علوم القرآن و التفسير >> أضواء على قوله تعالى " انما أنت منذر ولكل قوم هاد " 7 الرعد

13 مايو 2017 14:16

جاء في تفسير الرازي أن في تأويل هذه الآية مسألتين،:

المسألة الأولى: اتفق القراء على التنوين في قوله: { هَادٍ } وحذف الياء في الوصل، واختلفوا في الوقف، فقرأ ابن كثير: بالوقف على الياء، والباقون: بغير الياء، وهو رواية ابن فليح عن ابن كثير للتخفيف.

المسألة الثانية: في تفسير هذه الآية وجوه. الأول: المراد أن الرسول عليه السلام منذر لقومه مبين لهم، ولكل قوم من قبله هاد ومنذر وداع، وأنه تعالى سوى بين الكل في إظهار المعجزة إلا أنه كان لكل قوم طريق مخصوص لأجله استحق التخصيص بتلك المعجزة المخصوصة، فلما كان الغالب في زمان موسى عليه السلام هو السحر جعل معجزته ما هو أقرب إلى طريقتهم، ولما كان الغالب في أيام عيسى عليه السلام الطب، جعل معجزته ما كان من جنس تلك الطريقة وهو إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، ولما كان الغالب في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم الفصاحة والبلاغة جعل معجزته ما كان لائقاً بذلك الزمان وهو فصاحة القرآن ، فلما كان العرب لم يؤمنوا بهذه المعجزة مع كونها أليق بطباعهم فبأن لا يؤمنوا عند إظهار سائر المعجزات أولى ، فهذا هو الذي قرره القاضي وهو الوجه الصحيح الذي يبقى الكلام معه منتظماً.
والوجه الثاني: وهو أن المعنى أنهم لا يجحدون كون القرآن معجزاً ، فلا يضيق قلبك بسببه ، إنما أنت منذر، فما عليك إلا أن تنذر إلى أن يحصل الإيمان في صدورهم ، ولست بقادر عليهم ، ولكل قوم هاد، قادر على هدايتهم بالتخليق وهو الله سبحانه وتعالى. فيكون المعنى ليس لك إلا الإنذار، وأما الهداية فمن الله تعالى.
واعلم أن أهل الظاهر من المفسرين ذكروا ههنا أقوالاً: الأول: المنذر والهادي شيء واحد والتقدير: إنما أنت منذر ولكل قوم منذر على حدة ومعجزة كل واحد منهم غير معجزة الآخر.
الثاني: المنذر محمد صلى الله عليه وسلم والهادي هو الله تعالى، روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك.
والثالث: المنذر النبي. والهادي علي. قال ابن عباس رضي الله عنهما: وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره فقال: " أنا المنذر " ثم أومأ إلى منكب علي رضي الله عنه وقال: " أنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون من بعدي ". . وذكر الماوردي في تفسيره النكت والعيون ستة تأويلات لهذه الآية الكريمة:
أحدها: أنه الله تعالى، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير.
الثاني: ولكل قومٍ هادٍ أي نبي يهديهم، قاله مجاهد وقتادة.
الثالث: ولكل قوم هاد معناه ولكل قوم قادة وهداة، قاله أبو صالح.
الرابع: ولكل قوم هاد، أي دعاة، قاله الحسن.
الخامس: معناه ولكل قوم عمل، قاله أبو العالية.
السادس: معناه ولكل قوم سابق بعلم يسبقهم إلى الهدى، حكاه ابن عيسى. وذهب الغزالي في شرح الأسماء الحسنى إلى أن الهادي هو الذي هدى خواص عباده أولا إلى معرفة ذاته حتى استشهدوا على الأشياء به ، وهدى عوام عباده إلى مخلوقاته حتى استشهدوا بها على ذاته ، وهدى كل مخلوق إلى ما لا بد منه في قضاء حاجاته ، فهدى الطفل إلى التقام الثدي عند انفصاله ، والفرخ إلى التقاط الحب عند خروجه ، والنحل إلى بناء بيته على شكل التسديس لكونه أوفق الأشكال لبدنه ، والهداة من العباد الأنبياء عليهم السلام ثم العلماء الذين ارشدوا الخلق إلى السعادة الأخروية وهدوهم إلى صراط الله المستقيم بل الله الهادي لهم على ألسنتهم وهم مسخرون تحت قدرته وتدبيره.
ومن عجائب إشارات الآية ولطائفها عند ابن عجيبة« : لكل عصر عارف بالله، يهدي الناس إلى حضرة الله، وهم ورثة الهادي الأعظم والنبي الأفخم، نبينا ـ عليه الصلاة والسلام ـ أولهم سيدنا علي ـ كرم الله وجهه؛ للحديث المتقدم، لأنه أول من ظهر علم التصوف وأفشاه، ثم أخذه عنه الحسن البصريّ وهذبه، ثم حبيب العجمي، ثم داود الطائي، ثم معروف الكرخي، ثم سري السقطي، ثم إمام الطريقة: أبو القاسم الجنيد، ثم انتشر في الأرض، فلكل عصرٍ رجالٌ يحملون لواء الحقيقة ويهدون الناس إلى لباب الشريعة. وهم العارفون بالله.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يَبْعَثُ اللهُ عَلَى رأسِ كلِّ مائِة سنةٍ منْ يُجَددُ لهذِه الأمة أمرَ دِينِهَا " أي: يجدد الطريقة بعد دروسها، ويحيي الحقيقة بعد خمود أنوارها، ويُظهر الشريعة بعد خفاء أعلامها. وقد يكون واحداً ومتعدداً. وقد بعث الله في رأس هذه المائة الثالثة عشر، أربعةً، أحيا الله بهم الحقيقة، وأظهر بهم أنوار الشريعة، يمشون في الأرض بالنصيحة، ويهدون الناس إلى رب العالمين، والله ولي المتقين، وشهرتهم تُغني عن تعيينهم، وتقدم اثنان في العقود. »
محمد حراز
آخر نشاط:

العودة إلى “علوم القرآن و التفسير”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد