابه ( مدارج السالكين ) على منازل السائرين في التصوّف شارحا به كلام المصنّف عبد الله الهروي الحنبلي رحمه الله تعالى ..

لقد قرأت ما كتبه ابن تيمية بخصوص التصوّف وكذلك ما كتبه تلامذته من بعده فرأيتهم دخلوا فيما لا يعنيهم وليس من اختصاصهم وقد صدق من قال في ابن تيمية ( علمه أكبر من عقله ) فهو يتصرّف في العلم من غير رادع حتى غلبته سطوة غول العلم ففتك به فردّ تقريبا على كلّ إمام وكلّ عالم ومن يقرأ في كتبه يستشعر روح العظمة وكبرياء العلم فيه هذا ولا نغمط حقّه من الإبداع في التأليف والكثير من المعاني الرائقة الراقية وفي كثير من الردود الصائبة انتفع بها من وقف عليها خصوصا في ردّه على النصارى والشيعة وغلاة المتصوفة وأهل الخرافات والأوهام لكن لا أظنّ أنّ هذا يشفع له بخصوص دخوله في نزاع مع العارفين بالله تعالى كسيدي أبي الحسن الشاذلي رضي الله تعالى عنه وغيره كثير .. وما أمثّل ابن تيمية اليوم إلاّ بما نشهده في الآونة الأخيرة من حرب على الإسلام بحجّة الحرب على الإرهاب ..

فهكذا الأمر فقد وصل الأمر بابن تيمية من محاربة الخرافات والأوهام والدروشة إلى محاربة التصوّف ذاته فكانت كلمة حقّ أريد بها باطلا وعلى هذا السبيل سار أتباعه من مقلّديه من بعده لكن مع اختلاف معه فهو أعلم منهم وأدرى بشأن التصوّف أكثر منهم أمّا في عصر الوهابية فكان فيهم الجهل بالأطنان فالذي أعتقده أن ابن تيمية وإن كان مؤسّس مذهبهم إلاّ أنّهم خالفوه كثيرا في الكثير من الحقائق حول التصوّف حتى أنّ كتابه الفتاوى في بعض من طبعاته حذفوا منه كلام الشيخ بخصوص التصوّف حذفوا الجزء التاسع من كتاب الفتاوى كما أنّهم يحاربون كتابه ( الصوفية والفقراء ) بل منهم من أنكر عليه ذلك وكادوا أن يتّهمونه كما أنكروا على ابن القيّم كتابه مدارج السالكين وأنكروا نسبة كتابه الروح إليه فهم في كلّ ذلك يحاربون التصوّف شكلا ومضمونا فلا يأخذونه إلاّ على كونه ورعا وزهدا في الدنيا ليس إلاّ أمّا العلوم والسلوك والجذب والمعرفة فهم ينكرونها صريحا لا تلويحا بل ولا يؤمنون أو يعتقدون بالكشف ولا بالأحوال ولا المقامات أصلا حتّى أنّ الشيخ الألباني رحمه الله تعالى يفسّر الكشف كونه ذكاء وسرعة بديهة ..

اشتغل ابن تيمية في مختلف مراحل مسيرته العلمية بالردّ على الفرق المبتدعة إلى أن وقع في المحذور فحشر أهل الله تعالى ضمنهم لهذا كان أتباعه وإلى اليوم أكثر الناس جدلا فليس لهم نشاط ولا عزيمة إلاّ في محاربة التصوّف وأهله لأنّهم يعتقدون أنّ قبور الأولياء كأصنام اللات والعزى يعبدها الناس فكثر جهلهم المركّب غاية الكثرة فنطق الرويبضة يردّ على العارفين بالله تعالى من كبار أقطاب الأمّة ..
الفرق واضح بين من يتبع ابن تيمية والسلفية عامة وبين من يتبع طريق السادة الصوفية فتجد الأوائل سريعا ما ينخرطون في التعالي والجدال بالباطل والردّ ونشر التعصّب والتحزّب بينما التابع لما عليه الصوفية يهجر الكون وما حواه ويتوجّه إلى مولاه ...


إلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّــــي *** مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّــــي
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي *** لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عنّـي
صورة العضو الشخصية
على الصوفي
عضو نشيط
مشاركات: 212
اشترك في: 21 إبريل 2017 03:15
آخر نشاط:

العودة إلى “المنتدى العام”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد