علم الحديث وفقه السيرة >> الانفصال بين أهل الفقه وأهل الحديث

06 يوليو 2017 23:05

الانفصال بين أهل الفقه وأهل الحديث.

الحديث والفقه علمان عظيمان من علومنا الإسلامية، لكن حدث مبكرا في تاريخنا أن نما العلمان في خطين منفصلين عن بعضهما البعض. ولذلك فقضية الانفصال بين الفريقين: أهل الفقه وأهل الحديث.. قضية قديمة. يقول ابن حبان المتوفى سنة 354هـ: "لم يكن هذا العلم في زمان قطّ تعلُّمُه أوجب منه في زماننا هذا، لذهاب من كان يُحسن هذا الشأن، وقلّة اشتغال طلبة العلم به؛ لأنّهم اشتغلوا في العلم في زماننا هذا، وصاروا حزبين: فمنهم طلبةُ الأخبار الذين يرحلون فيها إلى الأمصار، وأكثرُ هِمّتهم الكتابةُ والجمعُ، دون الحفظ والعلم به وتمييز الصحيح من السقيم، حتى سمّاهم العوامُّ حشويّة. والحزبُ الآخر: المتفقّهة الذين جعلوا جلّ اشتغالهم بحفظ الآراء والجدل، وأغضوا عن حفظ السنن ومعانيها، وكيفية قبولها وتمييز الصحيح من السقيم منها، مع نبذهم السنن قاطبة وراء ظهورهم."
وبعده بجيل واحد كرر الخطابي (المتوفى سنة 386) هذه الملاحظة وسجل أسفه على هذه الازدواجية: "رأيت أهل العلم في زماننا قد حصلوا حزبين وانقسموا إلى فرقتين: أصحاب حديث وأثر، وأهل فقه ونظر. وكل واحدة لا تتميز عن أختها في الحاجة ولا تستغني عنها(..) لأن الحديث بمنزلة الأساس الذي هو الأصل، والفقه بمنزلة البناء الذي هو له كالفرع(..) ووجدت هذين الفريقين على ما بينهم من التداني في المحلين والتقارب في المنزلتين وعموم الحاجة(..) إخوانا متهاجرين وعلى سبيل الحق بلزوم التناصر والتعاون غير متظاهرين..الخ"
ثم تتابعت جهود العلماء لردم هذه الهوة، وركزت خاصة على تنقيح الفقه من الأحاديث الواهية والمنكرة وما لا أصل له. فخرّج أهل الحديث كتبا فقهية مهمة: فكتب جمال الدين الزيلعي "نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية"، وابن الملقن "البدر المنير في تخريج الشرح الكبير لأبي القاسم الرافعي"، وابن حجر "التلخيص الحبير." وفي زمننا خرّج أحمد بن الصديق أحاديث بداية المجتهد.
وهذا الاهتمام بتنقية الفقه وتصحيح سكته امتد أيضا إلى علوم أخرى كأصول الفقه والتفسير، فظهرت كتب تخرج أحاديثها.
واليوم حقق الفقه الإسلامي بمختلف مدارسه نقلة نوعية مهمة جدا، ونما نموا جيدا، لكن أثر هذه الجهود في الفقه المعاصر محدود، فكأننا رجعنا إلى البداية. ويضرب فاروق حمادة لهذا مثالا من الموسوعة الفقهية الكويتية التي لم تستفد من جهود التخريج والتصحيح. ثم يقول: "وهذا يدل على انقطاع أو شبه انقطاع بين هذه الحركة الحديثية المباركة وبين الحركة الفقهية التي يتوجب عليها الاستفادة القصوى من عطاءات السنة المباركة وجهود الباحثين فيها (..) وإذا بقينا ندور في فلك الجمع بين السليم والسقيم، فلن يكون هناك أثر للدراسات الحديثية، وستبقى هذه الدراسات تدور حول نفسها في أهم حقل وميدان لها، ألا وهو ميدان الفقه والتشريع، ولابد من وقفة طويلة عميقة في هذه المسألة.."
إننا نوشك أن نكرر نفس الأخطاء، ونرسخ تقسيما للعلوم وأهلها طالما انتقده العلماء واشتكوا منه. فكثير ممن يدرس الحديث اليوم لا يهتم بالعلوم الأخرى، ورصيده منها أقل من الحد الأدنى الضروري، ولا خبرة له بفقه الحديث ومناهج الاستدلال به عند المتقدّمين، حتى إن بعض طلاب الحديث اليوم يعادون علوم المتن والفقه.
ولابد أن أشير هنا إلى أن بعض أهل الحديث المعاصرين كأنهم يعتبرون الكلام في السنن والأخبار النبوية حكرا عليهم، ولا يجيزون لغيرهم أن يدلي بدلوه في بعض الأحاديث برأي أو وجهة نظر.. وهذا غلو لا يجوز، كما أنه يخالف منهج سلف الأمة الذين كانوا يعطون الأولوية في تفسير نصوص الحديث النبوي للفقهاء والعلماء الشرعيين.
إذن ما يجب عمله الآن هو دراسة هذا الانفصام المستمر، والنظر في أسبابه نظرا عميقا. إذ لا شك أنه كان لاتساع العلمين -الفقه والحديث- أثرا مهما في هذه الظاهرة، بحيث يندر جدا اجتماعهما في شخص واحد. فلا مناص من الاعتراف بضرورة التخصص، كما لا مناص من تحقيق التكامل بينهما. وهنا تبرز الحاجة إلى فئة من العلماء الموسوعيين الذين يجمعون بين تحقيق أقصى حد ممكن من المعرفة في الحديث، وبين علم آخر: الحديث والعقائد، أو الحديث والتفسير، أو الحديث والفقه، أو الحديث وأحد العلوم الاجتماعية والإنسانية.. فهذه الفئة هي التي تستطيع الربط بين الجزر المنعزلة بعضها عن بعض بجسور من التفاهم والتكامل.
إلياس بلكا
عضو نشيط
مشاركات: 177
اشترك في: 22 إبريل 2017 14:35
آخر نشاط:
العمر: 49

العودة إلى “علم الحديث وفقه السيرة”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد