رياض الواصلين >> القرآن و التفسير >> هل في القرآن ترادف لغوي أم هو استثناء

20 مايو 2019 00:50

هذا سؤال يهمني الجواب عنه، أضعه لأهل الاختصاص ولكل من يجد من نفسه القدرة على الجواب عنه:
الترادف موجود في اللغة، وجمهور علمائها أنه حقيقي. وظني أن ابن جني أنكره.
لكن في القرآن: هل يوجد ترادف؟ أم أن كل كلمة فيه موضوعة بدقة وحكمة بحيث لا توجد كلمة تُعوّضها. مثلا لاحظتُ أن كثيرا من أهل العلم يفسرون كلمة الطائفة بالقوم، ولفظة القوم بالعصبة، وكلمة العصبة بالفئة، ولا يفرقون بين أمة وطائفة.. وهكذا يجرون في الكتابة كأن هذه كلها مترادفات. وأدقـّهم من يقول هذه ألفاظ متقاربات.
شعوري -والله أعلم- أن القرآن لا يكرّر لا الكلام ولا الألفاظ ولا المعاني.. بمعنى أنه لا ترادف حقيقي في القرآن.. بتاتا.
كذلك في الحديث النبوي، مع أني أظن -والعلم لله- أن العلماء لم يتحدثوا عن الترادف في كلام النبي عليه الصلاة والسلام. وظني أيضا أن الترادف في كلام نبينا قليل وليس هو القاعدة.
السؤال: هل هذا الذي كتبتُه صحيح أم خطأ؟
جزاكم الله خيرا.
إلياس بلكا
عضو نشيط
مشاركات: 204
اشترك في: 22 إبريل 2017 14:35
آخر نشاط: 21 يونيو 2019 22:34
العمر: 51
اتصال:

20 مايو 2019 02:55


جزاكم الله خيرا سيدي إلياس على طرحكم العلمي الراقي

هل السؤال متوجه نحو المترادف من الألفاظ من غير اشتراك في منطوق اللفظ كقولكم ( .. كثيرا من أهل العلم يفسرون كلمة الطائفة بالقوم، ولفظة القوم بالعصبة، وكلمة العصبة بالفئة، ولا يفرقون بين أمة وطائفة...) ؟

أو متوجه نحو الألفاظ المشتركة في الكتابة والنطق وتحمل نفس مترادفات المعاني من حيث دلالتها الظاهرة ؟

هل يمكن التمثيل لنا ببعض شواهد الآيات سواء في التوجه الأول أو الثاني ؟ أي فيما يظهر لدى علماء العربية أو التفسير أنها مترادفات ؟

مع التنبيه أن شعوري يوافق شعوركم تماما في قولكم
شعوري -والله أعلم- أن القرآن لا يكرّر لا الكلام ولا الألفاظ ولا المعاني.. بمعنى أنه لا ترادف حقيقي في القرآن.. بتاتا
إلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّــــي *** مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّــــي
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي *** لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عنّـي
صورة العضو الشخصية
على الصوفي
عضو نشيط
مشاركات: 175
اشترك في: 21 إبريل 2017 03:15
آخر نشاط: 14 إبريل 2020 10:45
اتصال:

22 مايو 2019 03:41

شكرا الأستاذ علي.
الذي أعنيه أن كثيرا من أهل العلم حين يفسرون قوله تعالى: {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً.} أو قوله: {ليظهره على الدين كله.} يقولون الظهور يعني النصر، كما في الآيات الأخرى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أقدامكم.}
كذلك يفسرون الظهور والنصر بالغلبة: {اُدْخُلُوا عَلَيْهِمْ الْبَاب فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ}. {كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ.}
وقال قوم فرعون: {إنا فوقهم قاهرون.}
فيتكلمون، بل ربما صرّحوا بذلك، كما لو أن الظهور والقهر والنصر والغلبة.. مترادفات لها المعنى نفسه.
إلياس بلكا
عضو نشيط
مشاركات: 204
اشترك في: 22 إبريل 2017 14:35
آخر نشاط: 21 يونيو 2019 22:34
العمر: 51
اتصال:

23 مايو 2019 13:27


حياكم الله تعالى سيدي الياس بلكا وبارك فيكم

معنى الظهور في القرآن أبلغ من مجرد معنى النصر أو الغلبة لأنه يشملهما بينما هما لا يشملانه من جميع جوانب معانيه بيد أنه أكثر احاطة وشمولية منهما كما أن معنى النصر أبلغ من مجرد معنى الغلبة كون النصر أشمل من مجرد الغلبة إلا أن جميع تلك الكلمات تؤدي معنى مشتركا فيما بينها هو محور وأساس كل مفردة منها

كقولنا " الظهور " فمحوره النصر والغلبة " لأنه لا يعقل وجود ظهور من غير نصر وغلبة أو وجود نصر من غير غلبة بينما وجود القهر ليس ضرورة مرافقته للنصر والغلبة بينما يرافق الظهور فلا ظهور من غير قاهرية لأنه سبحانه لو لم يكن قاهرا فوق عباده مثلا لما كان محيطا بهم لما يؤديه معنى القهر من معاني الظهور بين بني البشر ولا يطلق وصف الظهور بمعنى النصر والغلبة على ذات الباري سبحانه

لأنه سبحانه الظاهر فلا ظهور فوق ظهوره فهو القاهر فوق عباده المؤمن منهم والكافر على حد سواء بل الوجود بأسره متى فهمنا أن معاني الظهور كثيرة منها ما يليق بجناب الخالق جل وعلا ومنه ما يناسب المخلوق كقولنا في الإستواء فما يليق بالخالق منه لا يناسب المخلوق لذلك ضل اللغويون في مثل هذه المباحث ففسروا ألفاظ القرآن بما هو مشترك من معاني الألفاظ ودلالتها الظاهرة في محل النطق بين الخالق والمخلوق وهذا غباء وجهل بالحضرة العلية { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ }

فتفسير صفات الله قياسا على صفات المخلوقين يعد من الشرك لذلك وجب التنزيه ثم التقديس بعده حتى عد الإمام مالك رحمه الله مجرد السؤال عن معنى الإستواء بدعة في الدين من جملة بدع الضلالة كما في الحديث ( .. كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ) وهو هذا الصنف من البدع خاصة لتعلقها بإفساد العقول والأفكار والتشويش على القلوب وهذه من أخطر البدع لتعلقها بالعقائد والحقائق ..

مثال على ذلك يقرب لنا معنى المترادفات كقولنا في الحليب مثلا كونه يحتوي على اللبن العادي واللبن الرائب وغير ذلك من مشتقاته السائلة عبر طريقة تحضيره فمهما كانت تلك السوائل تنتمي كلها في الأصل إلى الحليب فلا يطلق عليها إسم الحليب كإسم خاص لها لكن يمكن مرادفتها في جميع مشتقاتها السائلة كونها حليبا ..

كذلك نجد من الكلمات العربية ما هو من صنف " الكلمة الأمّ " التي قد تحمل في بطنها أكثر من معنى في كل مرة بحسب سياقها في الجملة كأم مثلا تكون حبلى في كل حمل بجنين واحد أو توأمين وربما ثلاثة وأربعة ...
فلكل كلمة أكثر من معنى لذلك صح وجود الترادف في الكلمات والألفاظ فكما يوجد ألفاظ مشتركة يوجد معان مشتركة ..

لكنهم وضعوا في تفسير كلمات القرآن بالمترادفات شروطا منها أن يكون اللفظ المرادف موجود في القرآن الكريم أو يكون معناه موجودا بلا شبهة أو تشابه كالنصر والغلبة يوجدان رسما ومضمونا في القرآن كقوله تعالى { إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ }

أنظر كيف جمع بين النصر وبين الغلبة لأنها من نفس عائلة المراد من المعنى -مهما أختص كل لفظ منهما بخصائصه التي لا توجد عند اللفظ الآخر- يفضي بعضهما إلى بعض كما يفضيان بدورهما إلى الكلمة الجامعة الأم التي هي " الظهور " فهي كسلسة تفضي كل حلقة منها إلى الحلقة التي تليها مع ملاحظة وجود الحلقات البعيدة عن الحلقة الأم ووجود الحلقات القريبة من الحلقة الأم كقرب معنى النصر والغلبة لمعنى الظهور أو اقتران معنى الظهور بمعنى الغلبة والنصر ..

كذلك اقتران معنى كلمة الغلبة بالنصر والظهور متى علمت أن كل لفظ قد يكون في حالة معينة لفظا أمًّا بينما يكون في حالة أخرى لفظا ابنا للكلمة الأم لأن الألفاظ والكلمات غير جامدة بل متحركة كما تحركت كلمة "كن " التي أوجد الله بسببها حكمة بالغة كل مخلوق من الذرة التي لا يمكن رؤيتها لصغر حجمها إلا عن طريق مجهر إلى المجرة أو إلى أكبر مخلوق من الأكوان الذي هو العرش أو ماهو أكبر وأعظم من العرش ...

متى افترضنا على سبيل احتمال وجود مخلوقات لا ندري عنها شيئا لا حجما ولا شكلا أو مضمونا لعدم تناهي قدرة الله المطلقة في الإيجاد والإمداد إذ لا تقييد في أسماء الله وصفاته وما قيد الإمام الغزالي رحمه الله في قوله " ليس في الإمكان أبدع مما كان " ااطلاقات القدرة الإلهية بل كأنه قال " ليس في القدرة الإلهية أبدع مما يوجد في القدرة الإلهية "

كون ابداعاتها غير متناهية ولا عبرة بالتفصيل بعد ذلك الذي يصدر من غيره أو منه مما يخالف عقدا أو عقلا إذ كم من عبد تخرج على فيه جملة من الحقائق صادقة توافق المعقول والمنقول والشريعة والحقيقة إلا أنه يقع في خطأ بيانها عند شرحها وتفصيلها كصاحب رؤيا منامية مهما كانت رؤياه صادقة قد يخطئ في تأويلها أو تأويل بعض أجزائها كالرؤيا التي رآها رسول الله عليه الصلاة والسلام فأصاب من أوّلها من الصحابة في بعضها وأخطأ في بعضها الآخر منهم أبو بكر وعمر وكفى بهما علما ودراية وتحقيقا ..

معنى الظهور شامل لكنه لا يتحقق إلا بالنصر والغلبة لذلك متى وجدنا كلمة الظهور في القرآن لا يعني ذلك أنها تجمل معنى واحدا بل قد تكون من الكلمات المشتركة مع اختلاف وجهة المعاني فيها بحسب سياقها في الآية القرآنية

كقوله تعالى { كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً } وفي قوله تعالى { يُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ }

جاء بكلمة " الظهور ّ في الآيتين رغم أنهما في الحقيقة لا تؤديان نفس المعنى ولا يمكن أن تشرح بنفس المترادفات كونهم فسروا معنى اظهاره على الدين بقولهم " ليعليه ويرفعه على سائر الأديان " فدخلت هنا مترادفة العلو والرفعة بخلاف كلمة الظهور في الآية الأولى كانت أقرب المترادفات إليها في الشرح كلمة النصر والغلبة إنما عبر عنهما بنفس لفظة الظهور لأن ما يجمعهما هو الشمولية والإحاطة فهذا أقرب معنى من المعاني الجامعة الذي يجمعهما ..

في الشاهد كأهل الله مثلا هم مراتب وأحوال ومقامات ودرجات لكن معرفة الله تعالى تشمل الكافة منهم وعليها ينجمعون إذ لولا تلك المعرفة التي هي ثمرة العبودية ما ظهرت مقامات ولا عرفت أحوال أو تمايزت درجات ..

إذ لو لا الملّة لما صار نزاع عقدي ولا ديني كسيد الوجود صلى الله عليه وسلم عاش في مكة بين قومه أربعين سنة في سلام وأمان ووئام قبل مجيء الإسلام لكن بعد مجيء الوحي إليه تغير الأمر بسبب نزول الحقائق لتظهر بعد ذلك مراتب العباد ومنازلهم في الدنيا والآخرة فنزلت لغة القرآن مخبرة بكل ذلك المعترك الأرضي ومبينة سبل النجاة وطرق الفوز والفلاح السماوي فوردت ألفاظه ومعانيه بحسب مستلزمات ومقتضيات كل حقيقة في الظاهر والباطن { مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ }

لأن التفريط في أي ذرة من معنى أي كلمة لا يمكن حصوله في القرآن الكريم البتة كون التفريط نقيض الإفراط فكل مفرِّط بكسر حرف الراء هو مُفْرِطٌ صاحب غلو سواء غلوه في التفريط أو غلوه بعد ذلك متى طغى في الإفراط بينما القرآن نزل في مرتبة وسطية لا افراط فيه ولا تفريط فوردت المعاني كاملة منسجمة متناغمة لا خلل فيها ولا اعوجاج {
بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ } فلا يوجد على وجه الأرض لغة يمكنها تأدية المعاني القرآنية كما أدتها لغة القرآن العربية ..

لأن صفات الله وأسمائه قدسية منزهة لا يتناولها وصف التفريط ولا وصف الإفراط فهي ميزان الإعتدال كونها بين فضل وعدل وحق ...الخ

وعليه فكلمة الظهور أينما وجدت يراد بها شمول النصر في الظاهر والباطن وهذا غير ممكن تحققه لدى الكفار والمشركين على المؤمنين لذا ذكر ذلك على وجه احتمال حدوثه مخبرا عن اضمار نواياهم لو حصل ذلك وظهروا على المؤمنين فهو اخبار بنواياهم فيما يضمرونه عند حدوث ذلك الظهور

لا يكون هناك ظهور من المشركين على المؤمنين أبدا من حيث شمول الظهور أما من حيث بعض جزئياته ومفرداته فقد يحصل كالتي فسر بها من المفردات الأخرى كمعنى النصر في الحروب الذي قد يكون للمشركين والكافرين منه حظ ونصيب في أزمنة مختلفة أو معنى الغلبة الذي قد يحصل للكافرين على المسلمين متى علمت أن هذه المعاني آنية كالغلبة التي هي أخص من النصر فهي قد تكون غلبة آنية وكذلك نصرهم كونه نتيجة منقوصة لا ظهور فيها ...

{ غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ }
كفي نزال حرب أو معركة تكون فيها الغلبة للمشركين فينهزم جيش المسلمين وقد حدث هذا كثيرا في تاريخ الأمة لكن النصر كان أكثر من الهزيمة { لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ }

رغم أن معنى الغلبة قد يأتي بشمول أكبر فيكون أعم من مجرد حصول النصر فكما قدمنا تمثيل الكلمة بالأم والإبن قال تعالى { كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي } لأن هناك فرق بين المعاني الخاصة بصفات الله وأفعاله وكل ما كان من جنسها كأفعال الرسل والأنبياء من باب كنت بصره وسمعه ويده ورجله وبين أفعال سائر العباد عند اتصافهم بوصف البشرية ...

لذلك خشي النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر من ظهور المشركين على المؤمنين فدعا ربه وألح في دعائه بالنصر إلى أن سقط رداؤه عليه الصلاة والسلام لأن الظهور يفيد معنى شمولية الإفناء أي كما عبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر ( اللهُمَّ إِنَّكَ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلامِ فَلا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ أَبَدًا ) إنما خاطب صلى الله عليه وسلم ربه بذلك لما يعلمه من الحقائق مما لا نعلمه جميعا فانظر قوله تحديدا ( فَلا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ أَبَدًا ) فهو معنى يتجاوز مجرد معنى الهزيمة الحربية ...

كونها كانت معركة فاصلة بين الحق والباطل حضر فيها أكابر أهل الإيمان من الإنس كسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأكابر أهل عالم الملكوت من الملائكة جبريل وميكائيل ومدد الملائكة وكذلك أكابر أهل الكفر من عالم الجن وهو إبليس نفسه لعنه الله تعالى فتوجهت على تلك المعركة نتيجة معنى الظهور أكثر مما توجه عليها مجرد معنى الغلبة أو معنى النصر وإن كان النصر وكذلك الغلبة مطلوبين ضرورة لحصول الظهور لذلك فسر المفسرون معاني الظهور بالغلبة والنصر والعلو والرفعة ...الخ لأنها من جملة أجزاء معانيها سواء القريبة كالحلقات في السلسة من حيث البعد والقرب أو البعيدة التي لا ترادف معنى محوريا وإنما قد ترادف معنى صفاتيا من الكلمة لا معنى ذاتيا لها ..

يدخل في هذا أيضا معنى القهر وإن كانت المعاني القهرية تفيد معنى غلبة الظاهر مع غلبة الباطن كغلبة فرعون وجنوده قوم موسى ظاهرا فيستعبدهم وكذلك يغلبهم باطنا بما يشعرون به ويحسونه من القهر الباطني فيكونون أسرى له ظاهرا وباطنا تحت قهره قابعون لذلك قال تعالى في التخلص من هذا النوع من القاهرية الطاغوتية { قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ }
فجاء النصر بداية ثم شفاء الصدور من ذلك القهر من الظلم الذي كانوا فيه نهاية

هذا باختصار أرجو أن أكون قد قربت المعنى قدر الإمكان وأن أكون أصبت في الجواب أو بعضه والله تعالى أعلم وأحكم
..
إلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّــــي *** مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّــــي
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي *** لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عنّـي
صورة العضو الشخصية
على الصوفي
عضو نشيط
مشاركات: 175
اشترك في: 21 إبريل 2017 03:15
آخر نشاط: 14 إبريل 2020 10:45
اتصال:

25 مايو 2019 18:09

جوابكم موفق سيدي علي، وفهمته جيدا، لكنه للعموم يحتاج لتوسّع أكثر، لأن الجواب غنيّ بالإشارات وبالموضوعات المتداخلة كالتنبيه على أننا حين نفسر هذه الألفاظ منسوبةً لله مثلا، يختلف تفسيرها منسوبة للناس. فالغلبة الإلهية ليست كالغلبة البشرية.
ونستفيد من الجواب أن الظهور هو الكلمة الأعم والأشمل، وفكرة الكلمة الأم والكلمات المتولَّدة منها.. وكيف تشترك في معنى ما، ثم تختلف.
هذا كله يؤكد أن الترادف الحقيقي في القرآن إن وُجد فهو استثناء جدا. وهذا من عظمة الكتاب العزيز أن كل لفظة فيه لا يمكنك استبدالها بغيرها مع الحفاظ على المعنى والسياق القرآنيين، أي إذا وضعتَ مكان الكلمة أيّ كلمة أخرى مهما كان اختلّ النظم القرآني.
لذلك خطر ببالي وأنا أقرأ جوابكم وتشعّباته أن هذا القضية تصلُح أن تكون موضوعا يسجله الباحث لنيل الدكتوراه في علم التفسير أو في اللغة العربية.
إلياس بلكا
عضو نشيط
مشاركات: 204
اشترك في: 22 إبريل 2017 14:35
آخر نشاط: 21 يونيو 2019 22:34
العمر: 51
اتصال:

26 مايو 2019 02:11

قولكم بخصوص القرآن أن
كل لفظة فيه لا يمكنك استبدالها بغيرها
صحيح لأن استبدال الكلمات وتعويضها بغيرها سواء بما يرادفها أو يخالفها يدخل فاعل ذلك بالمحرف للكلم عن مواضعه وإن كان وضع المرادف بدل النص من حيث الألفاظ التوقيفية أدنى تحريف من الذين قال تعالى فيهم { فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا }

مهما كانت نية فاعل ذلك التبديل بالمترادف حسنة لا يقصد بما فعله تحريفا أو تزويرا فهو مدان وإنما قد يعتذر عنه لسبب من الأسباب أوقعته في ذلك المحذور كصدور جهل أو سوء حفظ أو نسيان وسهو ...الخ

لأنّ التحريف نوعان نوع يشمل تحريف النصوص التوقيفية أي أصل وضع الكلمات في النص القرآني أو أصل وضع ألفاظ نصوص الوحي الأخرى في الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل وذلك بوضع كلمة مكان كلمة وهذا ما فعله اليهود خاصة وكذلك النصارى { وقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }

ونوع يشمل تحريف المعاني المرادة من نصوص الوحي التوقيفية وهذا التحريف أكثر خبثا وزيغا من النوع الأول من التحريف رغم أن النوع الأولى أخطر كونه تحريفا سار مفعوله على مر الأزمان بخلاف تحريف المعاني مع حفظ النص من التبديل فقد يأتي أقوام يهتدون إلى الصواب والرجوع إلى جادة فهم المعاني التي تم تحريفها عن مضمونها الحقيقي لذلك عظم أهل الله علماء الظاهر من حملة الشريعة المطهرة وثنوا عليهم ثناءا حسنا

كونهم مرابطين في مقام حفظ الشريعة الغراء ومن ذلك حفظ القرآن الكريم كتابة ورسما وتلاوة من كل تحريف ينال نصوص الوحي التوقيفية من الآيات والسور وكذلك حفظت المتون الحديثية قدر الإمكان حتى أنشأوا في هذا علم مستقل سموه علم الدراية الحديثية كالجرح والتعديل وأنواع مراتب الحديث ودرجاته ومبحث غريب الألفاظ ..الخ فرضي الله تعالى عن علماء الأمة الإسلامية الذين حفظ الله بهم دينه سواء من العلماء العاملين أو العارفين المحققين ..

لا يمكن استبدال كلمة بأخرى في القرآن مهما أمكننا تفسير القرآن وبيان معانيه للناس إذ لا يمكن فهم القرآن من غير تفسير بالمترادفات حتى تميز المعاني وتفهم المرادات القرآنية قدر الإمكان كتراجم القرآن مثلا باللغات الأجنبية هي تراجم تفسر معاني الآيات قدر الإمكان من حيث المنطوق والمفهوم العام والخاص إذ لو أنكر منكر ترجمة القرآن إلى اللغات الأجنبية لقلنا له عليك أيضا بانكار تفسير القرآن كليا في هذه الحالة إذ ما الفرق بين تفسير القرآن باللغة العربية واستعمال مترادفات اللغة لتبيينه للناس ومعرفة أحكامه

رغم أن المترادفات ليست هي الكلمات عينها الواردة في النص القرآني وبين نقل ذلك النص إلى لغة غير اللغة العربية مهما اعتبرناها ترجمة حرفية للقرآن أو بيان معاني مرادات الخطاب الإلهي قدر الإمكان لأن الترجمة بالنهاية ليس هي النص القرآني ولا يمكن اعتبار الترجمة قرآنا لأن الفرق بين النص الأصلي وبين ترجمته أمر ظاهر واضح لا يحتاج الى تشغيب وانكار خصوصا مع ورود قوله تعالى { وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ } الشاهد { وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ } إذ كيف يخبر سبحانه أن من آياته اختلاف لغات البشر ثم يحرم ترجمة كتابه إلى لغات العالم ؟ لذلك ترجمت أيضا التوراة المحرفة وكذلك الأناجيل المحرفة إلى عشرات اللغات ..

مقصودي من هذه الإضافة ليس ما كتبته الآن وإنما ما سيأتي بعده من حيث الجواب على قولكم ( كل لفظة فيه لا يمكنك استبدالها بغيرها ) لنذكر سبب عدم امكانية استبدالها بغيرها لأن لقائل أن يقول ما المانع ما دامت المترادفات تحمل نفس المعاني وحتى وإن لم تحمل نفس المعاني تامة فهي تحمل محور المعنى ومجمله وبذلك يحصل الفهم ويستبان المراد ؟

لذلك يجب فهم ما معنى الألفاظ التوقيفية في نصوص الوحي متى علمنا أن القرآن هو الصدق المطلق فكانت كل كلمة فيه تحمل مدد الصدق المطلق والعلم المطلق فيما يراد لها ويختص بها فأضحت كل كلمة من القرآن كعين جارية نابعة بالمدد العلمي في كل لحظة ولمحة بما أن القرآن لا تنقضي عجائبه لذلك اعتنى المفسرون بعلوم كثيرة سموها علوم القرآن منها علم رسم الكلمة القرآنية وشكل الكلمة وطريقة نطق الحرف في الكلمة القرآنية ووجوه اعراب الكلمة وعلوم الكلمة البيانية من حيث لغة العرب من معاني وبديع وكحقيقة ومجاز وهل في القرآن مجازات وهل المجاز يشمل المعاني أو المباني فقط وكذلك الإستعارات في القرآن والتشبيهات ...الخ من علوم القرآن اللسانية ومن ذلك أسرار الوقف والإبتداء ..الخ

كل ذلك يحتاج إلى بيان نسأل الله أن يقدرنا على كتابته بتوفيق من الله تعالى إن شاء الله تعالى والله تعالى أعلم وأحكم

ألف الإمام السيوطي كتابه ( الإتقان في علوم القرآن ) كما ألف غيره كثير في هذا المبحث متى علمت أن أهل القرآن هم أهل الله وخاصته كما ورد في الحديث فلا تجد بعد هذا أفضل ولا أصوب من التوجه نحو قراءة كتاب والله وحفظه والعمل بما جاء فيه فقد سئلت أمنا عائشة رضي الله عنها عن أخلاقه صلى الله عليه وسلم فأجابت بقولها ( كان خلقه القرآن ) لقوله تعالى { وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ } أما المنشغلون بقال فلان وقرر علان ويغترون بذلك ويهجرون القرآن فلا تعبأ بهم فعلامة العالم حبه للقرآن الكريم ووقوفه عند أحكامه والتعبد بتلاوته ..

إلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّــــي *** مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّــــي
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي *** لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عنّـي
صورة العضو الشخصية
على الصوفي
عضو نشيط
مشاركات: 175
اشترك في: 21 إبريل 2017 03:15
آخر نشاط: 14 إبريل 2020 10:45
اتصال:

26 مايو 2019 14:38


عندما نقول لا يمكن استبدال كلمة مكان كلمة أخرى ترادفها وتدل على محور معناها ومجملها في القرآن الكريم أي من طرف المخلوقين ولو كانوا أنبياء ومرسلين أما الحضرة العلية فلها أن تستبدل ما شاءت كيفما شاءت في الوقت الذي تشاء من نصوص الوحي ..

سواء عن طريق تبديل أو محو آيات من نصوص القرآن أو نسخ حكمها مع اثبات كتابتها كما هو مقرر عند علماء التفسير والأحكام القرآنية قال تعالى { مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } بل ولها أن تستبدل حتى المخلوقات وتأت بأفضل منهم { إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ } { وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم }

أنظر قوله { مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } فذكر في المقام الأول { نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا } ثمّ الدرجة الثانية { أَوْ مِثْلِهَا } مشيرا إلى أن محو أو قبض أو استبدال آية أو بعض آيات أو نسخ حكمها من القرآن الكريم هو من مقدور الحضرة الإلهية وحدها ومعلوم أن الآية تتألف من كلمات تفيد حكما أو معنى أو دلالة ...الخ

فيكون الإتيان عند محوها أو نسخها بخير منها بينما أدنى درجات الإتيان أن يحصل بمثلها وهذا ليس في مقدور البشر قاطبة لأنه مهما بلغ العبد من معارف وعلوم واختصه الله تعالى بخصائص الفيوض والفتوح لا يكون في مقدرته استبدال حرف مكان حرف أو كلمة مكان كلمة أو آية مكان آية بعد محوها من القرآن الكريم

لأن الكلام صفة المتكلم به قال في الحكمة العطائية من باب وصف كلام المخلوقين حتى يبين الفوارق بين مراتب الناطقين من الخلق (كل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز ) فما بالك بحقائق نزول كلام رب العالمين ؟ لا بد أن يكون نزل بحسب ما هي عليه الحضرة الإلهية من حقائق في سائر أسمائها وصفاتها من حيث الأنوار والأسرار التي وقع بها التجلي الذي لا يتناهى ...

فكان القرآن هو ناطقة الحضرة الإلهية في مقام أحكام الشريعة ومقام أنوار الطريقة ومقام أسرار الحقيقة من حيث العلم المطلق والحكمة المطلقة والصدق المطلق وهكذا في سائر الأسماء والصفات الإلهية فلا يدل القرآن الكريم إلا على الله تعالى من كل وجه في مختلف المراتب والدرجات والمنازل والمقامات من الأزل وإلى الأبد { مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ } أزلا وأبدا

لأن كلام الله تعالى صفة له والصفة لا تفارق الموصوف أزلا وأبدا لذلك وصفوه بالصدق المطلق الذي لا غاية ولا نهاية لصدقه { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا } { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا } الجواب : محال وجوده لأن الصدق الإلهي يتبع العلم الإلهي فحيثما سار العلم سار برفقته الصدق وكذلك الحكمة وغير ذلك من الصفات الإلهية ..

لذا عندما استفسرت الملائكة عن وجه الحكمة من جعل آدم خليفة في قولها { قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } ردها ربها تبارك وتعالى إلى استشعار الصدق المطلق في العلم والحكمة الإلهية لأن الحكمة لا تنفصل عن العلم كما لا ينفصل العلم عن الرحمة فجاءها الجواب بقوله تعالى { قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ } فما أجابهم مثلا بقوله ( إني أفعل ما أشاء أو أختص برحمتي من أشاء أو أختار من أشاء ..الخ )

رغم أن هذا كله حاصل وواقع لكون الملائكة تعلم كل ذلك وتدركه تماما وتسلم لله فيه لأنه الفاعل المختار لكن كان منحى الكلام لا يشمل هذه المسلمات بل يشمل مدرك أعلى وأشمل وأدق لذلك جاءهم الجواب بالإحالة إلى استشعار مغيبات العلم الذي ترافقه الحكمة مما لم يطلعهم عليه بخصوص شأن ذلك الخليفة الذي هو آدم

أي لم يعلموا ما أودعه الله تعالى من استعداد لحمل أمانة الخلافة فيه وفي بنيه وأن هذا الإستعداد لا يوجد في غير آدم وبنيه ولا يوجد بتمامه وكماله فيهم رغم نعوت صفاتهم النورية وعلو مقاماتهم العرفانية لذلك أمرهم بالجواب على السؤال المتعلق بحقائق الخليفة من حيث السرّ الذي أودعه فيه وهو سر الإتصال والوصال بحضرته العلية { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ }

بعد أن قال { وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ } قال لهم { فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } أي إن كنتم صادقين في قولكم من حيث الصدق المطلق الذي هو صفة لي لا صفة لكم أنه يفسد ولا يصلح ويسفك الدماء ولا يحفظها فطالبهم بالصدق المطلق الذي لا يمتلكونه فيما قالوه كما لا يمتلكه أي مخلوق آخر من المخلوقين لأنه من وصف رب العالمين لا يمكن أن يشاركه فيه غيره

رغم أن الأنبياء والرسل وكذلك أهل الله تعالى يخلّقهم بصفاته الجمالية كالرحمة والصدق والنور والعلم والحكمة وغير ذلك من الصفات الجمالية وهي صفات التخلق لكن ليس على وجه الإطلاق مهما بلغت مراتب الكمال أي لا يكونون متصفين بها على نعت الإطلاق لا تزول عنهم كما لا تزول الصفة عن الموصوف بها لأنها ليست أصلا فيهم بخلاف الحضرة العلية فهي متصفة أزلا وأبدا بجميع صفاتها الجمالية والجلالية ...

من هنا قالوا أن الصفات الجلالية تكون للتعلق بينما الصفات الجمالية تكون للتخلق أما التحقق بها من حيث معرفتها ونسبتها لصاحبها وعدم ادعائها فعليه مدار الأمر كله وهو من حسن الأدب مع الله تبارك وتعالى فالدعوى قاصمة للظهور خصوصا متى ادعيت أوصافه فهذا لا يجوز وهي مزلة أقدام كونها من الشرك الذي هو ظلم كبير

حتى لا يشاركه أحد في أوصافه فتصبح أوصاف الإله هي عينها أوصاف المخلوق بالأصالة وهذا محال رغم أن بعضهم قد يطلق معنى التخلق بالصفات الجمالية على كونه التحقق بها لا مشاحة في الإصطلاح مادام المعنى صحيحا مع وجود الحد الفاصل بين مكانة الخالق ومرتبة المخلوق

ذكرت قصة استفسار الملائكة حتى يدرك القارئ معنى الصدق المطلق في القرآن وأن القرآن نزل من عند الله ليس لأمين الوحي مقدرة على الزيادة فيه ولا نقصان ولا للنازل عليه مثل ذلك كونه الصدق المطلق الذي لا يمكن الزيادة فيه ولا التنقيص منه لا بحرف ولا كلمة بوجه من الوجوه إلا ما كان من قبيل أوجه القراءات المختلفة والروايات المختلفة كونه أنزل على سبعة أحرف فهذا مبحث آخر كل تكلم فيه بحسب ما أدركه وفهمه من الحديث النبوي المتعلق بهذا الخصوص على صاحبه أفضل الصلاة وأزكى التسليم مع العلم أن العبد الفقير لا علم لي بمعنى حديث نزوله على سبعة أحرف إلا ما قرأته في كتب علماء الشريعة والعارفين لا غير ...

يجب العلم بعد هذا أن لغة القرآن لغة مستقلة بذاتها لا لكونها تخالف اللغة العربية وإنما لكون اللغة العربية تنقسم بدورها كما قدمنا سابقا إلى لغة نثر وشعر ثم بعد ذلك إلى لغة قرآن فالقرآن لغته لغة عربية خاصة به في كثير من الوجوه والحقائق منفردة عن كثير من أحكام لغة النثر ولغة الشعر لذلك نفى القرآن أن تكون لغته لغة شعر { وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ } ولا لغة نثر { وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِين ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ } ولا كونه كهانة روحانية { وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ }

لذلك أنزل القرآن على رجل أمي لا يعرف القراءة والكتابة من قبل { وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ } لأنه لو حدث هذا { إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ } من حيث اتهامه بصناعة التأليف سجعا أو نثرا أو شعرا أو خليط بينها كما فعل مسيلمة الكذاب من تأليف كتاب يحاكي به آيات القرآن وسوره سماه تابعوه بلغوا عشرات آلاف " قرآن مسيلمة "

لذلك منع النبي عليه الصلاة والسلام تدوين أحاديثه النبوية خشية أن يختلط الحديث بالقرآن الكريم وما دون الحديث في الكتب إلا بعد مرور زهاء مائة سنة من تاريخ الهجرة النبوية بعد أن رسخ القرآن في قلوب وعقول الناس رغم أن الرعيل الأول من الصحابة أخذوا بالنهي على ظاهر الحديث لأن علة النهي كانت موجودة في زمانهم وهي خشية اختلاط متون الحديث النبوي بآيات القرآن كل ذلك يشعرك بعظمة القرآن الكريم وأنه كما قال تعالى { لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ }

رغم وجود العناصر المشتركة من حيث ظاهر الرسم والنطق بين لغة القرآن ولغة النثر العربي من حيث الحروف وقواعد الكتابة وشروطها من آلات كنحو وصرف وبلاغة ..الخ

لذلك كان العرب أولى الناس بالإيمان بهذا القرآن والسعي في نشره واعلاء كلمة الله تعالى به فمتى تركوه وراء ظهورهم وهجروه كان الوزر عليهم ضعفين لأنهم أهل اللغة وأصحابها وهذا اجتباء إلهي لهم أختصوا به من بين سائر الأمم الذين يحسدونهم إلى اليوم عليه فكل من تعلم اللغة العربية لأجل قراءة القرآن وفهمه ونبغ في ذلك كل بحسب جهده فهو صاحب اجتباء إلهي فطوبى له ...

كما أنه على الأمم الأخرى محبة العرب فمحبتهم واجبة متعينة إذ محال أن تحب القرآن وتبغض اللغة العربية ومحال أن تحب اللغة العربية وتبغض أهلها الذين هم العرب حتى أنه ورد في بعض الأخبار أو الأقوال " حب العرب من الإيمان " قال الشاعر :
( أحبُّ لحبها السودان حتى*** أحبَّ لحبها سود الكلاب )

فيا من تدعي حب الله تعالى ورسوله النبي العربي القرشي الهاشمي عليه الصلاة والسلام كيف ترضى لفسك بغض العرب من المسلمين على ما كان منهم من السيئات تقتدي بذلك بالمسيخ الدجال وإبليس لعنهما الله تعالى حيث يشهّران بالعرب في مختلف الأزمنة والأماكن والآن عبر وسائل الإعلام الصهيونية بحق وبباطل والباطل أكثر بكثير من الحق كونهم يحذقان التلبيس والتدليس أو تظنّ أن الذي أوصل إليك دين الإسلام انطلاقا إلى مختلف الأنحاء أناس ورجال غير العرب ؟

أنظر مكان استشهاد كثير من الصحابة خرجوا يجاهدون في سبيل الله ليصل لك هذا الدين الذي تتمتع اليوم بأنواره وتتذوق معانيه وأسراره ثم تذم ذرياتهم أو يصل بك الغباء والطيش لذمهم هم أنفسهم والوقوع فيهم كما يفعل الصفويون من الفرس وغيرهم من مختلف الأعراق حسدا من عند أنفسهم ..
إلَهي لا تُعَذِّبني فَإِنّــــي *** مُقِرٌّ بِالَّذي قَد كانَ مِنّــــي
يَظُّنُ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي *** لَشَرُّ الخَلقِ إِن لَم تَعفُ عنّـي
صورة العضو الشخصية
على الصوفي
عضو نشيط
مشاركات: 175
اشترك في: 21 إبريل 2017 03:15
آخر نشاط: 14 إبريل 2020 10:45
اتصال:

27 مايو 2019 18:15

جزاكم الله خيرا -سيدي علي- على هذه الجولة الشاملة في مباحث علوم القرآن.. نسأل الله المزيد من العلم به وبكتابه.
إلياس بلكا
عضو نشيط
مشاركات: 204
اشترك في: 22 إبريل 2017 14:35
آخر نشاط: 21 يونيو 2019 22:34
العمر: 51
اتصال:

28 مايو 2019 02:12

إن الترادف بمفهوم أنه تعدد الألفاظ الدالة على معنى واحد وتطابقها بشكل كلي ، فكرة لغوية غير واقعية في مجال تداوليات الخطاب العربي الأصيل وسياقات التطور الدلالي للألفاظ العربية ، بل إنها فكرة تشكل ضربة قاضية للإعجاز البياني والبلاغي للقران الكريم الصادر عن الله سبحانه الحكيم المحيط بكل شيء ، ولذلك تميزت لغة القرآن الكريم بالدقة في التعبير بالألفاظ المناسبة للمعنى المقصود مع بلاغة التمكن والإحاطة بمختلف الأساليب البديعة . وفي هذا السياق يقول ابن عطية : » كتاب الله لو نزعت منه لفظة ، ثم أدير لسان العرب في أن يوجد أحسن منها لم يوجد . « ولقد تفطن أغلب المفسرين إلى قضية التفريق بين المتشابه من المفردات القرآنية فأبرزوا الفروق الدقيقة . ومن هؤلاء على سبيل المثال الإمام البقاعي رحمه الله ، حيث نجده يحقق في الفروق الدقيقة بين الألفاظ القرآنية المتشابهة ، فيقول : » قال أبو منصور : الفرق بين الوثن والصنم أن الوثن كل ما كان له جثة من خشب أو حجر أو فضة أو ذهب أو جوهر أو غيره ، ينحت فينصب فيعبد ، وقد علم أنه لابد فيه من صورة أو جثة ... وقال أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي في كتاب الزينة : الصنم تمثال من حجارة على صورة الإنسان ، فإذا كان من خشب فهو وثن . «وبناء على هذه الحقيقة نص علماء الشريعة أن من قواعد تفسير القرآن الكريم حمل المفردات القرآنية على أفصح الوجوه اللغوية الصحيحة في معهود الخطاب ، وفي هذا يقول العز بن عبد السلام : » وعلى الجملة فالقاعدة في ذلك أن يحمل القرآن على أصح المعاني وأفصح الأقوال ، فلا يحمل على معنى ضعيف ، ولا على لفظ ركيك « . بل إن كثيرا من علماء الأصول جعل من قواعد الترجيح عند تعارض الآراء التفسيرية في آية معينة ترجيح القول بعدم الترادف على القول بالترادف لكون الترادف خلافا للأصل كما قال البيضاوي .
وتجدر الإشارة إلى أن هذا الموضوع قد اتخذته بعض الفرق المبتدعة في التراث العربي الإسلامي وسيلة لنفي بعض الحقائق العقدية الثابتة بنصوص الوحي ، ومن هؤلاء بعض المعتزلة الذين قالوا بثبوت الترادف في القرآن الكريم بهدف نفي الصفات الإلهية وجعلها مرادفة بشكل ضمني للذات الإلهية . ونفس الشيء يتكرر مرة أخرى في عصرنا هذا مع أصحاب الحداثة والقراءات المعاصرة للنص القرآني من منظور علماني ، فقد ذهب حاج حمد إلى تشبيه لغة القرآن بلغة الرياضيات المثالية من أجل نفي الترادف والاشتراك والمجاز مع نفي الدلالة السياقية للألفاظ القرآنية ، وفي ذلك تفجير واضح لنصوص القرآن الكريم بشكل فظيع . ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
محمد حراز
عضو جديد
مشاركات: 1
اشترك في: 20 مايو 2019 00:39
آخر نشاط: 01 يناير 1970 01:00
مكان: المغرب
العمر: 54
اتصال:

29 مايو 2019 02:34

بارك الله فيك الأستاذ محمد حراز على هذه الإضافة المفيدة في موضوع الترادف والتي ألقتْ عليه ضوءً جديدا، منها قول بعض الفرق كالمعتزلة بترادف كثير من ألفاظ القرآن.. ليصلوا بذلك إلى تفسير الصفات بعضها ببعض، ومن ثمّ تعطيلها.
وهذا وغيره من أقوال الحداثيين نوع من تحريف القرآن الذي أشار إليه الأستاذ علي في تعليقه الأخير.
إلياس بلكا
عضو نشيط
مشاركات: 204
اشترك في: 22 إبريل 2017 14:35
آخر نشاط: 21 يونيو 2019 22:34
العمر: 51
اتصال:

23 يناير 2020 02:27

ما أحسن هذه المدارسة لكتاب الله، لاجفت أمداد أقلامكم.
عابرسبيل
عضو نشيط
مشاركات: 42
اشترك في: 15 يوليو 2017 22:49
آخر نشاط: 21 مارس 2018 23:01
مكان: مدينة
العمر: 24
اتصال:


العودة إلى “القرآن و التفسير”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد