علم الإيمان والتوحيد >> علم مقارنة الأديان في حضارتنا

13 مايو 2017 01:05

علم مقارنة الأديان في حضارتنا

الإسلام ديانة سماوية، ديانة توحيد وكتاب..استطاعت أن تنتشر في نصف العالم القديم، وبذلك اصطدمت بأديان سابقة كان لها تاريخ وحضور، لعل أهمها النصرانية. بل إن رسول الإسلام نفسه- عليه الصلاة والسلام- جادل أهل الكتاب من يهود المدينة ونصارى نجران بصفة مباشرة، ناهيك عن العدد الكبير من آيات القرآن الكريم التي ناقشت الكتابيين بتفصيل. يقول أبو زهرة في كتابه تاريخ الجدل: وقد قويت حركة الجدل في الإسلام بسبب "كثرة الملل والنحل في البلاد الإسلامية، فقد صارت الحواضر الإسلامية شرقا وغربا مزدحمة بأهل الملل والنحل من كل صوب ، فيها اليهودي والنصراني والمجوسي والمانوي والزرادشتي والحراني والدهري والسني ، وغير هؤلاء وهؤلاء. وكلهم اجتمعوا في صعيد واحد وأكسبهم ظل الإسلام حرية دينية يقيمون بها شعائرهم الدينية، من غير أن يمسهم أحد بسوء، وحرية فكرية تجعلهم يتناقشون في كل ما يقع تحت أنظارهم من أمور دينية وغيرها.."
وبهذا تأسس في التراث الإسلامي تقليد علمي هام هو الجدل الديني والمذهبي ، حتى صار ذلك مكتبة مستقلة ، بحيث لانكاد نحصي عدد من ألف في الأديان من كبار علماء الإسلام ، كالجاحظ والكندي والبيروني وأبو المعالي الجو يني والشهرستاني وأبو الوليد الباجي والغزالي وابن أبي عبيدة الخزرجي وأحمد القرافي وابن تيمية ورحمة الله الهندي والقرطبي المفسر والسموأل المغربي...وغيرهم كثير.
ومن أبرز هؤلاء : ابن حزم الأندلسي ، فهذه العبقرية الفذة التي بزغت في الفقه وأصول الفقه والمنطق والحديث والأنساب وعلم الكلام.. أبت إلا أن تكون لها مشاركة مميزة في حقل مقارنة الأديان، فألـّف كتابه الرائع: (الفصل في الملل والأهواء والنحل).
وربما ساعد على ذلك طبيعة بيئة الأندلس المتنوعة دينيا وعرقيا، والتي ساد فيها جو استثنائي من حرية الفكر والمناظرة.. يقول محققا كتاب الفصل لابن حزم: " نشطت الحركة الجدلية بين المسلمين والمسيحيين في العراق والشام ومصر، ولكنها بلغت ذروتها في الأندلس لكثرة المسيحيين واليهود في تلك البلاد."
منهج ابن حزم في دراسة الأديان:
هذه باختصار بعض معالم هذا المنهج:

1 -الموضوعية: وهذه سمة عامة في التأليف الإسلامي في الملل والمذاهب، ترى ذلك واضحا في مثل : مقالات الإسلاميين للأشعري، ومقاصد الفلاسفة للغزالي، والملل والنحل للشهرستاني.. ذلك لأن الأمانة خلق قرآني عام: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب للتقوى. واتقوا الله، إن الله خبير بما تعملون.) وسبب آخر، هو أن الكتاب المسلمين كانت تحدوهم الرغبة في فهم الآخر وإدراك عقيدته وطريقة تفكيره وليس فقط محاكمته، وربما كان لشعورهم بتفوق الإسلام وحضارته في جميع المناحي – الفكرية والسياسية والعسكرية..- أثر في هذه المعاملة الموضوعية والنابعة من شعور بالثقة..
إن ابن حزم حين بحث في اليهودية والمسيحية اطلع على كتبها بصفة مباشرة وقرأها قراءة متأنية ، بحيث يعد من أفضل من فهم هذين الدينين في تراثنا.

2- الرجوع إلى النص القطعي من المصادر: والتزم ابن حزم شيئا آخر، هو ألا يحتج من أسفار الكتاب المقدس إلا بما كان معناه قطعيا لا يحتمل التأويل، قال:"ليعلم كل من قرأ كتابنا هذا أننا لم نخرج من الكتب المذكورة شيئا يمكن أن يخرﱠج على وجه ما وإن دق وبعد،فالاعتراض بمثل هذا لا معنى له. وكذلك لم نخرج منه ما لا يفهم معناه وإن كان ذلك موجودا فيها ، لأن للقائل أن يقول قد أصاب الله به ما أراد، وإنما أخرجنا ما لا حيلة فيه ولا وجه أصلا."

3- تحكيم العقـــل: لا يلجأ ابن حزم في مناقشته للمسيحية إلى نصوص إسلامية يحاكم بها المخالف، بل يحتج إما بكتب النصارى التي يعترفون بها – على طريقة من فمك أدينك- أو بالعقل الصريح وقواعده المنطقية، كمبدأ منع التناقض، أو بطلان الدور كما في إنجيل يوحنا أن المسيح قال: أنا أميت نفسي، وأنا أحييها. قال ابن حزم: هذا دور، إذ كيف يمكن أن يحيي نفسه وهو ميت.

4-الرجوع إلى سنن الكون: يستدل ابن حزم بطبائع الأشياء والتي يعتقد أنها ثابتة لا تتغير إلا إذا أخبرنا النص الشرعي بذلك، كما في حالة المعجزة. وهذا جميل من ابن حزم ، فهو سابق لابن خلدون في هذا المجال، على الأقل بالإشارة. ففي إثباته لتحريف التوراة ، يذكر أنها تقول إن جباية النبي سليمان كانت ستمائة ألف قنطار، وستة وثلاثين ألف قنطار من الذهب، وأنه كان لمائدته في كل سنة أحد عشر ألف ثور، وكانت توضع كل يوم مائة مائدة ذهب، على كل مائدة مائة صفحة ذهب، وثلاثمائة طبق ذهب، على كل طبق..الخ. وهذا رغم إقرارها بأن سليمان لم يملك إلا فلسطين والأردن والغور. وابن حزم يرد هذه المبالغات لأن أرض بني إسرائيل تضيق ولابد عن هذه النفقات، كما أن العنصر البشري الذي يمكن أن يوفرها لم يوجد في تلك الأرض. وهذا يذكرنا برد ابن خلدون لبعض الأخبار بناء على مخالفتها لطبائع العمران.

النقد الحزمي للأناجيل :
درس ابن حزم ظروف كتابة الأناجيل في نهاية القرن الميلادي الأول وطيلة الثاني، وبين كيف أن هذه الظروف لم تكن تسمح بتدوين العهد الجديد والحفاظ عليه..قال: " اعلموا أن أمر النصارى أضعف من أمر اليهود بكثير، لأن اليهود كانت لهم مملكة، وجمع عظيم مع موسى عليه السلام وبعده، وكان فيهم أنبياء كثر، ظاهرون آمرون مطاعون، كموسى ويوشع وشموال وداود وسليمان عليهم السلام. وإنما دخلت الداخلة في التوراة بعد سليمان عليه السلام، إذ ظهر فيهم الكفر وعبادة الأوثان وقتل الأنبياء وحرق التوراة..وأما النصارى فلا خلاف بين أحد منهم ولا من غيرهم في أنه لم يؤمن بالمسيح في حياته إلا مائة وعشرون رجلا فقط..وأن كل من آمن به فإنهم كانوا مستترين مخافين في حياته، وبعده يدعون إلى دينهم سرا لا يكشف منهم أحد وجهه إلى الدعاء إلى ملته، ولا يظهر دينه، وكل من ظفر به منهم فإنه قتل.. وبقوا على هذه الحال لا يظهرون البتة ، ولا لهم مكان يأمنون فيه مدة ثلاثمائة سنة..وفي خلال ذلك ذهب الإنجيل المنزل من عند الله تعالى إلا فصولا يسيرة أبقاها الله تعالى حجة عليهم..إلى أن تنصر قسطنطين الملك..وكل دين كان هكذا فمحال أن يصح فيه نقل متصل، لكثرة الدواخل الواقعة فيما لا يوجد إلا سرا تحت السيف، لا يقدر أهله على حمايته، ولا على المنع من تبديله.." وهذه قاعدة مهمة يقررها ابن حزم ، أعني أثر الحوادث التاريخية وقوة الأمة أو ضعفها في حفظ ثقافتها وكتبها.
ويوضح صاحبنا أمرا آخر، وهو أن الإنجيل كان موكولا إلى جماعة محدودة تحتفظ به وتحتكر نسخه ودراسته، وقد يسلم هذا إذا كانت الجماعة قوية صالحة، ولكن أنّى التيقن من ذلك.. ولهذا يطلق ابن حزم قاعدة كبرى في مجال تاريخ الأديان: "..وبالجملة فكل كتاب وشريعة كانا مقصورين على رجال من أهلهما، وكانا محظورين على من سواهم، فالتبديل والتحريف مضمون فيهما."
وينبه ابن حزم إلى أمر آخر ، وهو أن أصحاب الأناجيل الأربعة ليسوا هم الحواريون الذين اختصوا بالمسيح عليه السلام والذين ذكرهم القرآن، فهؤلاء المؤلفون – متى ويوحنا ومرقس ولوقا، وكذلك الأسماء المذكورة في كتبهم : يعقوب ويهوذا وبطرس.. – إما من الغالين الذين اعتقدوا بألوهية المسيح ، أو من المدسوسين من قبل اليهود- كما تعترف بذلك المسيحية بنفسها – لإفساد دين أتباع المسيح وإضلالهم.
خاتمة:
عاش ابن حزم في الأندلس ، وهي بيئة شديدة التنوع فريدة التركيب الديني والبشري واللغوي.. فدرس أديان عصره ومذاهبه بعقلية علمية منفتحة تفهم قبل أن تحكم وتسمع قبل أن تتكلم. وربما كانت عناية ابن حزم بنقد اليهودية أكثر من اهتمامه بنقد المسيحية، يدل على ذلك حجم البحث المخصص لكل من الديانتين في كتابه العظيم "الفصل"، كما يشير إلى ذلك أيضا أن ابن حزم خصص للرد على اليهودي الأندلسي ابن النغريلة كتابا مستقلا. وهذا نموذج واحد من عشرات المؤلفين وعشرات الكتب في حقل مقارنة الأديان الذي جعل منه المسلمون – لأول مرة في التاريخ- مكتبة مستقلة وعلما مستقلا له مناهجه وإشكالاته وفائدته.
إلياس بلكا
عضو نشيط
مشاركات: 177
اشترك في: 22 إبريل 2017 14:35
آخر نشاط:
العمر: 49

العودة إلى “علم الإيمان والتوحيد”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد