الكتب و الرسائل >> رسالة " تحذير الإخوان من نسيان ذكر الرحمان "

27 إبريل 2017 13:05


بسم الله الرحمان الرحيم


هذه رسالة : " تَحْذِيرُ الِإخْوَان من نِسيَانِ ذِكْرِ الرَحْمَان "


للعارف بالله تعالى الشيخ سيدي فتحي بن أحمد السلامي القيرواني حفظه الله تعالى ونفعنا به .
ــــــــــــ


قال المؤلف كان الله له :


الحمد لله الذي وفقنا للذكر وسهّله علينا وأعاننا عليه بمنع الموانع وقطع القواطع في زمن كثرت فيه الأهواء والفتن وتغلّبت فيه البدع والضلالات وعمّت فيه الآفات والبليات .

وأشهد أن لا إله إلا الله القائل: « من ذكرني شكرني ومن نسيني كفرني » وأشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله القائل: « ذاكر الله في الغافلين كالشجرة الخضراء وسط الهشيم » وصلى الله على سيدنا محمد سيّد الذاكرين وعلى آله وصحبه وسلّم


وبعد:


فقد طلب منّي بعض إخواننا الصادقين لحسن نيّتهم فينا شرح بعض الآيات القرآنية من سورة " الزخرف " وهي الآيات : 36 – 37-38 لمناسبتها للظاهرة المنتشرة في هذا الزمان الذي عمّت فيه البلوى بين الخاص والعام من ترك الذكر والإعراض عنه بملهيات العصر والزمان وخصوصا من انتسب إلى طريق أهل الله وبضاعته في ذلك مجزاة وليس له فيها إلاّ العنوان فأجبته إلى ذلك راجيا من الله أن يوفقني إلى خدمة شرع الله والإخوان بالنصيحة في السرّ والإعلان واتبعت في شرحها منهجا مبسطا وسهلا اعتمدت فيه على بعض التفاسير المعتبرة مثل تفسير الشيخ المراغي وتفسير روح البيان وغيرهم من تفاسير أهل الله المحققين وبالله أستعين وعليه التكلان


قال الله تعالى: « وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينَ » ( الزخرف 36 - 37 - 38 )


تفسير المفردات :


عَشِىَ فلان : إذا حصلت له آفة في بصره / وعشا : إذا نظر نَظَرَ العَشِي لعارض


والمراد في الآية أنّه : يتعامى عن ذكر الله

- نقيّض له : نُهيِّئ له ونضمّ إليه

- القرين : الرفيق الذي لا يفارق

- المشرقين : المشرق والمغرب / بعد المشرقين : بُعْدَ أحدهما عن الآخر




* المعنى الإجمالي :


1) « وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ »


أي ومن يتعامى عن ذكر الله وينهمك في لذات الدنيا وشهواتها نسلط عليه شياطين الإنس والجن يزينون له أن يرتع في الشهوات، ويلغ في اللذات، فلا يألوا جهدا في ارتكاب الآثام والمحرمات على ما جرت به سنتنا الكونية، كما نسلط الذباب على الأجسام القذرة في الأماكن المتعفنة والملوّثة فالنفوس الموسوسة للضعفاء توقعهم في الذنوب لاستعدادهم لها

فينالون جزاءهم من عقاب الله وعقوبات البشر واحتقارهم لهم، إلى ما ينالهم من الأمراض الفتاكة والأدواء التي لا ينفع فيها علاج وكل ذلك من نسيانهم ذكر ربهم فتسلطت عليهم الشياطين عقوبة من الله

والشيطان المقيّد إمّا أن يكون جنيّا أو إنسيا لا يفارقه ويَلزمه بالغواية والإضلال والوسوسة وتزيين الباطل وتقبيح الحق حتى يترك طريق الهدى والنور ويتبع طريق الضلال والظلام فيرتدّ بعد الهداية ويسقط في مهاوي الهلاك فيخسر نفسه بعد أن أعرض عن القرآن والذكر


أخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن عثمان المخزومي: أن قريشا قالت قيّضوا لكل رجل من أصحاب محمد رجلا يأخذه، فقيّضوا لأبي بكر طلحة بن عبيد الله، فأتاه وهو في القوم فقال أبو بكر: إلام تدعونى؟ قال: أدعوك إلى عبادة اللات والعزّى قال أبو بكر وما اللات؟ قال: أولاد الله، قال: وما العزّى؟ قال: بنات الله، قال أبو بكر: فمن أمهم؟ فسكت طلحة فلم يجبه، وقال لأصحابه أجيبوا الرجل، فسكت القوم، فقال طلحة: قم يا أبا بكر أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فأنزل الله هذه الآية.




وثبت في صحيح مسلم وغيره أنّ مع كلّ مسلم قرينا من الجنّ

والإشارة في هذه الآية : أنّ من داوم على ذكر الله ولم يفتر عنه ولم يتركه بحال من الأحوال وخاصّة ما عاهد الله عليه فقد حلّ محلّ النذر لم يقربه الشيطان بحال من الأحوال فهو محفوظ من تسلّط الشياطين عليه سواء من الجنّ أو من الإنس


وأمّا من نسي ذكر الله وتعامى عنه فهو عرضة لعقاب الله في الدنيا والآخرة , في الدنيا بتسليط الشياطين عليه بالمسّ والوسواس القهري الذي عمّ في هذا الزمان وكذلك يبتلي بصحبة الفسقة والمبتدعين وأهل الضلال ودعاة الفتنة الصّادين عن طريق الله القاطعين عن الذاكرين سيرهم حفظنا الله من مقته وعقابه




قال شيخنا قدس الله روحه « كل من أمرك بمنكر ونهاك عن معروف فهو شيطان فلا تنظر إلى صفته ولو كان عالما ولا إلى العلاقة التي تربطك به ولو كان أباك »

قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه : « الشهوة والغضب يغلبان اعقل والعلم والبيان »
وهذا جزاء من أعرض عن متابعة السنّة والقرآن


قال بعض العارفين : من أعرض عن الله بالإقبال على الدنيا يقيذض له شيطانا وإنّ أصعب الشياطين نفسك الأمّارة بالسوء فهو له ملازم لا يفارقه في الدنيا والآخرة .



فهذا جزاء من ترك المجالسة مع الله وحاد عن ذكره ورجع إلى الخواطر النفسانية والوساوس الشيطانية سلّط الله عليه من يشغله عن الله




2) « وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ »

أي وإن هؤلاء الشياطين الذين يقيضهم الله لكل من يعشو عن ذكر الرحمان يحولون بينهم وبين سبيل الحق، ويوسوسون لهم أنهم على الجادّة وسواهم على الباطل، فيطيعونهم ويكرّهون إليهم الإيمان بالله والعمل بطاعته.


فكلّ من تعامى عن ذكر الله وأعرض عنه لعبت به شياطين الجنّ والإنس وأوهموه أنّهم على هدى فيعتقدون في أنفسهم وفيهم الهداية والحقّ والحال أنّهم على ضلال بيّن وخروج صريح عن طريق الجادة تلاعبت بهم الشياطين يقظة ومناما وأغرّتهم وسارت بهم في طريق الغواية والتضليل حفظنا الله وإياكم من ذلك




3) « حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينَ »


أي حتى إذا أتى الكافر يوم القيامة ووقف بين يدي الله أعرض عن قرينه الذي وكل به وتبرأ منه وقال : يا ليت بيني وبينك بعد ما بين المشرق والمغرب، فبئس القرين أنت أيها الشيطان، لأنك قد أضللتنى وأوصلتنى إلى هذا العذاب المهين، والخزي الدائم، والعيش الضنك،


قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : إذا بعث الكافر زوّج بقرينه من الشيطان فلا يفارقه حتى يصير إلى النار كما أنّ الملك لا يفارق المؤمن حتى يصير إلى الجنّة .
فالشطان قرين للكافر في الدنيا والآخرة والملك قرين المؤمن فيهما فبئس القرين الأوّل ونِعْمَ القرين الثاني


* خلاصة القول في الآيات *


أ - الإعراض عن ذكر الله يعاقب صاحبه بتسلّط الشياطين عليه


ب – يتمثل الإعراض والتعامى عن الذكر في :


- اعتقاد الباطل
- اتباع أهل الضلال
- ترك السنّة المحمدية – ترك العمل بالقرآن
- اتباع البدع
- ترك الصّلاة
- محاربة مجالس العلم والقرآن
- مجانبة مجالس الذكر
- ترك الذكر بعد الإقبال عليه
- الإشتغال بالمعاصي – الإنهماك في اللذّات والشهوات
- صرف الأوقات في الغفلات والملاهي وغيرها


ج - عقوبة المعرض عن ذكر الرحمان :


- رفع حماية الله عنه – ضعف إيمانه – عمى بصيرته – يكون عرضة للمسّ الشيطاني – يتملكه الوسواس وتقهره الهواجس – سلب النِّعَمِ - المعيشة الضنكى – مرافقته أهل السوء – البعد عن الله والقطيعة عنه .


لذا فإني أحذّر الإخوان من ترك أورادهم ومجالس اجتماعهم على الذكر ما وجدوا إلى ذلك سبيلا خشية أن تسلّط عليهم قرناء السوء فترهقهم وتشتد غفلتهم وتقسو قلوبهم , فنسيان الذكر كفر بالنعمة ومجلبة لغضب الرب


قال موسى عليه وعلى نبيّنا أفضلا الصلاة والسلام : يا ربّ ما علامة من تحب وما علامة من تبغض ؟ قال : يا موسى إذا رأيت عبدي يكثر من ذكري فاعلم أني أحبه وإذا رأيت عبدي يعرض عن ذكري فاعلم أني أبغضه .


فالدين النصيحة أنصح نفسي وإخواني بدوام الذكر والإجتماع عليه .


وصلى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم

إلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّــــي *** مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّــــي
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي *** لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عنّـي
صورة العضو الشخصية
على الصوفي
عضو نشيط
مشاركات: 212
اشترك في: 21 إبريل 2017 03:15
آخر نشاط:

العودة إلى “الكتب و الرسائل”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد