رياض الواصلين : علم الفقه و الأصول : كتابي: الاحتياط، من أصول الشريعة

30 يوليو 2017 00:10

هذه مقدمة كتابي: الاحتياط، من أصول الشريعة.

وهذا الرابط لقراءة الكتاب كاملا:
https://archive.org/details/ilyassbelga_hotmail_20150708
بسم الله الرحمـن الرحيم، الحمد لله جل جلاله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه. وبعد،
من الأقوال التي عاشت وكثر تردادها على ألسن المشتغلين بالعلم قديماً أن وضع مسائل العلوم المختلفة وضبطها ودراستها أمر انتهى على يد الأقدمين الذين لم يتركوا لمن بعدهم ما يفعلونه غير تلخيص ما تقعد أو شرح ما تقرر أو ضبط بعض المسائل وتوجيهها. وكان يقال: ما ترك الأول للآخر شيئاً.
ولربما لم يكن الكثيرون مقتنعين بفكرة أن الأول لم يترك فعلاً للآخر شيئاً، وهذا أبو الفضل الأندلسي الشاعر يقول:
قل لمن لايرى المعاصر شيئاً /// ويرى للأوائل التقديما
إن هذا القديم كان جديداً /// وسيغدو هذا الجديد قديما
وتحدى أبو العلاء المعري -وهو المعروف بنفسيته المعاندة الساخطة- هذه الفكرة، وأنشد:
وإني وإن كنت الأخير زمانه /// لآت بما لم تستطعه الأوائل
وعلى كل حال فهذه الفكرة لم تكن جدّاً كلها. إذ قصد أن يكون فيها شيء من الطرافة والدعابة.والحقيقة التي يعرفها المشتغلون بالتراث الإسلامي عموماً هي أن جوانب كثيرة في هذا التراث لاتزال غامضة أو مجهولة أو مشكلة أو فيها خلط وأخذ ورد...
هناك قضايا كثيرة في علوم القرآن والحديث والأصول والفقه والكلام ينبغي دراستها وتحقيقها لمعرفة وجه الصواب فيها. مازالت -مثلاً- قضية العمل بالحديث الضعيف في الفضائل معلقة لم تحل، ولا يزال الإشكال قائماً في بعض مسائل الحديث الحسن -كما سيأتي-، وليس بين أيدينا بحث شاف وواف يوضح لنا بصفة نهائية قضية حجية عمل أهل المدينة في المذهب المالكي، وما هو العمل المقصود، وهل هو من باب الإجماع أم من باب الأخبار، وكيف يحل التعارض بين الحديث وعمل أهل المدينة.. وفي المجال العقدي يمكن أن أذكر مشكلة السببية أو العلية.. هذا كله -وغيره كثير- يفتقر إلى بحوث علمية جامعة محررة وفق قواعد البحث العلمي ومناهجه.
هذه مجرد أمثلة لقضايا هامة في تراثنا الديني لم تتناول بالدرس والتحليل، وبهذا نعرف أن الأوائل تركوا أشياء كثيرة جداً، علينا نحن بحثها وتوضيحها. ولهذا لما قيل: ما ترك الأول للآخر شيئاً، قيل أيضاً: كم ترك الأول للآخر، وجرى هذا القول مثلاً.
وليس هذا ببدع في العلوم، فهذه طبيعتها في الحضارات الإنسانية كلها، وتاريخنا العلمي لم يكن استثناءً منها.
العلوم بناء عظيم، وعلى كل جيل وكل طبقة المساهمة في هذا البناء والمشاركة فيه، فهكذا شاء الله سبحانه وتعالى، أعطى للإنسان علماً فهو يحصِّله شيئاً فشيئاً، وهو علم قليل بالنسبة إلى علم الله جل جلاله، لكنه في مقاييس البشر عظيم هائل، وليس أدل على ذلك من أن قسماً من البشرية أصبح يعيش اليوم عصراً تاريخياً جديداً، هو عصر ما بعد الطور الصناعي، وأساسه المعرفة.
ومن العلوم التي هي بحاجة إلى جهود متتالية من الباحثين: الفقه وأصول الفقه. فأما الفقه فلأنه علم يرتبط بواقع الحياة ويسير معها، والحياة تتجدد وتتغير باستمرار، وكذلك ينبغي أن يتجدد النظر الفقهي ليساير الحياة ويحفظها من الانحراف والتخبط، وهذا كما قال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز: تجد للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور. فأما علم أصول الفقه فما انقضى البحث فيه ولاانتهت مسائله، وقد قيل في الأصول: علم نضج وما احترق.
ولقد كنت في قراءاتي في علوم الفقه والأصول ألاحظ ورود كلمة "الاحتياط" -وما اشتق منها- على ألسنة العلماء بكثرة نسبية. وقدرت أن هذه الكلمة مجرد دلالة على أصل علمي هام يوجد في المباحث الواسعة لعلمي الأصول والفقه، قد انطوى فيها وغاب. والذي أعانني على هذا التقدير معرفتي السابقة بطبيعة التأليف الفقهي الذي نهجه علماؤنا رحمهم الله تعالى رحمة واسعة.
إن أكثر كتب الفقه صنفت على طريقة التبويب، حيث يبدأ الكتاب -في أكثر الحالات- بأبواب الطهارة والمياه، وينتهي بأبواب الوصايا والإرث. فيبحث الفقهاء كل باب على حدة، ثم يقسمون هذا الباب إلى مسائل جزئية يدرسونها ويضبطون مشكلاتها. لهذا لايبدو للقارئ بوضوح المنهج الأصولي الذي يحكم هذه الأبواب ويضبط هذه المسائل، وإن كان من المؤكد وجود هذا المنهج في أذهان الفقهاء وحضوره عند تصرفهم في الأحكام.
والحقيقة أن الوظيفة الأساسية التي من أجلها أنشيء علم الأصول هي تقعيد هذا المنهج وبيانه، ولذا ربما صح أن يقال: إن علم الأصول هو النظرية العامة للفقه. ولهذا اهتممت بجمع كتب الأصول والبحث فيها عما ذكره الأصوليون في موضوع الاحتياط.
وقد أدى علم الأصول هذه المهمة -تقعيد منهج الفقه وبيانه-، ونجح فيها إلى حد بعيد؛ يكفي -مثلاً- لفهم حقيقة الاختلافات الفقهية الحاصلة بين المذهبين الشافعي والحنفي أن تطالع بعض كتب الأصول، لترى -مثلاً- الفروق بين المدرستين: في النظر إلى الحديث وكيفية الاحتجاج به، وفي النظر إلى بعض المصادر كشرع من قبلنا ومذهب الصحابي، وفي النظر إلى دلالة العام، وأنواع النسخ... ونحو ذلك.
لكن بقي جانب من هذه المهمة لم يؤد، فلم تتضح بعض القضايا جيداً ولم يفصل فيها الكلام، بل إن قضايا هامة في المناهج الفقهية لاستنباط الأحكام -كقضية الاحتياط- لم تدون ولم تدرس في علم الأصول، في باب مستقل.
وربما كان أحد أسباب هذا الوضع -بحسب تقديري، والعلم لله سبحانه- هو أن "أصول الفقه" كان علماً نظرياً أكثر من اللازم، وهذا أمر جلي في كتب مدرسة المتكلمين -وهي المدرسة الأهم في الأصول-، وبدرجة أقل في الكتب التي صنفت على طريقة الفقهاء أو الأحناف. بل يقع للذي يطالع في كتب الأصول أن ينسى -أحياناً- أنه يقرأ عن "العلم الذي يتوصل به إلى استنباط الأحكام الجزئية من أدلتها التفصيلية"، ولولا بعض الأمثلة القليلة التي تشير إلى ابتناء الفقه على قواعد الأصول، وتذكره بمتانة العلاقة بينهما، لربما نسي القارئ تماماً أن هناك صلة بين الفقه والأصول.
هل هذا الوضع الذي استقر عليه منهج التصنيف الأصولي هو الذي كان السبب في ظهور نوع من الدراسات الفقهية الخاصة، عرف باسم "القواعد الفقهية"؟
ربما كان هذا أحد أهم الأسباب. إنما الأمر المؤكد هو أن ظهور كتب "القواعد الفقهية" كان عملاً هاماً جداً، ساعد على توضيح أثر كثير من القواعد الأصولية في الفروع، وبيّن كيف تتخرج كثير من الأحكام الجزئية على قسم هام من مسائل علم الأصول وقواعده وقضاياه.
ومن جهة أخرى اعتنى مؤلفو "القواعد" بقضايا لها أثرها الكبير في الفقه، لم يذكرها الأصوليون ولم يدرسوها، ولذا تجد في كتب "القواعد" و"الأشباه والنظائر" و"الفروق" مباحث نادراً ما يوردها الأصوليون، وإن كان يمكن أن تجد لها أثراً في كتب الفقه.
لهذا كانت "القواعد الفقهية" أقرب إلى الفقه وأمس به وبروحه، ومثلت نوعاً من الحلقة الوسيطة بين الفقه وبين الأصول، وهي -في عمومها- تقدم فكرة جيدة عن طريقة الاستنباط ومنهاجه.
ويعود الفضل في تنبيهي إلى أهمية "القواعد الفقهية" إلى أستاذي الدكتور محمد الروكي، حفظه الله تعالى، وذلك أثناء دراستي عليه بالرباط في سنة 1992-1993. ومن المعلوم أن الأستاذ الروكي اهتم بهذا الموضوع منذ زمن باكر ودرسه وتخصص فيه ووضع فيه كتابه "نظرية التقعيد الفقهي وأثرها في اختلاف الفقهاء".
وأهمية "القواعد" -على ما وصفت- هي السبب في حرصي على جمع كتب القواعد واتخاذها مرجعاً أساسياً في هذا البحث؛ ولم يخب ظني، فقد وجدت فيها مادة وفيرة تخص موضوع الاحتياط.
لكن -رغم ذلك- لم يكن من الممكن فهم قضية الاحتياط -كما رآها فقهاؤنا- والإحاطة بحدودها ومسائلها دون الرجوع إلى كتب الفقه نفسها للاطلاع على الفروع واستقراء أحكامها ومعرفة العلل والاستثناءات وأنواع التصرفات في الأحكام، فالاستنباط الفقهي الجزئي هو التطبيق الحقيقي والمباشر للنظريات الأصولية وللقواعد الفقهية.
تمثل الكتب الموضوعة في الفقه بالذات معظم مكتبة علوم الفقه، إذ لاتعد كتب القواعد والفروق وتخريج الفروع على الأصول، ونحوها.. إلا جزءاً يسيراً من المكتبة الفقهية. لذا لم يكن بد من البحث في كتب الفقه عن المسائل التي هي مظنة للعمل بالاحتياط، وعن ملاحظة التعليلات الجزئية للفروع، وتأمل الترجيحات بين مختلف الأقوال وأسبابها... ويرجع الفضل في تنبيهي إلى أهمية الفقه -فيما يتعلق بتصور النظريات والأصول والقواعد والمقاصد العامة والجزئية.. وفهمها وضبطها وتأصيلها..- إلى أستاذي الدكتور أحمد الريسوني، حفظه الله تعالى. لقد اطلعت على كتابه القيم "نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي"-وهو من الكتب القليلة جداً التي قرأتها أكثر من مرتين-، وكان من أهم ما استوقفني فيه فكرة ذكرها في غضون التمهيد للباب الأول، قال في صفحة23: ".. ولهذا جاء هذا الباب مكوناً من فصلين هما: 1- فكرة المقاصد عند الأصوليين. 2- فكرة المقاصد في المذهب المالكي... وقد آثرت -بعد تردد طويل- أن أبدأ بالأصوليين، رغم أن علم الفقه أسبق من علم الأصول، ورغم ما أصبحت مقتنعاً به من كون الفقهاء أكثر دراية وعناية بمقاصد الشريعة من الأصوليين..".
وأكثر ما يتجلى اهتمام الفقهاء بالمقاصد والتعليلات ونحوها.. في ما سماه الأستاذ الريسوني بالمقاصد الجزئية -مقابل المقاصد العامة التي تشمل كل الأبواب الفقهية، ومقابل المقاصد الخاصة بباب معين-، قال في صفحة 8: "المقاصد الجزئية: وهي ما يقصده الشارع من كل حكم شرعي..(كـ) كون عقدة الرهن مقصودها التوثق.. ومشروعية الطلاق مقصودها وضع حد للضرر المستمر. وأكثر من يعتني بهذا القسم من المقاصد هم الفقهاء، لأنهم أهل التخصص في جزئيات الشريعة ودقائقها. فكثيراً ما يحددون أو يشيرون إلى هذه المقاصد الجزئية في استنباطاتهم واجتهاداتهم. إلا أنهم قد يعبرون عنها بعبارات أخرى كالحكمة، أو العلة، أو المعنى، أو غيرها".
لذا كنت عازماً منذ بداية اتصالي بموضوع الاحتياط على أن تكون المصنفات الفقهية مرجعاً رئيسياً لي في البحث، خصوصاً الموسوعات والمطولات، فهذه تحمل -في العادة- علماً كثيراً وفقهاً وبحثاً، ويكون فيها أخذ ورد وإيراد إشكالات والجواب عنها والرد على الخصوم.. وهذا الأمر أوضح مايكون في مطولات الفقهاء الراسخين كابن رشد وابن الهمام وابن قدامة والنووي، ونحوهم.
وقد كانت لي عناية ومزيد اهتمام بآراء الفقهاء المالكية وكتبهم وفقههم، والسبب في ذلك هو أن المذهب المالكي مذهب الاحتياط بامتياز، ولذا توجد عند المالكيين نظرات وآراء وقواعد وأصول ومناقشات تخص موضوع الاحتياط لاتجدها عند غيرهم.
وقد انتبهت إلى رافد آخر من روافد علومنا الإسلامية، وجدت فيه مادة خصبة في موضوعنا هذا -وفي قضايا علوم الشريعة على العموم-؛ وهذا الرافد هو كتب شروح الحديث.
إن السنة هي المصدر الثاني لاستنباط الأحكام، وإذا كان الاحتياط عند العلماء "أصلاً" شرعياً كبيراً، فلابد أنهم استفادوه من الكتاب والسنة؛ وهي -أعني السنة- ليست مؤكِّدة لما في القرآن من أحكام فحسب، بل هي أيضاً مفسرة ومبيِّنة له، وقد تخصص بعض العمومات القرآنية، بل قد تنشئ أحكاماً، وما أكثر ما أنشأت، من ذلك مسائل كثيرة تتعلق بموضوع الاحتياط.
ولقد وجدت أن الحديث النبوي بيّن موضوع الاحتياط بياناً عاماً، وضبط حدوده، وأرشد إلى كيفيته، وأوضح كثيراً من جوانبه، وذلك في أحاديث كثيرة، غالبها صحيح أو حسن. ولذا تجد أن حديث العلماء في الاحتياط يدور في الغالب حول هذه الأحاديث، بها يستهدون ويحاججون، ومنها يستنبطون ويفرعون، وإليها يحتكمون لما يختلفون.. وفهمت من خلال تتبع مناقشات العلماء التي دارت على هذه الأحاديث معنى "الكمال" في قوله عز وجل: {اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام ديناً} [سورة المائدة، آية 4].
وإذ وضح عندي منهج البحث وعرفت الكتب التي ينبغي اعتمادها والرجوع إليها، كان من اللازم البحث عن حقيقة الاحتياط والكشف عنها. وهذا عمل هام جداً -لو قدِّر له النجاح- لسبب بسيط، هو:
إن قسماً هاماً من الفروع الفقهية الجزئية يتخرج على دليل الاحتياط ويتفرع عنه، بحيث تعلل مئات الأحكام بأنها مقتضى الاحتياط. بل إن أبواباً فقهية كاملة تنبني على مراعاة الاحتياط واستعماله. ففهم موضوع الاحتياط جيداً معناه فهم جانب من الجوانب الهامة في منهج الاستنباط الفقهي. وإذا لم يتبين لنا موضوع الاحتياط، فلا يمكن أن يتبين لنا أيضاً منهج الفقه في أبعاده كلها ونواحيه جميعها.
والحقيقة أن البحث في موضوع الاحتياط ليس أمراً هيِّناً، إذ ليس في علومنا الإسلامية -من أصول وفقه وقواعد..- باب خاص للاحتياط، ولم يفرده علماؤنا بمسائل خاصة به.. ورغم استعمال الفقهاء للفظة "الاحتياط" بكثرة إلا أن تتبع الفروع التي خرجت على الاحتياط عمل لايبين حقيقة الموضوع بصفة حاسمة، فلا يظهر من هذه الفروع كيف يعمل الاحتياط، فتظل أسئلة كثيرة بحاجة إلى بحث آخر وطريق آخر. إذ ما هو الاحتياط، وهل يصح العمل به أم لا، وإذا صح فهل يطرد أم لا، وإذا لم يطرد فما هو الضابط الذي نميز به الفروع التي تتخرج على الاحتياط عن تلك التي لاتتفرع عنه.
وهل العمل بالاحتياط عام في المذاهب أم هو خاص ببعضها، وما هي علاقة الاحتياط بقضايا أساسية في تراثنا العلمي -الفقهي والأصولي خصوصاً-، ومنها: الشبهة، والورع، والشك، والاستصحاب، ومراعاة الخلاف، والخلاف الفقهي على العموم.. ما هي الحدود الفاصلة بين الاحتياط والمشقة والتنطع. ما الشيء الذي يجمع الاحتياط بسد الذرائع، وسد الذرائع -كما يقول ابن القيم- أحد أرباع التكليف.. إلى غيرها من الأسئلة.
والجواب على هذه الأسئلة يستدعي صبراً كبيراً واطلاعاً واسعاً وبحثاً دؤوباً وتريثاً في الاستنتاج والحكم، وكذلك ينبغي للقارئ أن يتحلى بشيء من الصبر لكي يصل -عبر قراءة المباحث المتفرقة في هذا الكتاب- إلى فهم موضوع الاحتياط فهماً تنزاح به عنه إشكالات كثيرة وتتبدى به حقائق مختلفة تخص روح الشريعة وفلسفتها، ومناهج الفقهاء في الاستنباط وكيفية اشتغالها.
وأهم ما يجب أن يعلمه القارئ قبل التوغل في قراءة هذا البحث هو أن العلماء بحثوا -أحياناً بتوسع، وأحياناً أخرى بشيء من العجلة والاختصار- كثيراً من مسائل الاحتياط وإشكالاته ضمن قضايا لايبدو للناظر أن هناك شيئا يجمعها مع الاحتياط.
وقد توصلت عن طريق الاستقراء إلى معرفة هذه القضايا وتحديدها في أربع: الشبهة، والورع، والشك، والخلاف. وخصصت لكل قضية باباً مستقلاً، فجاء الباب الأول عن الاحتياط والشبهة، وهنا كان اهتمامي الأول هو تحديد المعنى الشرعي للشبهة في القرآن وفي الحديث وعند عموم العلماء، ثم انجر الكلام إلى قضايا مراتب المكروه والمندوب، وحكم ترك المندوب وفعل المكروه، ثم درست حكم الشبهة عند الفقهاء، وتوقفت عند مسلك علمي معروف في تاريخنا، وهو التوقف. وقد كان من اللازم تقديم قضية العمل بالحديث الضعيف وتوضيح علاقتها بالاشتباه والاحتياط.
وجاء الباب الثاني عن الاحتياط والورع، فعرَّفت الورع، وبيَّنت الفرق بينه وبين العدالة والتقوى والزهد، ومن هناك انجر البحث إلى حكم ترك المباح الصِّرف تعبداً.
والورع ليس موضوعاً فقهياً خالصاً، بل له جانب تربوي اهتمت به كتب السلوك، لذا درست قضيتي الإلهام والوسوسة، ومهدت لذلك ببحث في خواطر النفوس وأقسامها. ثم تناولت بالدرس ما يجوز تسميته بـ "فتوى القلب"، ثم عرّفت حقيقة الوسوسة وبيّنت نظرة الفقهاء إليها، والفرق بينها وبين الاحتياط. ويمكن اعتبار هذه القضايا – التي درستها في هذا الباب- آخر حدود علم الفقه.
وجاء الباب الثالث عن الاحتياط والشك، فخصصت الفصل الأول لأصل الاستصحاب، واهتممت بالكشف عن حقيقته ليتحرر محل النزاع فيه ويتضح، وعنيت خصوصاً بقسم من الاستصحاب، وهو "استصحاب البراءة الأصلية"، وقابلته بالاحتياط، وميزت بينهما. وخصصت الفصل الثاني لقضية الشك وأثره في الأحكام، وذلك من خلال قاعدة شرعية هامة هي: اليقين لا يزول بالشك. ولما كان الشك أساس الاشتباه وروحه، فقد جعلت الفصل الثالث خاصاً ببيان أسباب الاشتباه. وقدمت في آخر هذا الفصل قضية في الفقه شهيرة، تعرف بتعارض الأصل والغالب.
أما الباب الرابع: الاحتياط والخلاف، فقد قسمته إلى قسمين: الأول حول قاعدة الخروج من الخلاف، وهي قاعدة مذكورة في بعض كتب الأشباه والنظائر، لكنها ذكرت باختصار، لذا احتاجت إلى مزيد بحث وبيان، فحررت الكلام فيها وبينت حقيقتها وما يرد عليها من إشكالات وتساؤلات وأجوبة ذلك. أما القسم الثاني فقد خصصته لموضوع "مراعاة الخلاف"، وهو "أصل" مشهور في المذهب المالكي، وكان لي رأي في العلاقة بينه وبين الاحتياط ذكرته في آخر الباب.
وجاء الباب الخامس في الاحتياط على العموم فجمعت ما تفرق من مسائله، وحاولت أن أبرز قاعدة الاحتياط وأوضحها وأحدد معالمها وضوابطها. وفي البداية عرّفت الاحتياط وبيّنت العلاقة بينه وبين سد الذرائع، ثم جعلته أقساماً ثلاثة، وقدمت رأياً حول كيفية اشتغال الاحتياط واستعماله. ثم أوضحت حجية الاحتياط من القرآن والسنة وكلام العلماء، واعتنيت بدراسة موقف ابن حزم من الموضوع. ثم درست قضية الترجيح بالاحتياط، وكذا ما سميته بمسقطات الاحتياط، وهي الأدلة التي يمكن أن تعارض العمل بالاحتياط وتلغي اعتباره. وخصصت الفصل الرابع لأحكام متفرقة في الاحتياط. أما الفصل الأخير، فجاء في مبحثين: الأول: في الأبواب الفقهية التي تنبني على الاحتياط، والثاني: في قواعد الاحتياط.
هذا ما ظهر لي في هذا الموضوع، الذي أعترف بتعقيده وصعوبته.
وأخيراً أتوجه بالشكر الجزيل إلى أستاذي المشرفين:د. عبد الكريم مشهداني الذي درست عليه أثناء سنواتي الأولى بالجامعة، و د. أحمد الريسوني الذي كان نعم المعوان والموجِّه لي، والذي أفادني كثيراً بملاحظاته وتوجيهاته واعتراضاته. ولم تقتصر استفادتي من علمه على طريقة اتصالي المباشر به، بل إن أكبر الاستفادة حصلت لي من خلال مطالعة كتابيه: نظرية المقاصد، ونظرية التقريب والتغليب. كما أشكر زميلي الدكتور محمد مصلح – أحد أفضل المختصين بالفقه المالكي في المغرب- على ملاحظاته على هذا البحث.
وأحمد الله -ربِّي- سبحانه وتعالى حمداً يليق بجلاله وعظمته وكبريائه، وأصلي وأسلم على رسولنا محمد بن عبد الله النبي الأمي، وعلى آله الأطهار وصحبه الكرام.
إلياس بلكا
عضو نشيط
مشاركات: 183
اشترك في: 22 إبريل 2017 14:35
آخر نشاط: 22 مارس 2018 01:48
العمر: 50

العودة إلى “علم الفقه و الأصول”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد