علم الفقه و الأصول >> علم أصول الفقه: هندسة العقل المسلم 2

13 مايو 2017 01:14

علم أصول الفقه: هندسة العقل المسلم (2)

كانت ثلاثة قرون متتابعة من التأليف الأصولي كافية بنشوء مكتبة ضخمة في الفن. ثم انتهت أكثر المصنفات والرسائل في علم الأصول إلى أربع كتب هي الأم وعليها المعول، وكل من جاء بعدها فهو عالة عليها، إذ يشرحها أو يختصرها أو يعيد كتابتها في قالب مختلف، وهي كما قال ابن خلدون: " العمد" للقاضي عبد الجبار، و"المعتمد" لأبي الحسين البصري، و"البرهان" لإمام الحرمين، و" المستصفى" للغزالي.

إعادة صياغة علم الأصول في القرن السادس:
وقد قام بجمع هذه الكتب وتلخيصها والزيادة عليها كل من سيف الدين الآمدي 631 هـ في كتابه الشهير "الإحكام في أصول الأحكام"، وفخر الدين الرازي في كتابه "المحصول في علم الأصول". ثم انصرفت عناية الناس إلى هذين الكتابين شرحا وتلخيصا، فمن المؤلفات المستندة على كتاب الآمدي: ما كتبه ابن الحاجب المالكي وقطب الدين الشيرازي وشمس الدين الأصفهاني، وعضد الدين الإيجي، والسيد الجرجاني، وسعد الدين التفتازاني، وتاج الدين السبكي..
أما محصول الرازي فقد بنى عليه علماء آخرون تآليفهم، منهم: الأرموي، وشهاب الدين القرافي، والقاضي عبد الله البيضاوي، وجمال الدين الإسنوي، ومحمد بخيت المطيعي..
أما الأحناف فقد كتب علاء الدين البخاري الحنفي أحسن شروح كنز البزدوي: كشف الأسرار. ومن كتبهم المشهورة أيضا " منار الأنوار " لأبي البركات النسفي، له شروح كثيرة 720هـ، وهو كتاب صغير الحجم ولكن الحنفية اهتموا به حتى صار من أركان هذا العلم عندهم، وله شروح عدة منها: شرح محمد الحصني بحاشية ابن عابدين الحنفي.
ومن المتون المشهورة عندهم كذلك: "مختصر التحرير لابن النجار "، وعليه شروح منها "الكوكب المنير" لمحمد بن علي الفتوحي.

حركة الجمع بين المنهاجين:
ظهر ابتداء من القرن السابع اتجاه في الكتابات الأصولية يهدف إلى الجمع بين الطريقين السابقين في مصنفات واحدة، حيث سار العلماء على أسلوب تحقيق القواعد الأصولية بالأداة العقلية والنقلية وتطبيق ذلك على الفروع الفقهية. وأشهر الكتب التي افتتحت هذه الطريقة: " بديع النظام الجامع بين كتابي البزدوي والإحكام"، لمظفر الدين الساعاتي. وألف صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود كتابه" التنقيح"، ثم شرحه بنفسه في " التوضيح" وقد لخص فيه أصول البزدوي ومحصول الرازي ومختصر ابن الحاجب، عليه حواشي كثيرة أشهرها " التلويح" للتفتازاني.. حتى جاء تاج الدين السبكي فصنف "جمع الجوامع" اختاره من مائة مصنف كما قال، وهو متن اشتهر عند المتأخرين حتى طغى على غيره ، وكان محور ما يدرس من الأصول في المعاهد، وعليه شروح وحواشي كثيرة منها: " الآيات البينات " للعبادي، كما شرحه الزركشي. لكن أدق وأهم وأشهر شروحه: " شرح جلال الدين المحلي "، وعليه حواشي وتقريرات.
وكتب محب الله بن عبد الشكور "مسلم الثبوت"، وهو من أدق وأجل وأجمع ما كتب متأخرو الأحناف، وشرحه المشهور هو "فواتح الرحموت " لعبد العلي الأنصاري. وقبل ذلك قام الكمال ابن الهمام بتأليف كتابه "التحرير"، وإن كان أقرب إلى طريقة المتكلمين، وشرحه محمد أمير حاج في "التقرير والتحبير" وأمير بادشاه في "تيسير التحرير".

التطور المفاجئ في باب المقاصد:
وهذا كان على يد أبي إسحاق الشاطبي 790هـ في كتابه العظيم "الموافقات في أصول الشريعة "؛ فأتى بما لم يسبق إليه على طريقة مخترعة في كتابة "الأصول". وقد اعتنى فيه بمقاصد الشريعة بإسهاب، وفصّل القول في الحكم التي يتوخاها والأسرار التي يقصد إليها. وقد علق عليه بعضهم منهم: حسنين مخلوف، ومحيي الدين عبد الحميد، وأفضل التعليقات لعبد الله دراز.
وكان الإمام العز بن عبد السلام أتى قبله ببعض الإبداع في هذا المجال في"قواعد الأحكام في مصالح الأنام". وعلى يد القاضي محمد الشوكاني ظهر "إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول"، وهو مؤلف موجز جامع يتعرض لمختلف الآراء الأصولية مع استدلالات أصحابها ثم يرجح بينها فيما بعد ويختار اختيارا حرا، وكان يمكن لهذه الدراسة أن تكون أساسا لنوع من الدراسات النقدية المقارنة في الأصول.

أصول الفقه في العصر الحديث:
لم يوضع في القرنين الأخيرين ما يمكن اعتباره تطويرا حاسما لهذا العلم الجليل، لكن لاشك أنه في العقود الأخيرة لقي علم الأصول اهتماما طيبا من أوساط الباحثين في العلوم الشرعية، وحتى من غيرهم .. وتركز هذا الاهتمام في اتجاهات ثلاث:
الأول: كتابة جديدة تشمل موضوعات العلم كلها بأسلوب أقرب لروح العصر، كأصول أبي زهرة والخضري… وأبسطها " أصول الفقه" لعبد الوهاب خلاف. ومن أوسع ما كتب في هذا الاتجاه "أصول الفقه الإسلامي" للدكتور وهبة الزحيلي.
الثاني: كتابة في جانب معين من جوانب العلم. وهذا النوع من الدراسات أكثر عمقا وتتبعا لخفايا وأطراف الموضوع، مثل: "المصلحة المرسلة" لسعيد البوطي، و"تفسير النصوص" لأديب صالح، و"حجية السنة" لعبد الغني عبد الخالق.. وإبداع بعض الباحثين المعاصرين يتجلى في هذا الجانب بالخصوص.
الثالث: تحقيق المخطوطات، وإبرازها للوجود، ومن أهم ما حقق مؤخرا: محصول الرازي، والبرهان للجويني، والمحيط للزركشي، واللمع والتبصرة كلاهما للشيرازي، والمعتمد، وأصول السرخسي، وتقويم الأدلة… وعشرات غيرها.
وفي المقاصد ألف الطاهر ابن عاشور كتابه "مقاصد الشريعة الإسلامية"، وكتب علال الفاسي أيضا في المقاصد، كما تناول الأستاذ أحمد الريسوني مؤلف الشاطبي في رسالته " نظرية المقاصد عند الشاطبي".

فوائد العلم:
وبعد، فهذه نظرة سريعة جدا قصدت من ورائها تنبيه شباب ومثقفي هذه الأمة إلى إعطاء قسط من الاهتمام لهذا العلم العظيم .. ففوائده كثيرة جدا أذكر منها:
1- معرفة آليات وطرائق الاجتهاد الفقهي إجمالا، وبهذا يتحقق وعي طيب بالعملية التشريعية في الإسلام، وكيف تبدأ وتتم وأي شيء تراعي وإلى ماذا تهدف.. فقد كان علم الأصول هو الساحة التي يلتقي عليها كل أصحاب المذاهب.
2- إدراك أفضل لمقاصد الشريعة وروحها وفلسفتها … وهذا معناه فهم أفضل للإسلام.
3- اكتساب منهج أصولي دقيق، ولو أنه يتعلق بجانب التشريع، إلا أن أثره سرعان ما يمتد إلى عملية التفكير والاستيعاب كلها.
4- التزود بقسط مناسب من الوعي الشرعي يضبط حركة الإنسان المسلم في مختلف مناحي الحياة، ويعلمها فقه الأولويات والموازنات..
ويبقى اطلاع القارئ الكريم على هذا العلم أمرا لا تغني عنه كل المحاولات لشرح أهمية الأصول و التنبيه على فائدته .. فليس من رأى كمن سمع.
إلياس بلكا
عضو نشيط
مشاركات: 177
اشترك في: 22 إبريل 2017 14:35
آخر نشاط:
العمر: 49

العودة إلى “علم الفقه و الأصول”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد