علوم القرآن و التفسير >> إسترواحات قرآنية سورة الكهف 2

01 مايو 2017 23:51



قال تعالى ( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا )

قال أصحاب التفسير أن المراد بالرقيم إسم القرية أو الواد أو الجبل على اختلاف بينهم الذي يوجد فيه الكهف الذي آوى إليه الفتية بينما قال آخرون أنه كتاب كتب فيه قصتهم وقال غيرهم أنه حجر كتب فيه أسماء أصحاب الكهف ووضع على باب كهفهم … الخ

( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا )

( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ ) أي ( الْكَهْفِ ) أي قصّتهم الباطنة من حيث كهف أسرار أرواحهم وصفاء أنوار قلوبهم محلّ تجريدهم واخلاص توحيدهم في مكنة سلطان أحوالهم ورسوخ مقاماتهم ( وَالرَّقِيمِ ) أي قصّتهم الظاهرة من حيث كراماتهم الظاهرة التي حارت فيها العقول واندهشت لها القلوب فكانت من الآيات البيّنات والخوارق العجيبات حيث شهدها الجم الغفير من أهل قريتهم وسمع الناس عنها حتى غدت حديث مجالسهم فتناقلها الركبان في سائر الأزمان من وقتهم إلى يوم الناس هذا …

فكان لا بدّ أن يكون لهم مأوى من حيث جنس أحوالهم الباطنة إذ الظاهر يتبع الباطن عند غلبة سلطان الأحوال بينما يتبع الباطن الظاهر عند كمال أدب المقامات فصاحب الأحوال في جذبه مستهلك تحت سلطان الحقيقة بينما صاحب المقامات في صحوة ملتزم منهاج آداب الشريعة فكان هذا المأوى هو الكهف الذي إليه أووا فنُسبوا إليه إذ لا نسبة تعرّف بهم غير نسبة كهفهم فكان صاحبهم كما كانوا هم أصحابه ...

( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا )

أي ورغم أننا سنقصّ عليك من فرائد غرائب عجائب قصّتهم فلا تحسبنّ أنهم غاية ونهاية عجائب آياتنا غير المتناهية وأعظمها لئلاّ يحجبك ذلك عن شهود وسع كرم اصطفائنا للمقربين الأبرار وكافة عبادنا الأخيار وأنت في نفسك درّة الأعاجيب حيث انظوى في حقيقتك سرّ الوجود وجعلناك مفتاح حضرة الشهود فضلا عما رأيته وتراه من آيات عظام وعجائب فخام لذا قالت الملائكة للسيّدة سارة عليها السلام قبل أن تحمل وهي العاقر العجوز بالغلام ( قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ) إذ لا عجب في الحقيقة من صلوحية اطلاقات قدرة الله وأمره ووسع علمه وحكمته وتأييده واحسانه وكرمه وإنّما الذي يثير التعجب حقيقة هو تقييد آيات الله في عبد دون عبد أوتحجير رحمته وفضله عند اصطفائه في شخص دون آخر …

( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا )

أي كيف تعجب مع وجود علمك أنني من تولّيت أمرهم وأصلحت جميع شأنهم وكنت معهم في جميع أطوارهم ( وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ) , أيُعجَب من قدرتي وأنا القادر ومن حكمتي وأنا الحكيم ومن كرمي وأنا الكريم ومن احساني وأنا المحسن فلا عجب متى صدر الفعل مني إنما العجب يكون إذا صدر الفعل من غيري وهذا محال لا يجوز إذ لا فاعل غيري ولا قادر سواي وإنما صار التعجب على سبيل المجازات في عالم المعقولات ..
لذا كانت قصتهم آية عجيبة من حيث ادراك العقول والأفكار لا من حيث مكاشفات القلوب والبصائر إذ يوجد في ملك الله وملكوته من الآيات العظام والغرائب الفخام ما لا يكيّفه عقل أو يحيط به قلب أو يدركه سرّ هذا في باب المكاشفات فضلا عن بحر المشاهدات إذ كيف يعجب من قيل في حقّه ( مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ )

يحصل التعجب غالبا من الواقعات الغريبة والقصص العجيبة التي لا تثبت مقاييس وقوعها في العقل ولا موازين حدوثها في الفكر فيقع التعجب منها عندما تخرق القدرة حجاب عالم الآثار فتكشف عن بعض قوانين عوالم الأنوار والأسرار …

( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا )

الحديث هنا شمل بداية أصحاب الكهف لذاتهم فكأنّهم المقصودون لأنّهم الذاتيون الراسخو الأقدام في حضرة القِدم دون قصّتهم وما حدث لهم في كهفهم من خوارق عادات التي هي من جنس الكرامات التي بدورها من آيات الله البليغات التي مهما كانت القصة مرادة ومقصودة فهي مرادة ومقصودة لغيرها لذلك لم يقل له مثلا ( أم حسبت أن قصة أصحاب الكهف والرقيم كانت من آياتنا عجبا ) أو ( أن في قصّة أصحاب الكهف والرقيم … ) بل قال له ( كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا ) كما قال تعالى في خصوص قصة سيدنا يوسف عليه السلام واخوته ( لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ ) فلم يقل ( لقد كان في قصة يوسف واخوته آيات للسائلين ) وإن كان المراد القصة في حد ذاتها لكنها مرادة لغيرها فالآيات للسائلين ليس في مجرد القصة وإنما الآيات للسائلين في يوسف ذاته واخوته في حد ذاتهم من حيث أحوالهم ومقاماتهم

لأنّ قصة أصحاب الكهف قصة أحوال يغلب فيها قاهرية الأحوال بينما قصة يوسف قصة مقامات يغلب فيها فهم أدب المقامات والوصول إليها حيث اختار الفتية الكهف هروبا من الفتنة بينما اختار يوسف السجن فكل يترجم عن حاله ويعبر عن مقامه فكان أهل القرية في الشاهد كاخوة يوسف من حيث الاعتراف أهل القرية اعترفوا بأهل الكهف من حيث أحوالهم لذا قرروا أن يتخذوا عليهم مسجدا من جنس حالهم كما قال تعالى ( قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا ) بينما اعترف اخوة سيدنا يوسف بعلو مقامه عليهم ففعلوا ما هو من جنس المقامات كما قال تعالى ( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا ) إذ ليس المقصود من القصص في القرآن الكريم مجرد القصص وإنما المقصود أخذ العبرة منها من حيث وجود أعمال وأحوال ومقامات أصحابها كما قال تعالى ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )

( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا )

ما قال له هنا ( أم حسبتم ) بصيغة الجمع بل قال له ( أَمْ حَسِبْتَ ) ليدلّك على أن التعجب يصدر من غيره عليه الصلاة والسلام ممّن كان مقامه دون مقامات وأحوال وكرامات أصحاب الكهف خاصّة فضلا عن المقيّدين في سلاسل عالم المحسوسات وغرقى في أوحال الطبائع والماديات

كما لم يقل له ( كانوا من آياتي عجبا ) وإنما قال ( كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا ) بصيغة " نحن " للتعظيم ليشعرك أنّ باب هذه القصّة هو باب صفات متى علمت أن باب القصص القرآنية مداره على صنفين الأوّل باب أسماء والثاني باب صفات أو قل هو مزج بينهما كقصة موسى مع الخضر حيث مجمع البحرين بحر الظاهر و بحر الباطن فهما في الحقيقة غير متناقضين ولا متصادمين ولكن لكل بحر عالمه فلا هذا يجب أن يظهر في عالم هذا لذلك لم يكن مشهد قصة موسى مع الخضر عليهما السلام مشهد محسوس وملموس بل كان مشهدا في عالم غير هذا العالم أو قل كان مشهدا برزخيا أو مشهدا ملكوتيا أو قل كان مشهدا لا يراه الناس فهو مشهد خفي لذلك لم ير فعل الخضر غير موسى

( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا )

بدأ بنسبتهم للكهف قبل نسبتهم للرقيم بترتيب مراد إذ يدلّ إسم الكهف غالبا على السرّ والكتم فيقال فلان كهف الأسرار أي لا يظهر من أسراره شيء ولا يطلع أحدا من الخلق على خفاياه ثمّ لما يعطيه الكهف من تجريد وخلوة فكانت نسبتهم للكهف من حيث جنس أحوال قلوبهم وتوجهات أرواحهم وتعلقات أسرارهم بينما ثنّى بنسبتهم للرقيم لما يعطيه كتابهم من رقم مخصوص بهم كإسم أو مقام أو رتبة أو منزلة فدلّت نسبتهم للرقيم على ظهورهم للناس ومعرفة أغلب الخلق بهم فكأنّهم ظهروا من حيث بطنوا فكأن الرقيم كان للدلالة على ظهورهم بينما كان الكهف دلالة على بطونهم فبطنوا من حيث كهف أسرارهم وظهروا من حيث رقيم مقاماتهم لأنّ المقامات لا بدّ لها من ظهور أقصر الزمن أم طال كما قال تعالى في حقّ سيدنا يوسف عليه السلام ( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ) إذ لو لا ظهور المقامات لجهلت الخصوصيات ونكرت الإجتباءات ولما قال تعالى ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ )

( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا )

جاء الرقيم معطوفا على الكهف إشارة إلى أن الظاهر لا يكون إلا تبعا للباطن فهو عنوانه ولا ثبات له إلاّ به فهو في الشاهد كالخبر الذي لا يستغني عن مبتدئه غالبا لكون المبتدأ أصلا والخبر فرعا أو يمكن تسميته بالأصل الثاني الشارح للأصل الأوّل

ثمّ ذكر كونهم من أياته سبحانه وتعالى تعظيما لشأنهم وتنبيها على مقامهم رغم أنّهم ليسوا بأنبياء ولا رسل بل من عباد الله الصالحين وأوليائه العارفين ودلالة على التنصيص بوجود فقه الولاية الربانية والمعرفة الصمدانية وأنّ ما كان من جنس تلك الأحوال والكرامات التي سمعنا بها أو شاهدناها أو قرأنا عنها في كتب السلف والخلف من العارفين مما وقع ويقع لأولياء الله تعالى من كرامات يعتبر أيضا من آيات الله تعالى حيث لا يجوز التكذيب بها ولا نكرانها متى رواها ثقاة ووردت بسند صحيح عن مشهود له بالولاية والصلاح فهذا باب رحمة قرآني يفتح مجالا رحبا للتصديق بكرامات أولياء الله تعالى سواء أكانت كرامات حسية أم معنوية فنسبتها كونها من آيات الله تعالى يستوجب تعظيم شأنها وعدم تحقيرها بل هي تزيد من درجات الإيمان في قلب المؤمن فليس المؤمن المنكر لكرامات أولياء الله تعالى كالمؤمن المعترف بوجودها ولا يقيّدها بمكان ولا زمان ولا في وليّ دون وليّ أو عبد دون عبد …

إلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّــــي *** مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّــــي
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي *** لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عنّـي
صورة العضو الشخصية
على الصوفي
عضو نشيط
مشاركات: 212
اشترك في: 21 إبريل 2017 03:15
آخر نشاط:

العودة إلى “علوم القرآن و التفسير”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد