رياض الواصلين : المنتدى العام : الطائفية لا تبني الدول

17 ديسمبر 2017 04:13


مقال كتبته بتاريخ : الأحد 30 يونيو 2013

بسم الله الرحمان الرحيم
وصلى الله وسلم على النبي وآله

أكبر عقبة يجدها السلطان العادل في طريقه هي البطانة الفاسدة

كان عليه الصلاة والسلام لا يولي من يسأله الإمارة ولو كانت قرابته كعمه العباس رضي الله عنه وكان الخلفاء يتفقدون جدا بطاناتهم ونحن متى فهمنا عزل عمر رضي الله عنه لخالد ابن الوليد رضي الله عنهما في بعض الغزوات أدركنا عمق المفاهيم السياسية الشرعية لدى أهل ذلك الزمان ثمّ إنّ ما نراه الآن من فكرة الأحزاب الاسلامية ليست هي الخلافة الاسلامية بل هي دول اسلامية حكمتها حركات اسلامية كدولة المرابطين في المغرب ودولة الموحدين وكذلك هناك دول حكمتها حركات اسلامية في الحاضر كدولة السعودية فقد حكمتها الحركة الوهابية ودولة الشيعة في ايران التي يحكمها الفكر السياسي الصفوي أوالسودان التي يحكمها الإخوان المسلمون منذ ربع قرن أو أكثر ... ومن قبل كدولة الفاطميين في تونس ومنها الى مصر ...الخ

ثمّ هناك فرق بين الحركات السياسية وبين الحركات الدينية ... فكانت أنظمة الدول في صدر الاسلام هي حركات سياسية بدرجة أولى كالدولة الأموية والعباسية والعثمانية رغم كون بعض سلاطين تلك الدول أو الدويلات لهم انتماء طائفي مذموم كانتماء المأمون للمعتزلة إبان حكمه ...

فهناك فرق بين الحركات السياسية من حبث منطلقها السياسي وبين الحركات الدينية الطائفية التي منطلقها ديني تحت غطاء سياسي .

بما أن الأمر وصل بالاحزاب السياسية العاملة في الميدان السياسي الى الخروج عن تبني هوية الأمة الاسلامية وثقافتها الدينية ومشروعها الوطني لم تجد الشعوب العربية والاسلامية بدّا ولا بديلا آخر سوى تلك الحركات الاسلامية السياسية كي تنتخبها وتوصلها الى سدة الحكم لأن هناك فراغ اسلامي كبير حصل خلال فترة الاستعمار بعد أن تمّ القضاء على آخر حكم اسلامي جامع للأمة ...

فترة الاستعمار المقيتة هي التي أسست لتجهيل المسلمين بدينهم وحجبهم عن ثقافة حضارتهم التي أسست حضارة دينية واجتماعية واسعة كانت السبيل المنير لما عليه الحضارة الغربية اليوم في جانبها المادي على الأقل ..

فكرة بناء الدول فكرة قديمة مستقيمة لا يصلح النظام البشري الا على ضوئها ونحن وغيرنا لا نثلم بعض القادة العرب حقهم في كونهم أسسوا دولا عريقة كدولة العراق في القديم وأيضا في عصرها الذهبي في عهد صدام حسين رحمه الله تعالى قبل أن يتم تحطيمها والعدوة بها إلى العصر الحجري على يد أمريكا والصهاينة ومن آزرهم وكذلك دولة تونس في عهد زعيمها الراحل الحبيب بورقيبة الذي جنح الى العلمانية والى الانبهار الغالب بالحضارة الغربية المادية الأمر الذي أوقعه في عدم تبني الاسلام كدين يرعى مؤسسات الدولة وبنظم سير اجتماعياتها و أخلاقها ومناهجها وثقافتها ...

بعد هذا وغيره نصل الى نتيحة مفادها أنّ الخلافة لا تقوم عن طربق الحركات الدينبة الطائفية التي توجد اليوم مهما كانت كما أنها لا تقوم عن طريق أحزاب سياسية علمانية التي يتبناها بعض اتباع المنهج الصوفي خاصّة من الذين زعموا أن أفضل هروب من حرّ الطائفية الدينية هو التحالف مع العلمانيين تحت ظلّ المد العلماني المؤيد من الدول الغربية المحارب للاسلام خصوصا في مظاهره التي تدل عليه فهي عنوانه ..

بناء الدول مهما كان يحتاج الى عقول والى عزائم كبيرة مع تفان في خدمة مصالح الأفراد والشعوب ونكران الذات وهذا أمر نراه متجليا تجليا واسعا في زمن الخلفاء حتى قال عمر رضي الله عنه ( لو عثرت بغلة بالعراق لسألني الله عنها : لما لم تصلح لها الطريق يا عمر ؟ ) لأنه رضي الله عنه أقامه الله تعالى راعيا لشؤون العباد والبلاد فليس الأمر بالسهل لمن يحسّ بالمسؤولية الملقاة على عاتقه أما الذي لا يحسّ بها فلا يجب أن بولّى أمر من أمور المسلمبن مهما كان بسيطا لهذا منع النبي صلى الله عليه وسلم من سأله الإمارة مهما كانت قرابته منه ( عمه العباس رضي الله عنه )

فالحركات الاسلامية الطائفية ليس في مقدورها بناء الدول حتى تجعل فيصلا بين المؤسسة السياسية والمؤسسة الدينية إذ لو دمجت المؤسستان لأصبحت الدولة عبارة في جميع مؤسساتها عن وزارة شؤون دينية وأوقاف كما رأيناه في دولة طالبان لما قاموا بحرق شاشات التلفزيون في الساحات العامة والفيديو ..الخ وقاموا بنسف صنم بوذا .. مهللين مكبرين ..الخ

رغم كونهم لم يؤسسوا عمرانا ولا طريقا ولا جيشا ولا مدارس علمية ولا تفتّح على الدول ولا كرّ وفرّ في عالم السياسة والاقتصاد والمصالح العليا للدول فعجزت قدرة عقولهم عن انشاء مشروع بناء دولة صغيرة فكيف ببناء دولة الخلاقة الاسلامبة جامعة ..؟ فالدول لا تقوم الا بعقول رجالها مهما كان دينهم أو انتماؤهم ... كما نراه في العالم الغربي الذي سيطر ظلما وعدوانا على مقدرات الشعوب وبلدانهم وثقافاتهم سيطرة تامة مطلقة منذ عقود ..

قد يكون الرجل الصالح صالحا ولكنه قد لا يكون قادرا على تأسيس مشروع دولة كما نراه اليوم عند جماعة الإخوان المسلمين فلاحطنا منهم ضعفا باديا في عالم السياسة ودهاليزها رغم كون خوض التجارب يكسب المرء خبرات عديدة ينتفع بها في المستقبل ... لكن بالنسبة إلينا فالذي يحافظ لنا على ديننا بالدرجة الأولى تلازما مع المحافظة على قوتنا وأمننا فهو الذي نبايعه ونعينه ونسانده واجبا شرعيا ...

قال الله تعالى في حق من يبني الدول وفق رغبته النفسية وميولاته الفكرية والعقائدية ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ ) لذا قال تعالى في حق فرعون ( ان فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين )

قالت الملائكة ( قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) أي أتجعل الحكم فيها لمن بفسد فيها ويسفك الدماء كفرعون والنمرود وغيرهما ...

الخلافة نوعان :

خلافة ظاهرة وهي السياسة والحكم في الأرض وهي التي سألها إبليس لعنه الله تعالى والتي تقاتل عليها المتقاتلون ولكن ليس كل من قاتل عليها كان مخطئا كما أن ليس كلّ من قاتل عليها كان مصيبا وعند الله تجتمع الخصوم كل بحسب نيّته فإنّ يوم القيامة هو يوم الكشف عن النوايا لذا نبهنا النبي صلى الله عليه وسلم على تحرير النوايا فإنما الأعمال بالنيات ولا يشفع الجهل لمطالبتنا بالعلم فإن مراد الله تعالى من خلقه تعليمهم ( إقرأ بإسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم ) فمن كرمه أنه علمك ( الرحمان علّم القرآن خلق الإنسان علّمه البيان )

ثمّ هناك الخلافة الباطنة وهي الخلافة الدينية والمقصود بها تعريف الخلق بالله تعالى وتفسير تلك المعارف ذوقا وعملا فقد يكون الخليفة جامعا بينهما ونعني هنا خليفة آخر الزمان فهو يجمع بين الخلافتين الظاهرة والباطنة في مجال الحكم والسياسة ومجال الدين والسلوك والأخلاق مجلى الإمامة الظاهرة والباطنة ...

بعد عصر الخلفاء فصلت الخلافة الظاهرة عن الخلافة الباطنة ولا ترجع إلاّ في شخص المهدي خليفة آخر الزمان فهو صاحبها ... فهي من عند الله تعالى لاتنال بحيلة ولا اكتساب ولكن نقول لعلّ ما يحدث اليوم تمهيدا لتلك الخلافة الراشدة إذ كلّ شيء لا بدّ له من تمهيد تدل عليه ارهاصات ..

والله أعلم
إلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّــــي *** مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّــــي
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي *** لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عنّـي
صورة العضو الشخصية
على الصوفي
عضو نشيط
مشاركات: 221
اشترك في: 21 إبريل 2017 03:15
آخر نشاط: 23 مارس 2019 11:12

العودة إلى “المنتدى العام”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائران